هوس الأغلبية بالطاقة الكونية (2)0

“التعريف العلمي للطاقة هو “القدرة على عمل شغل ما

  أي أنها قيمة قياسية تفيد في معرفة قابلية الجسم أو قدرته على بذل شغل. و وحدة قياس الطاقة هي الجول

و لا ينفع أن نقول طاقة و نسكت لأن هنالك عدة أشكال للطاقة: فالطاقة ممكن أن تكون حرارية، أو طاقة كيميائية، أو طاقة إشعاعية، أو طاقة نووية، أو طاقة كهرومغناطيسية، أو طاقة حركية أو كامنة، أو طاقة كهربائية أو حتى طاقة مظلمه

و الطاقة بأغلب أنواعها تتجدد لكنها لا تستحدث من العدم، بل هي جزء من طبيعة الأشياء بالكون. و هي ممكن أن تتحول من شكل لآخر كما يحدث عند تحويل الطاقة الحركية للمياه الجارية إلى طاقة كهربائية بإستخدام التوربينات. أو تحويل الطاقة الكيميائية في البطارية إلى طاقة كهربائية، أو تحويل الطاقة الشمسية (حرارية) إلى طاقة كهربائية، أو تحويل الطاقة الكيميائية (بوجود الغذاء و الأكسجين) في خلايا الجسم الحي إلى طاقة كامنة (تقاس بالسعرات الحرارية) تساعده في القيام بوظائفه الحيوية و بعملية التمثيل الغذائي

Metabolism.

و لا يوجد تعريف علمي للطاقة الكونية. أي أننا لا نعرف ما هو المقصود بالطاقة الكونية. فهل المقصود هو قوة الجاذبية النيوتونية (نسبة لنيوتن) أم هو كل ما سبق من أشكال الطاقة أعلاه

أما مجال الطاقة فهو بالصورة المذكورة أعلاه يعتبر أيضاً مصطلح مبهم. صحيح أن كل أشكال الطاقة لها مجالات لكنها مجالات محدودة تعتمد على شكل هذه الطاقة. و حتى نفهم معنى هذا الكلام لنعرّف المجال الكهربائي

المجال الكهربائي يعرف بكونه ” إنتشار القوى بكميات و إتجاهات تمتد على مساحة الشحنات الكهربية و يمكن تحديدها على أي نقطة بتلك المساحة”. أي أن المجال هو قوة بسهم موجهة

vector

لها قيمة و لها إتجاه و ليست فقط قيمة، و هناك أشكال من الطاقة يكون فيها المجال محلى، كما هو الحال مع الطاقة الحرارية أو الطاقة الكامنة مثلاً، و بذلك تكون هذه الطاقات تافهة كإتجاه لكنها مهمة كقيمة، و عليه لا يطلق كلمة “مجال” بالمعنى العلمي عليها

و لذا فلا يمكننا التحدث عن مجالات الطاقة و التي يرتكز عليها بياعي الطاقة الكونية في نشر “علومهم” دون أن نحدد شكل هذه الطاقة و هذا يقلص فضاء بحثنا و يحدده بالطاقة التي لها مجالات، أي لها كمية قوة و إتجاه و هي الطاقة الكهرومغناطيسية (هذه الطاقة و الطاقة الكهربائية هما وجهان لعملة واحدة و لذا فسوف أكتفي بإطلاق الطاقة الكهرومغناطيسية لتشملهما معاً). و كذلك الطاقة الإشعاعية و الصوتية، فهي أيضاً تدخل ضمن الموجات الكهرومغناطيسية و طاقة جاذبية الكواكب هي أيضاً تدخل بنفس المجال. أما الطاقة النووية فهي تكون نتاج إنشطار أو إندماج الذرة و لا تعنينا عند مناقشة طاقة الجسم البشري أو ما يحيطه مباشرة في الأحوال الطبيعية. و على ما سبق يمككنا أن نفترض جوازاً أن الطاقة المقصودة في هذه الحالات هي الطاقة الكهرومغناطيسية

و الآن لنطبق هذه المصطلحات على الجسم البشري بطرح هذه الأسئلة: فهل الجهاز العصبي الموجود بالعمود الفقري هو فعلاً المصنع و الموزع الكهرومغناطيسي للجسم؟ و هل الطاقة الكهرومغناطيسية التي يصنعها الجهاز العصبي لها مجال و أثر على المحيط الخارجي؟ و ماذا عن الجاذبية؟ أليس جذب الجسم للأرض تجسيد لهذه الطاقة؟ ألا نتعرض لصعقة الستاتيكا “نتكهرب” عندما نلمس مقبض الباب في الشتاء؟

إن نظرنا للموضوع على المستوى الكوني، فلاشك أن أجسامنا لها كتل، و كل شيئ يملك كتلة في مجال الجاذبية الكونية يكون عرضة لهذه القوى و جزء منها. لكن الجاذبية هي أحد الطاقات الكونية و لا تشملها جميعاً، فهنالك أيضاً الطاقة الإشعاعية و الطاقة المظلمة و غيرها من التي لازال أمام العلم تحدياً كبيراً لإكتشافها، سواء كانت موجبة أو سالبة حتى تتعادل لتصل الطاقة الكونية إلى الصفر و يتم بذلك التوازن من خلال كون متمدد، فلا تطير الكرات السماوية خارج مداراتها، و لا نطير بالجو عند المشي على سطح الأرض. و عليه لا يمكن أن نسمي قوى الجذب بين الأشياء بالطاقة الكونية إلا إن كنا نقصد كل هذه الطاقات مجتمعة و عندها تكون صفراً بالجمع الجبري-أو قليلاً جداً ليسمح للكون بالتمدد على مدد زمنية أسترونوميكية هائلة

أما على مستوى الجسم، فهنالك عمليات بيوكيميائية يتحول بها الغذاء إلى طاقة حرارية، و هي ما نسميها بعمليات التمثيل الغذائي، و ذلك كي يساعد الجسم الحي بالقيام بوظائفه الحيوية، فتتحرك بأجسامنا سوائل لتحافظ على الأعضاء بدرجة معينة، و يقوم الجهاز العصبي بإصدار البلايين من الشارات الكهربائية الناتجة عن العمليات الفيزيولوجية و يوزعها على جميع أجزاء الجسم ليقوم كل عضو فيه بوظيفته

لكن هل المعادن الموجودة في هيموجلوبين الدم مثل الحديد تكون بالكمية الكافية و الوضعية المناسبة لتصبح ممغنطة و تصدر قوة كهرومغناطيسية تستطيع أن تخترق حدود الجسم و تحرك البوصلة مثلاً عند إقتراب اليد منها، أم أن قوتها فقط محصورة بتحريك أعضاء الجسم لقيام كل منها بوظيفة الحياة؟ أي هل قوتها محلية بالجسم (طاقة كامنة) أم ممكن أن تتجاوز الجسم لتصل لحد التأثيربالأجسام الأخرى في محيطها؟ و إن كانت هذه القوة محصورة بالجسم فقط فكيف يستطيع معلم الريكي بحركة من يده بمسافة قريبة من الجسم أن يجلب الطاقة “الكونية” و يحصرها في تعادل القطبية بالجسم العليل ليشفيه دون أن يحدث خلل بالمحيط (المتوازن)؟

و إن نزلنا أكثر إلى مستوى الدون الذري، فكل الأجسام هي بالنهاية ذرات بها فراغات شاسعة و جزيئات متطابقة، سواء كانت حية أو جماد. و كلها ترضخ لنفس فيزياء و قوانين الكم. و هذا ما يستغله علماء النيو إيج ممن يحاولون بشتى الطرق أن يكسوا الفلسفة الشرقية القديمة بلباس العلم الحديث، عندما يلجأوون لمصطلحات تستخدم في علم الفيزياء الكمية، و هي الفيزياء الخاصة بالجزيئات دون الذرية، مستغلين جهل العامة بهذا العلم، لكي يثبتوا أن الطاقة الكونية ليست فقط حقيقة، و لكنها أيضاً  “شئ” واعي. و هذا الكلام غير منطقي لعدة أسباب

أولاً: صحيح أن المادة في الحالة دون الذرية تتصرف أحيانا كموجات، و هي بذلك تشبه الموجات الكهرومغناطيسية و الموجات الصوتية و الموجات الضوئية و حتي أمواج البحار في كونها محدودة المجال و تتلاشى في نهاياتها. لكن ما يحدد سعة هذا المجال فهو قوة المؤثر عليه. فإن رمينا حجراً كبيراً في بركة مياه مثلاً فستكون سعة مجال الموج أكبرمما يحصل مع رمي حصوة صغيرة. و بعد زوال المؤثر (الحجر و الحصوة) تعود المياه للتوازن تدريجياً. و هكذا هي الذرات في الجسم الغير معرض لتأثيرات خارجية، تكون أصلاً في حال تعادل على مستوى الجسم مهما كانت غرابة تحركات إليكتروناتها بالذرات

ثانيا: ميكانيكا الكم أو قوى الجذب الميكانيكية محددة بمستوى الجزيئات دون الذرية و قوانينها الفيزيائية لا تسري على ما هو على مستوى الجسم ما لم تتأثر خلاياه بمؤثر قوي كلمس سلك كهربائي حي مثلاً عندما تكون أجسامنا مبللة بالماء. و لذلك فالقوة الكهرومغناطيسية بالجسم الحي محددة و حرارته محددة محلياً و ليس لهما تأثير بصورة مؤثرة بالمحيط الخارجي و الكون

ثانياً: الطاقة كما ذكرنا سابقاً هي قدرة الجسم على عمل شغل و ليس شيئاً مادي قائم بذاته و له وعي. و عليه فجملة “الوعي الكوني” الذي تتردد على لسان علماء النيو إيج لا معنى له بتاتاً، بل هو مجرد سَلطة كلمات

 التنميل و الإحساس بصعقة الستاتيكا أو بتطاير الشعر بعد خلع البلوفر الصوفي في الشتاء و كأنه مغناطيس، و الذي يتعذر به من يروجون لوجود الطاقة كدليل مادى، هو بالواقع مضلل. فالأجسام بالوضع الطبيعي تميل بأن تكون الشحنات فيه متعادلة. و ما يحدث هو بالفعل نوع من الكهرباء الذي تخلقه ذرات الأجسام المعزولة عندما تشحن بسبب فركها ببعض فيختل توازنها وقتياً. و عندما لا تستطيع أن تفرغ شحنتها طبيعياً (كما تفعل بالجو الرطب مثلاً) تتركز شحناتها على السطح فتحدث هذه الصعقة عندما تتلامس بسبب إنتقال إليكترونات الذرات بينها كي تحيلها للتعادل. (و كذلك الشعر يتطاير بصورة غريبة بسبب تكوُن شحن متشابهة لكل شعرة و أخرى بعد فركها بالبلوفرفتتنافر). لكن هذا النوع من الكهرباء هو ساكن مؤقت و ليس له مجال للسريان خارج محيط الجسم. قارن ذلك بمسك سلك كهربائي حي بملابس رطبة و بدون حذاء (لا تفعل ذلك إلا إذا كنت تريد الإنتحار). و عليه فإن كان هنالك من له قدرة على التحكم بهذه الشحنات ليعادلها، فذلك لا يمكن أن يحدث دون الإحساس  بالملايين من هذه الصعقات بين الجسمين. و يكون ذلك عند اللمس و ليس عند تمرير اليد على مسافة منه و لا بالتركيز الذهني. و الآن فكر بمقولة أن هناك من “يملك هذه الطاقة (المشحونة) و يستطيع أن يوهبها للآخر”، ألا تبدو هذه الجملة ساذجة في ضوء ما سبق؟

يتبع

(1)هوس الأغلبية بالطاقة الكونية

أ- مثل العمود الفقري للجسم كمثل لوحة الكهرباء للمنزل. فكما أنه لا يعمل التكييف و لا البراد و لا المصابيح الكهربائية و لا التلفزيون أو أي جهاز كهربائي دون تشغيل المفاتيح في لوحة المفاتيح الكهربائية الموجودة في زاوية من المنزل، كذلك يصاب الجسم بالشلل التام بدون عمل الجهاز العصبي الموجود بالدماغ و على طول العمود الفقري، حيث يوجد مفاتيح التشغيل أو بالأصح العقد الرئيسية التي يمكننا أن نشغلها بتوازن الشكرات الموجودة على طوله، و ذلك لمد الجسم بالطاقة اللازمة. و كما يتم تحديد كل مفتاح في لوحة المفاتيح الكهربائية بالمنطقة التي تخدمها، كذلك يقوم العلماء بتحديد الشكرات بالألوان ليفرقوا بينها و يحددوا المناطق التي تخدمها في الجسم. و تسمي هذه الشكرات بعُقد الطاقات الكبري. كما يوجد عدد كبير من هذه العُقد بالجسم، و لكنها أصغر حجما و أقل قوة و لذا تسمى العقد الصغري أو الجانبية، و تكون وظيفتها خدمة الجزء المحلي كالأطراف، كما هو الموزع الكهربي في كل غرفة

ب- هذه العقد بالجسم تعمل، مع جريان الدم في الشرايين و العروق، على تقطيب المعادن الموجودة بالجسم لتصل للتعادل بين الأقطاب السالبة و الأقطاب الموجبة في المعادن الموجودة بسوائل الجسم و في المعادن الأخرى حولها بالكون حتى يصبح الجسم سليماً معافى. و إن إختل هذا التوازن يتأثر جهاز المناعة فيعتل الجسم

ج- حتى يصل الجسم لهذا التعادل في تقطيب أيوناته فلابد أن تكون الطاقة في معادن الجسم في إنسجام تام مع الطاقة المحيطة. فجسم الإنسان جزء لا يتجزأ مما هو حوله بالكون. أو بمعنى آخر هو جزء من الطاقةالكونية

Universal Energy

علم الكوانتوم ميكانيكس

Quantum Mechanics

أو الفيزياء الكمية، و هو العلم الذي يتعامل مع الجزيئات الدون ذرية (الذرة ليست أصغر شيء بالمادة)،  بيّن غرابة هذه الجزيئات في تحركاتها، فهي ممكن أن تختفي من مكان لتظهر بمكان آخر يبعد عنه بمئات (أو قد يكون ملايين) الأميال. و هذه الجزيئات تحمل طاقة و شحنة، و هذا إثبات كافي من العلم الحديث بأن الطاقة ممكن أن تتحرك لتصل إلى كل مكان و تؤثر على الطاقات الأخرى في طريقها. لكن الأغرب من ذلك كله هو أن هذه الجزيئات قد تغير من “فكرها” و لا تظهر بالمكان الذي نتوقعه عندما يكون هنالك من يراقب تحركاتها! و هذا دليل على أن الجزيئات في الذرة تملك نوعاً من الوعي و الذي هو جزء من الوعي الكوني

Universal Consciousness

د- بينت البحوث العلمية التجريبية أن هنالك عدة طرق للحصول على هذا الإنسجام و التعادل و التوازن في طاقة الجسم مع الطاقة الكونية. فعلى سبيل المثال و ليس الحصر

 لبس أساور معدنية (في العادة مصنوعة من النحاس) يعمل على تقطيب المعادن بالجسم لبلوغ هذا التوازن. و هناك من يعتقد أن حجر التركواز أو العقيق له ذات التأثير

 الإسترخاء برياضة الراجا يوغا يعمل على السمو بالروح للوصول إلى اليوك

yoke

و يقصد بذلك التلاحم أو التوحد مع الطاقة الكونية الطبيعة و بالتالي بلوغ الجسم لهذا التوازن المطلوب

  اللجوء لمعلم الريكي

Reiki

 و هو غورو يملك قوة تحكم، ليس فقط بطاقته الذاتية و لكن أيضاً بالطاقة الكونية، فيقوم بالإستعانة بطاقته الفكرية و تحريك يده على مسافة من جسم المريض (دون أن يلمسه) بمعرفة مواقع الخلل فيه و من ثم تسخير الطاقة الكونية لعمل التوازن المطلوب في جسم المريض فيشفى

( علم الريكي لديه اأيضاً القدرة على أن يزودك بالطاقة لتصبح أنت أيضاً معلماً و شافياً لأمراضك و أمراض الغير. فالطاقة بهذا المفهوم شيئ يوهب (و بالنتيجة يسلب

 هذا مع العلم بأن التحكم بالطاقة الكونية ليس مقتصراً على معلمي الريكي، فالطاقة الفكرية إن تم إستخدامها بصورة حِرَفية فهي ستجذب ما نريد و تبعد عنا ما لا نريد.فقانون الجذب

Law of Attraction

يخبرنا بأنه بإستطاعة أي كان أن يركز طاقتة الفكرية و لمدة من الزمن على شئ معين (كالحصول على ترقية مثلاً) كي يتحقق مطلبه دون أن يسعى هو لذلك

إن كان ما ذكر أعلاه يبدو لك منطقياً  أو علمياً، فأنت لست وحيداً في هذا، فأغلبية البشر يغدقون بالصرف سنوياً و بصورة مستمرة من بداية التاريخ البشري و حتى اليوم في شراء وهم الطاقة الكونية، سواء باللجوءإلى المنجمين (ينعتون بالعصر الحالي بالروحانيين) أو التنجيم ( “علم” الأبراج) أو الريكي أو الراجا يوغا أو مجالات البايو (نسبة للبايولوجي) أو التعادل النواتيكي

Noetic Balancing

 و دراسة الهالات و التنظيف و التشغيل و النورانية و التحسس و القوى السالبة و نظيرها الموجبة و المجال البايواليكتروني للبشر و التشي

chi

 أو قانون التجاذب أو غيرها من سلطة المصطلحات التي يستخدها من ينْعَتون بالنيو إيجرز

New Agers

وهؤلاء ليسوا إلا جماعات قامت بإحياء الفلسفات الشرقية القديمة و كسوها بلباس العلم الحديث لينتجوا “علماً” غريباً عجيباً، لا يوجد دليل مادي واحد على صحتة.. و لا تستغرب إن وجدت الكثير من المثقفين و المتعلمين و الفيزيائيين و المدرسين و الأطباء و علماء النفس و المهندسين ذوي التخصصات العلمية في أحد أشكال الطاقة (أعترف، كنت شخصياً أحدهم)، ممن إنطلى عليهم هذا الهراء، على الأقل لفترة ما في حياتهم

لكن كيف لنا و في خضم هذا الموج العاتي من المعلومات التي تكاد تغرقنا بيم الغريب و العجيب من المصطلحات التي يقع تأثير لفظها على الأذن غير المتخصصة و كأنه علماً راقياً، كلما ضغطنا على زر البحث عن معلومة ما، من أن نتأكد أن ما يصلنا هو علم حقيقي أو مزور؟ فشبكات المعلومات سماء مفتوح للجميع، و الجميع يستطيع أن يدلي بدلوه فيه حتى لو كان دلوه معكراً بخلطة السحرة و المشعوذين؟ فالكثيرين يخلطون الأساطير و حواديت الجدات و الخيالات و يتبلونها ببهارات من علوم الفيزياء الكلاسيكية و الكمية، ليقدموا لنا بالنهاية وجبة دسمة من علوم يدعون أنها معتبرة، و أنها أعلى من مستوى فهم العموم. و عندك الأمثلة أعلاه

الأغلبية تدعي بأن ما تقدمه قد تم “إثباته علميا” و مع ذلك لا تعطينا الدليل على هذا الإثبات أو مصدره، أو قد يلقي البعض لنا بصنارة يعلق عليها الأسماء الكبيرة الشهيرة، كإسم “ناسا” أو “جون هوبكنز” أو “مايو كلينيك” كطعم للتمويه، و هو يعرف أن في أغلب الأحيان لن يرجع المتلقي للمعلومة إلى المصدر الرئيسي لهذا “العلم” للتأكد الشخصي، بل على الأغلب سيقوم بعمل نسخ/لصق أو إعادة الإرسال بالبريد الإليكتروني أو يشّيره بمواقع الشبكات الإليكترونية الإجتماعية، فيكون بعمله هذا قد ساهم بنشر الجهل حتى دون أن يشعر. و كلما كثر إنتشار المعلومة أكثر كلما زادت ثقة الناس في صحتها مع أنه لو تم البحث و التدقيق عليها بعين ناقدة لإكتشف الباحث أن جميع هذه النسخ ترجع لمصدر واحد، و في الغالب لا يزيد عن كونه علم مزيف، إستخدم لغاية ما في نفس يعقوب

شخصيا لا أرى مفر من هذه المصيدة إلا بالشك بكل معلومة و البحث و التنقيب عنها و خصوصاً إن لم تبدو منطقية أو بدت مثيرة، و من ثم نشر هذه البحوث (على الأقل لمن له خلفية علمية بالمادة المطروحة) لتنبيه الآخرين، الذين سيقومون بالتالي بعمل بحوثهم الشخصية للتأكد و هكذا. و أعتقد أن العلماء (الحقيقيين) و الأطباء و المهندسين و الفيزيائيين و المدرسين و كل ذوي الإختصاص عليهم، بالإضافة لمهماتهم الأخرى، دور جديد تجاه مجتمعاتهم اليوم مما لم يكن له ضرورة بالسابق. و هذا الدور يتلخص  في نقد العلوم المزيفة و تعريتها في سماء الشبكات الإليكترونية أينما وقعت تحت أيديهم، و ذلك ليكون ما يصل إلى الباحث في الشبكة، على الأقل، متعادلاً مع كثرة العلم المزور على النت. هذا الإجراء يعطي وازعاً إضافياً للباحث بزيادة حثه على البحث عن المصادر الموثقة. و إن كانت العلوم المزيفة أو المعلومات الخاطئة منتشرة أكثر بالشبكة المعلوماتية (و هذا هو الحال بالذات في المواقع العربية و الإسلامية) فهذا دليل على تقصيرهذه الفئة بالذات عن القيام بمسئوليتها تجاه مجتمعاتها. و لا يحق لها عندئذٍ أن تتذمر من تخلف بيئتها

و أنا لا أدعي بأي شكل من الأشكال بأن هذا الإجراء سيوقف كل المعلومات الخاطئة من المرور من تحت المجهر الشكوكي لكل منا، و لا أن الناس ستأخذ بالعلوم الصحيحة و تترك الوهم لكون الأخيرلا يستند على أساس من الثقة و الحِرَفية العلمية، لكنه بالتأكيد سيقلل من نشر العلوم المزورة بالتدريج، و سيجبر كل من ينشر معلومة علمية بالشبكة من التأكد من المصادر قبل النشر، خوفاً من أن يصبح صاحبها عرضة للنقد و السخرية أو على أقل تقدير يفقد ثقة القارئ. و بإستطاعتنا أن نرى كيف أن بعض الشركات المعلوماتية، كشركة ويكيبيديا (النسخة الإنجليزية، أما العربية فلازالت تحت التنقيح من قبل المتطوعين) و هي شركة مفتوحة لمشاركات الجمهور، قد بدأت فعلياً بإتخاذ هذا الإسلوب بتنقيح المعلومة، حيث تقوم بمراجعة المعلومات في بنكها المعلوماتي بصورة دورية  للتأكد من المعلومة و من مصادرها، و عدم السماح للمعلومات المزيفة من المرور تحت إسمها من قبل المتطوعين. كل ذلك لكي تكسب جمهوراً واعياً يثق بها-هذا مع العلم بأن الجامعات الأمريكية لا تقبل حتى الآن بوكيبيديا كمصدر للبحوث مع أن الكثيرمن أساتذتها يلجأ له في طلب المعلومة بصورة سريعة

و لنرجع الآن لموضوع الطاقة الكونية. و هو الموضوع الذي يعتمد مروجيه على كونه مبهماً ليبيعوا وهماً. فلكي نتأكد من المعلومات التي تردنا من كل ركن و صوب و منها ما ذكرت أعلاه (إعمل غوغل على الطاقة الكونية أو قانون الجذب لترى بنفسك الكم الهائل من الخزعبلات) فلابد أن نضعها تحت الميكروسكوب الشكوكي و النقد العلمي و الإختبار، و لابد أن نبحث عن مصادر أخرى لعلماء بنفس المجال ممن يؤكدها أو يدحضها. فإن نجحت بإجتياز الإختبار فليس لنا عندها حجة عليها و نرضخ بكونها علماً حتى لو لم يبدو ذلك منطقياً. و إن لم نستطع لا إثباتها و لا نفيها، فستكون عندها نظرية مثل كل النظريات التي ليس لها أساس علمي أو علماً مزيفاً إلى أن يتم إثباتها بالأدلة الدامغة. و هذه هي الطريقة العلمية الصحيحة في تحليل و تأكيد أية معلومة و وصمها بالعلم

لنبدأ أولا بتسمية الأشياء بمسمياتها. يقول سقراط الحكيم أن “بداية الحكمة تكون بوضع التعاريف”  و عليه سوف أبدأ بتعريف كل من الطاقة الكونية و مجالات الطاقة الكونية علمياً. فالتعاريف ما هي إلا صفات نحن نتفق على وجودها بالأشياء كي نكون على مستوى فكري واحد فنعرف ما هو المقصود بالضبط. فليس من المعقول أن أتكلم عن التفاحة مثلاً و أنت ترى بعقلك البرتقالة؛ عندها سنفقد خيط التواصل و الفهم المشترك،و لا نصل لنتيجة مفهومة لجميع الأطراف. و قد نبدو متفقين أو مختلفين و بالواقع نكون عكس ذلك

يتبع

عشرة مغالطات مرادفة للإلحاد

1-الإلحاد دين و دوغما .

أصل كلمة الإلحاد باللغة اللاتينية هوAthos  و هذه الكلمة عبارة عن دمج كلمتين هما “عدم” و ” إيمان”. و تعليقا على من يقول أن الإلحاد دين, يقول الكوميدي و الساحر الأمريكي الملحد بن جيليت, Penn Jillette  “مقولة أن الإلحاد دين هي كمقولة أن عدم جمع الطوابع هواية” أي ان هذه الجملة لا معنى لها إن رجعنا إلى أصلها اللغوي. و لكي نحكم على مدي صحة هذه المقولة يستلزم منا تعريف الدين و تعريف الإلحاد أولا و من ثم مقارنتهما ببعض.

هنالك ثلاثة تعاريف للدين في قاموس مريم وبستر.إثنان منهما رسمي و الثالث غير رسمي, او مختلف عليه.

أ-الدين هو الاعتقاد بوجود الاه أو اكثر.

ب-الدين هو منظومة تعمل على تنظيم العبادات و المناسبات الدينية و القوانين و التشريعات الخاصة بالإيمان في إلاه أو أكثر.

ج-الدين هو الرغبة و الإعتقاد و العمل بمنظومة تكون في غاية الأهمية لشخص أو لمجموعة أشخاص- و هذا هو التعريف غير الرسمي.

أما تعريف الإلحاد و من نفس المصدر السابق فهو:

أ-عدم الإيمان بوجود خالق.

ب- مبدأ قائم على عدم وجود خالق.

من الواضح في (أ) بكلا التعريفين أعلاه أنهما يناقضان بعضهما تماما.

و إذا نظرنا للتعريف (ب) للدين فكما هو واضح أن للدين منظومة خاصة تعمل حسب قوانين ملزمة لجميع معتنقيه بصورة توتاليتيرية شامله,  تندثر تحتها الصفات الفردية في مصلحة  بقاء المنظومة. و هذا أيضا أمر يناقض الفكر الإلحادي الذي يعتمد بصورة أساسية على القناعات الفردية بعد إنفصال الفرد من المنظومة التي ترعرع فيها و التأمل و البحث لايجاد إجابات  للأسئلة الكبيرة “من مثل هل يحتاج الكون لخالق”  في خارج الصندوق و بعيدا عن النقل المتوارث.  فالملحد يعتمد على بحث ذاتي, ليس في كتب كبار الملحدين و الفلاسفة و لا في كتب العلماء في شتى مجالات العلوم الطبيعية فقط, بل يعيد قراءة  الكتب الدينية التي أسلم بصحتها سابقا و لكن بمنظار مختلف عما تعود عليه, و بعين ناقدة ترضخ كل ما يقرأ للإسلوب العلمي الصحيح بعدم التسليم لأي شيئ بدون أدلة دامغة. و كلما كبر حجم الإدعاء كثرت الحاجة لديه لأدلة أكثر و أقوى. أو كما قال كارل سيجان Carl Sagan , “الإدعاءات الإستثنائية تتطلب أدلة إستثنائية”.

أما بالنسبة للتعريف (ج) للدين, فشخصيا أميل للمفكرين الذين لا يعتبرونه تعريفا حقيقيا للدين. فكما يقول رسل بلاكفورد  Russell Blackford في كتابه “خمسون إسطورة عظيمة عن الإلحاد” 50 Great Myths About Atheism بما معناه أنه إن كان هذا التعريف – ج- صحيحا عن الدين ففرق كرة القدم أو السلة أيضا منظومات دينية.

 أما بالنسبة للدوغما أو العقيدة فتعريفه حسب نفس المصدر هو كالتالي:

أ-هو الإعتقاد أو مجموعة إعتقادات مقبولة من قبل أعضاء في جماعة بدون مساءلة و لا شك.

ب-الإعتقاد أو مجموعة إعتقادات تدرس من قبل المنظومات الدينية.

و بمقارنة تعريف الدوغما في (أ) بتعريف الإلحاد نرى أن الأخير و بسبب طبيعة فكره التفردي لا يتقيد بجماعة, بل هو متهرب أساسا من الدوغما بسبب هذا الفكر التسلطي  للجماعة على الفكر الفردي. فالملحد فخور جدا بتفرده الفكري و يحترم الإختلافات الفكرية طالما هي مبنية على المنطق و العلم و ليس على الجهل و النقل أو إساءة إستخدام الدين. لكنه يكره أن يكون كوبي/بيست لغيره حتى لو كان هذا الغير ملحد أخر. فما يجمع ملحد بأخر ليس إلا شيئ واحد و هو عدم الإعتقاد بوجود خالق للكون و تبعية هذا الإعتقاد على حياته الإجتماعية. و قد يختلف الأثنان في كثير من الأمور و قد يتفقان في غيرها. و لذا فالملحد لا ينتمي إلى منظومة تملي عليه قوانينها.

و هذا يدخلنا بقضية الإنتماء لجماعة ما. فالإنتماء حاجة بشرية, يحتاجها الملحد كما يحتاجها المتدين. و الدين يصور أقوى أمثلة للإنتماء. بل أن كثير من الملحدين قد لا يجاهرون بفكرهم بسبب إنتماءاتهم السابقة لدين أو مذهب معين أو قبيلة أو عائلة أو حتى بلد. و في الدول الغربية, حيث تزداد مساحة الحرية في إعتناق الدين أو تغييره أو الإلحاد, تجد الملحدين يشكلون تجمعات خاصة بهم يقومون فيها بعمل شبه تنظيم يناقشون بها الأمور التي تخصهم كملحدين بحرية و يتبادلون الأفكار دون خوف من تبعية إبداء هذه الأفكار على حياتهم الشخصية أو الإجتماعية أو المهنية, خاصة بالدول التي يزيد بها عدد المؤمنين نسبة لغيرهم كأمريكا. وهم  بذلك يشبعون الحاجات الإنتمائية لديهم دون أن يضطروا إلى منافقة مجتمعاتهم و بيئاتهم بسبب هذه الحاجة. و كذلك نجد تجمع الملحدين في المواقع الإجتماعية الإليكترونية لبقية الدول التي ليس بها تلك الحرية و غالبا تكون تحت أسماء مزيفة. لكن مع ذلك لا يوجد بين هذه الجماعات من يلزم جميع أفراده بإتباع فكر معين أو يقوم بتلقينه ثوابت معينة كما هي بالإجتماعات الدينية. و ليس صعبا على من يزور هذه المواقع أو من يحضر هذه الإجتماعات ملاحظة أن الملحدين يختلفون كثيرا. و هم لا يقبلون قوانين تملى عليهم من قبل الجماعة, و لا توجد أصلا قوانين يفترض عليهم مراعاتها. و لذلك فهم ينعتون أنفسهم بالنيرين Brights . و النير لا يكون إلا بالإقتناع المنفرد و المعتمد على البحث الذاتي.

 

2-الملحدين مشككين Skeptics بالضرورة:

هنالك لبس بين الملحد و المشكك. فالإلحاد درجات, قسمها عالم البيولوجيا, ريتشارد داوكنز Richard Dawkins في كتابه” الله الوهم” The God Delusion على سلم مقسم إلى  سبع أقسام, يكون فيه الملحد بأقصى طرف من هذا السلم بينما يكون المؤمن بالطرف الأخر الذي يقابله, ثم بين هذين المتضادين تتدرج قوة أو ضعف إيمان أو كفر الفرد, و هؤلاء هم المشككين بدرجاتهم . فالتشكك هو درجة من الإلحاد إذا كان واقعا في النصف المتجه للطرف الإلحادي. لكن المفاجأة التي صادفتني شخصياً بأنه ليس كل ملحد مشكك, فبينما المشكك يرفض كل أمر ميتافيزيقي و ما ورائي ما لم يتم إثباته بالأدلة و البراهين الرادعة, نجد بعض الملحدين يشككون فقط بوجود خالق أو ينفونه. لكنهم مع ذلك قد يعتقدون بوجود الروح أو يؤمنون بالأبراج أو الأشباح أو القوى الكونية و غيرها من الإعتقادات الشرقية القديمة. و في الواقع لا أحد يستطيع فهم منطق هؤلاء لأن أحد أهم المقاييس الذي يتم على أساسها رفض وجود خالق هو عدم وجود الأدلة عليه. فلماذا لا يطبق هذا المقياس على كل شيئ أخر؟ وهذا بالضبط ما يفعله المشكك. و عليه قد يكون المشكك ملحدا و لكن ليس بالضرورة أن يكون الملحد مشككا.

3-الملحدون هم مجموعة من الناس ممن يشتكون من أزمات نفسية كانت السبب وراء الحادهم:

هذه المغالطة تبدو لي كالأشاعة التي كبرت مع الوقت لدرجة أنها صارت أمر بديهي حتى على من أطلقها. و ليس بالغريب أن يكون مرددوها لا يملكون التخصص المطلوب  بعلم النفس بل أغلبهم رجال الدين و علماء الكلام. و هي إن دلت على شيئ فهي تدل على ضحالة تفكيرهم و سطحية متابعيهم و مرددي ما يقولون. فكل البشر يمرون بأزمات نفسية و لا يمنع أن تكون هذه الأزمات سببا ليقوم الشخص بإعادة التفكير بحياته و لكنها ليست دائما تؤدي إلى إلحاده كردة فعل أو ثورة ضد بيئته. بل العكس قد يكون أكثر صحة حيث أن من يمر بأزمة نفسية, مثل موت حبيب أو قريب, يكون أكثر عرضة للتسليم بالإعتقادات الدينية و التأكيدات المرادفة لها.فإعطاء الأمل بأن الإنسان سيلتقي بمن يحب في حياة أخرى مثلا, فكرة مطمئنة للنفس الثكلى, لدرجة أنها تكون مقبولة حتى لو كانت كاذبة, لأن الشخص و هو في تلك الحالة النفسية  يريد أن يصدق ذلك و لا تقبل نفسه سواه. و هذا واضح بمراسيم العزاء حيث يتحول بعدها الشخص من إنسان مهمل لواجباته الدينية إلى شخص أكثرمواضبة و إلتزاما بها.

4-الالحاد يدعوا للفسوق و عدم الاخلاق و الرغبة في كسر القوانين:

كتب لي أحد قراء مدونتي مرة يقول أن الإنسان بحاجة لمن يعلمه الخير من الشر. و لذلك فهو بحاجة لما سماه بالمانيويل Manual  أو دليل الأستخدام. فبدون هذا المانيويل, كما يقول القارئ, لا يمكن لأي كان أن يعرف ما هو صحيح و ما هو خطأ. و تقول صديقتي في تعليقها على كلام القارئ بأن بعض الناس هم بالفعل في حاجة لهذا المانيويل و بدونه سيصبح المجتمع مليئ بالمجرمين. فرددت عليها مقولة نسبت لبوذا مفادها أن الناس نوعين: نوع خيّر لا يحتاج لقوانين تسيره, و نوع شريّ لا يحتاج لقوانين تردعه أيضاً لأنه سييبتكر طرقا للتحايل عليها. أي في الحالتين القانون غير فعال لأن كل شخص سيقوم بالعمل بما يمليه عليه هواه حتى لو فرضت عليه قوانين تفصل بين الخير و الشر. فهل بالفعل يحتاج الأنسان لمانيويل مكتوب و قوانين رادعة لكي يعرف الخير من الشر؟

يصور الفلم الوثائقي  “مسيرة البطاريق”*  و الذي قامت بإنشاؤه ناشيونال جيوغرافيك قصة البطاريق المهاجرة في فصل التكاثر لمناطق أكثر برودة حيث تشكل الثلوج ارضية صلبة للرقود على البىض. و هناك يتناوب كل من الذكر و الأنثى بالرقود على البيض و تدفئته لحين أن يفقس. و يصور الفيلم مشهد إحدى الأمات اللواتي يموت وليدها بعد أن يفقس البيض فتفقد عقلها من الحزن عليه و تطارد إحدي الأمهات الأخريات لسرقة جنينها منها. الطريف أن بقية الأمهات يحاربن هذه الأم الثكلى و يبعدونها عن الأخرى و وليدها. السؤال هنا: هل إحتاجت البطاريق إلى “مانيويل” كي تفقه أن السرقة عمل غير أخلاقي؟ و إن أسلمنا بأن الأنسان يفوق الطير في تطور الوعي و الحس الإجتماعي لديه, فهل من المنطق القول بأن الأنسان يحتاج لمانويل يبين له طريق الصواب من طريق الخطأ بينما لا يحتاج الطيرلمثل هذا المانيويل لأنه يعرف ذلك بالفطرة؟

فإذاً المسألة ليست مسألة معرفة الخير من الشر. لأن الإنسان حيوان إجتماعي يتعلم من خبراته الإجتماعية. فتتشكل لكل فرد بوصلته الإجتماعية التي يقدر بها الأمور و يوزنها . لكن  الإجرام عمل إختياري يتعلق بمدى رغبة الشخص بالتقيّد بما يمليه عليه الضمير و الحس و الوعي الإنساني. فالقوانين مهمة بالمجتمعات لكي تحدد الخطوط العامة بين حقوق الأفراد و خصوصا عندما تتقاطع, و تنظمها في حال تعدي طرف على حقوق الطرف الأخر. لكن التقيد بها عمل إختياري و فردي يرجع تقديرة و تحمل مسئوليته إلى الفرد نفسه .

 و لم تكن الديانات أبدا مصدرا للأخلاق,فهي إستغلت المنظومة الأخلاقية الإنسانية  بتطوراتها منذ الأزل و نسبتها لها, بل حتى أساءت إستغلالها لأنها خلطتها باللا أخلاق واللا إنسانية. فكيف مثلا نفسر إبتهاج و فرح و تهليل و زغردة أم المجاهد الإنتحاري عندما تسمع أن إبنها الشاب قد فجر نفسه و قتل الأبرياء معه؟ أين هي الأخلاق في تفجير نساء معاقات في وسط الأسواق المزدحمة ببغداد بالرموت كنترول؟ ** و بالمقابل تجد السويد, و التي  تعتبر من الدول التي يكثر بها عدد الملحدين , قد نزل بها معدل الإجرام بالسنتين الأخيرتين*** لدرجة قد تجبر الحكومة إلى الإستغناء عن أربعة سجون. فلو كانت هذه المقولة حقيقة لكانت الأحداث الواقعية تدعمها. لكن ما يحدث على أرض الواقع يقول بأن العكس صحيح.

إذا نستخلص مما مضى أن الأخلاق ليست لها صلة بالدين. أو كما ذكر الفيزيائي ستيفن واينبرغ Steven Weinberg, صاحب جائزة نوبل بالفيزياء الكهربية أن ” الدين إهانة للكرامة الإنسانية. فبدون الدين أو معه سيقوم الخيريّن بعمل الخير و الأشرار بعمل الشر. لكن حتى يقوم الشخص الخيّر بالقيام بالأعمال الشريرة فذلك يتطلب دين.”.

5-الالحاد يعني عبادة الطبيعة:

أقرب فلسفة لعبادة الطبيعة تتمثل بالبانثيزم  Pantheism أو “مذهب وحدة الوجود” و تعريف هذا المذهب من نفس القاموس هو :

أ-مبدأ (فلسفي) يساوي الله مع قوى و قوانين الكون.

ب-عبادة الألهة المختلفة بجميع العقائد و الطوائف و الاشخاص دون المفاضلة بينها: و كذلك تحمل العبادات الخاصة بجميع الألهة (كما كان واضحا في وقت معين من تاريخ الإمبراطورية الرومانية).

و هذا المذهب يبدو جليا بالديانات الشرقية مثل البوذية و الهندوسية قديما. كما فصل مبادؤه الفيلسوف إسبينوزا Barach Spinoza في العهد الجديد نسبيا. و من أشهر معتنقي هذا المذهب هو العالم أينيشتاين Albert Einstein. فعبادة الطبيعة ليست بالأمر الجديد في التاريخ البشري لكنه ليس إلحادا. فالإلحاد هو عدم الإعتقاد بوجود أي إلاه حتى لو كان هذا الإلاه إلاه إسبينوزا. 

6-الملحد لا يعتقد بوجود سبب للحياة أو قيمة لها و لذا فأكثر المنتحرين ملاحدة.

يقول الفيلسوف الراحل جوزيف كيمبل Joseph Campbell, و هو أحد ملحدي العصر الحديث, ”الحياة لا قيمة لها. فأنت من يعمل لها قيمة. و قيمة الحياة تتحدد حسب تقييمك أنت لها. فكونك لازلت حيا هو بحد ذاته يعطي لحياتك معنى.” و عندما أفكر ببلايين الحيوانات المنوية التي تتنافس في ماراثون ميكروكوزمي ليصل واحد منها فقط للبويضة و يلقحها لخلق الحياة, فهذا بحد ذاته سبب قوي للإعتقاد بـأن الحياة قيمتها أكثر مما نعطيها من حق. بل العكس صحيح. فكثير ما نسمع من المؤمن عبارات مثل ” الحياة ليس لها قيمة نسبة للأخرة. ” و ما أن يصل الشخص لسن معين حتى ترى مجتمعه يعيبه إن رفه عن نفسه قائلا ” يالله حسن الخاتمة” و هكذا من الجمل التي تعيب قيام الشخص بالترفيه عن نفسه بالدنيا خوفا من العذاب الأبدي بالأخرة. أما الإنتحار فسببه نفسي المنشأ و بهذا لا يختلف الملحد و المتدين.

7-يعتقد الملحد أن كل شيئ بالكون خلق بالصدفة:

هنالك سوء فهم كبير لمعنى كلمة الصدفة. و المعنى العلمي للصدفة هو الإحتمالات الرياضية The Probability Theory. فلا يمكن مثلا أن تخرج من بيتك و “تصادف” تلفونك النقال طائرا بالهواء, خارقا قوانين الجاذبية. لكن ممكن جدا أن يحدث ذلك لو كنت بسفينة فضاء و بعيد عن مجال جاذبية الأرض. فالإحتمال الأول غير وارد بينما الإحتمال الثاني طبيعي. فقول أن الملحد يعتقد بأن الكون خُلق بالصدفة ليس دقيقا, حيث أن الكون في بداياته ليس هو كما اليوم, بل كان بالحالة الكمية أو المايكروكوزمية. و قوانين الكم للجاذبية Quantum Mechanics  لا تطبق على مجال أو مستوى حياتنا المعيشية على سطح الأرض و كل ما يتعلق بها بل يرضخ للقوانين النيوتونية للجاذبيةNewton’s Law of Universal  Gravity. و هذان المجالان بدورهما  لا يطبق عليهما قوانين الفيزياء التي يخضع له الكون بما فيه من نجوم و كواكب و أقمار و مجرات و ثقوب سوداء و مواد  مظلمة و كثافات مظلمة و إشعاعات و  غيرها من مكونات تخضع لقوانين المادة في المجال الماكروكوزمي أو الكوني بل تطبق عليها القوانين الاينشتانية للجاذبية Einstein’s General Relativity. فقول أن السيارة تخلق من العدم ب”الصدفة” ليس فقط غير منطقي بل أيضا تافه و يدل على سطحية قائله. فذلك مثله مثل القول بأنه ممكن أن يرحل شخص بالزمن للماضي أو المستقبل حسب نظرية التيليبورتيشن Teleportation أو الإنتقال عبر الزمن. فالسيارة موجودة بالوضع و المستوى الطبيعي للبشر و لا يطبق عليها قوانين الكم. والإنسان يعيش بالمجال الوسطي و ليس كالنجم بالمجال الكوني حيث يملك ضوئه قابلية إختراق الزمن- سواء للماضي أو للمستقبل. لكن قول أن الجزئ الكمي يظهر و يختفي بالعدم بصورة مستمرة راضخا لقوانين الإحتمالات الرياضية, علميا صحيح و توجد ادلة تدعمة. و الكون في بداياته كان هذا الجزئ الكمي و ليس الكون الشاسع الذي نعرفه اليوم و الذي هو بالواقع تراكمات خضعت – و لازالت تخضع- للإحتمالات الرياضية أيضا بجميع مراحل تطورة و تطور من و ما فيه بالإختيار الطبيعي.

8-الإلحاد ليس له صلة بالعلم.

بل العكس هو صحيح. فالشخص ممكن أن يترك الدين بسبب تناقضات النصوص الدينية أو بسبب هرطقات رجال الدين, وهو لا يحتاج أن يكون عالم دين و يعرف كل صغيرة و كبيرة في دينه كي يقتنع بأنه مبني على أساطير, كما انه لا يحتاج أن يكون خبيرا بالفيداVeda  لكي يقتنع أن تقديس البقرة أمر مضحك. لكن عدم الإعتقاد بوجود خالق هو موضوع مختلف تماما و يحتاج لأكثر من ذلك. يقول  سام هاريس Sam Harris بموضوع “عشرة اساطير و عشرة حقائق بخصوص الإلحاد”**** 10Myths and 10 Truths About Atheismمستعيناً بالإحصاءات الأمريكية كمثال, “معظم الإحصاءات تبين أن 90% من الشعب الأمريكي يعتقد بوجود إلاه: و لكن 93% من الأعضاء في الاكاديمية الوطنية للعلوم لا يعتقدون بوجود إلاه.” و هذه نسبة كبيرة من العلماء بما لا يمكن التغاضي عنها في الدلالة على أن هنالك معادلة طردية بين العلم و الإلحاد. فعندما يقول أكبرعلماء الفيزياء, مثل ستيفن هوكنغ Stephen Hawking مثلا و يسانده لورانس كراوس Lawrence Krauss و غيرهم من كبارعلماء الفيزياء النظرية اليوم بأن الكون ممكن أن يوجد من العدم, و يقوم جيش من العلماء التطبيقيين بتمثيل ذلك فيزيائيا و رياضيا بالحالة الكمية (و التي هي حالة الكون في بداياته) فهذا يعني أن الكون لا يحتاج لفاعل كي يخلق. و كذلك عندما يقول علماء البيولوجيا بأن كل الكائنات تطورت من الحساء الجرابي الأوّلي, فهذا يعني أن قصة أدم و حواء لا تختلف عن قصة ليلى و الذئب. و عندما يقول علماء النيوروساينس بعدم وجود شيئ إسمه روح  و أن ما يسمى بالروح مجازا ما هو إلا الوعي  و الوعي هو وظيفة الدماغ, و بموت الدماغ يموت الإنسان. فهذا يدعو لإعادة النظر بالمعتقدات القديمة. هذا بالأضافة لأستحالة حدوث حالات مثل إعادة الطير للحياة في قصة إبراهيم و نوم أهل الكهف ثلاثمئة سنة دون أن تتخلل عظامهم و مكوث يونس في بطن حوت دون أن يهضم و يصبح غذاء لسمك الزبال. كل هذه الأمور تهدم المنظومة الفكرية التي تربى عليها الشخص- على إفتراض أن معظم الناس ولدوا على ديانات أبائهم- و تفرض عليه إعادة النظر بمفاهيمه و قد تؤدي به إلى الربوبية أو البانثيزم إن لم يكن للإلحاد.

بل العكس هو صحيح. فالشخص ممكن أن يترك الدين بسبب تناقضات النصوص الدينية, أو بسبب هرطقات رجال الدين, فالشخص لا يحتاج أن يكون عالم دين و يعرف كل صغيرة و كبيرة في دينه كي يقتنع بأنه مبني على أساطير. كما انه لا يحتاج أن يكون خبيرا بالفيدا Veda لكي يقتنع أن تقديس البقرة أمر مضحك, لكن عدم الإعتقاد بوجود خالق هو موضوع مختلف تماما و يحتاج لأكثر من ذلك. يقول عالم النيوروساينس – See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=392703#sthash.yeVnxheU.dpuf Sam Harris بموضوع “عشرة اساطير بخصوص الإلحاد”****   10Myths and 10 Truths about Atheism مستعيناً بالإحصاءات الأمريكية كمثال, “معظم الإحصاءات تبين أن 90% من الشعب الأمريكي يعتقد بوجود إلاه: و لكن 93% من الأعضاء في الاكاديمية الوطنية للعلوم لا يعتقدون بوجود إلاه.” و هذه نسبة كبيرة من العلماء بما لا يمكن التغاضي عنها في الدلالة على أن هنالك معادلة طردية بين العلم و الإلحاد. فعندما يقول أكبرعلماء الفيزياء, مثل ستيفن هوكنغ Stephen Hawking مثلا و يسانده لورانس كراوس Lawrence Krauss و غيرهم من كبار علماء الفيزياء النظرية اليوم بأن الكون ممكن أن يوجد من العدم, و يقوم جيش من العلماء التطبيقيين بتمثيل ذلك فيزيائيا و رياضيا بالحالة الكمية (و التي هي حالة الكون في بداياته) فهذا يعني أن الكون لا يحتاج لفاعل كي يخلق. و كذلك عندما يقول علماء البيولوجيا بأن كل الكائنات تطورت من الحساء الجرابي الأوّلي, هذا يعني أن قصة أدم و حواء لا تختلف عن قصة ليلى و الذئب. و عندما يقول علماء النيوروساينس بعدم وجود شيئ إسمه روح  و أن ما يسمى بالروح مجازا ما هو إلا الوعي  و الوعي هو وظيفة الدماغ, و بموت الدماغ يموت الإنسان. فهذا يدعونا لإعادة النظر بالمعتقدات القديمة. هذا بالأضافة لأستحالة حدوث حالات مثل إعادة الطير للحياة في قصة إبراهيم و نوم أهل الكهف ثلاثمئة سنة دون أن تتخلل عظامهم و مكوث يونس في بطن حوت دون أن يهظم و يصبح غذاء لسمك الزبال. كل هذه الأمور تهدم المنظومة الفكرية التي تربى عليها الشخص- على إفتراض أن معظم الناس ولدوا على ديانات أبائهم- و تفرض عليه إعادة النظر بمفاهيمه و قد تؤدي به إلى الربوبية أو البانثيزم إن لم يكن للإلحاد.  

9-الملحدين ماديين و ليسوا روحانيين.

نحن خلقتنا و بيئتنا مبنية على المواد و لا إستغناء لأي كان عن هذه المواد. و من يقول أن الملحد مادي فعليه أن يسأل نفسه, مقارنة بمن؟ بالمؤمن؟ فهل المؤمن يذهب لعمله راكبا الجمل أم يسافر على براق؟ المادة اليوم هي اساس الحياة و لا يوجد إنسان غير مادي. فهل هناك من يستغني عن التكييف و الكمبيوتر و الغسالة و النقال و و و. بل حتى البيت أو الخيمة. كل هذه الأشياء ما هي إلا مواد. يقول الفلكي الملحد الراحل كار ساجان Carl Sagan في برنامجه التلفزيوني الشهير كوزموس Cosmos, ” الروح كلمة أصلها لاتيني و تعني التنفس. و ما نتنفسه هو هواء و الذي هو بالتأكيد مادة مهما بلغت درجة دقته. و على الرغم من الإستخدام (الشائع) و المتناقض لمعنى الكلمة, فلا يوجد بالضرورة أي معنى ضمني لكلمة الروحانية خارج نطاق  كونه صفة للمادة, سواء كانت هذه المادة هواء أو دماغ (الذي يدير عملية التنفس) و الذي هو أيضا مصنوع من مادة. إذا فالروحانية ليست خارج نطاق العلم (أي لا علاقة لها بالميتافيزيقيا). فالعلم ليس فقط موائم للروحانية, بل هو أساسا منبع الروحانية. وعندما ندرك مكاننا (المتواضع) نسبة لضخامة السنوات الضوئية و مرور الأزمان و ندرك مدى دقة و تعقيد الحياة, نشعر بنشوة الاحساس المصاحب للتحليق والسمو و الخشوع في آن واحد, فهذا الشعور بالتأكيد روحاني. و هو يصف عواطفنا أمام فن راقي أو موسيقى أو أدب. أو عندما نواجه أعمال يضرب بها المثل بالشجاعة…ومفهوم أن العلم و الروحانية يستثني أحدهم الأخر بصورة تبادلية يضر (مفهوم) الأثنين.” أما حب جمع المال فلا يعرف ملحدا أو مؤمنا فكل من استطاع إلى ذلك سبيلا فإنه سيقوم بجمعه. بل أكثر الجمعيات “الخيرية” التي كُشفت بها التلاعبات المالية هي مبرات الخير الإسلامية. و نظرة واحدة لقصر البابا-الفاتيكان- و ملابسه و ملابس حاشيته كفيلة بدحض هذه المغالطة.

في أحدى مقابلاتها التلفزيونية قالت أوبرا ونفري Oprah Winfrey لضيفتها, السباحة الملحدة دايانا نايد  Diana Nyadو التي كانت قد إجتازت المسافة من كوبا إلى فلوردا سباحة “إنت لست ملحدة إن كنت قد شعرت بالرهبة و الإجلال أمام البحر الشاسع.” فردت عليها الأخيرة بأن “العالم لا يحتاج لأن يكون وراء خلفه شخص خيالي كي نشعر بالإجلال و الرهبة تجاهه.”  و ما فعلته أوبرا كان له صدى كبير بين الأوساط الفكرية المختلفة. فهناك من ساندها فيما ذهبت إليه على أن الإحساس بالإجلال و الإكبار هو شأن متعلق بالروح و الدين. و إن كان الملحد لا يعترف بوجود روح-أو هكذا هم الأغلبية من الملاحدة- فكيف له أن يشعر بالإجلال و الرهبة و السمو بالنفس إلى مرتبة الروحانية؟ و هناك الفريق الأخر من الكتاب الملاحدة  ممن إستشاط غضبا لجملة أوبرا و طلب منها الإعتذار الرسمي لما بدر منها*****.  و يرى هؤلاء أن الدين إستغل طبيعة إنسانية متمثلة بتجربة الإحساس بالسمو النفسي عند مشاهدة ما يدعو للدهشة و الجمال في الطبيعة و نسبه لنفسه. و كون هذا المسمى “الروحانية” متعلق بكلمة “الروح” لا يعني بالضرورة أنها تنسب إلى شيئ خارق أو خارج نطاق الطبيعة و العلم.

وبالنهاية لا يصح أن نترك هذا الجزء و الخاص بالروحانيات دون أن نذكر مقولة لسام هاريس Sam Harris- و هو الأكثر روحانية من بين الفرسان الأربعة  للملحدين بالتاريخ الحديث: سام هاريس, كريستوفر هيتجينز Christopher Hitchens, ريتشارد داوكنز Richard Dawkins, دانييل دانيت Daniel Dennet- بهذا المجال من كتابه “نهاية الإيمان” End of Faith حيث يقول, ” التأمل (بالكون) مشروع عقلاني. و المتأمل يدرك أن طبيعة الأشياء تكون بالوعي بها و الذي  يأتي قبل التفكر بها. فيعرض هذا الإدراك أو الوعي للمناقشة الفكرية العقلانية. و كل متأمل له أسباب خاصة لإعتقاداته الشخصية و التي ترجع لتجاربه الذاتية. فالغامض من الأمور بهذا العالم ممكن تحليله و إيجاد مفاهيم خاصة به (و هذا يسمى علم), أو ممكن أن يجربه الشخص دون قدرة على وضع مفاهيم خاصة له (و هذا يسمى تصوف). أما الدين (و بالتالي زجه بهذا الموضوع) فهو ليس أكثر من مجموعة مفاهيم سيئة إحتلت مكان مفاهيم جيدة لكل زمان. إنه إنكار – بسبب الأمل (الكاذب) و الخوف بنفس الوقت- لمدى إتساع التخلف البشري (في فهم ماهيته).

10- مشكلة الملحدين أنهم لا يفهمون الدين أو فهمهم للدين سطحي كونهم ينتقون ما يناسب أهوائهم. و لذلك فهم إنحرفوا عن الطريق الصحيح :

للأسف لا توجد إحصاءات في الدول الإسلامية لبيان صحة أو خطأ هذا الإدعاء  و هذا شيئ متوقع من شعوب تعودت على رمي من يخالفها بالإتهامات دون أدلة ترتكز عليها. فيكفي أن يقول خطيب بالمسجد هذه الجملة حتى ترى البقية يرددونه و كأنه أصبح قرأنا. لكن هذا لا يمنع من اللجوء لإحصاءات الدول التي تقوم بهذه الإحصاءات لإختبار مدى صحة هذا الكلام بصورة عامة. ففي سبتمبر 28 سنة 2010 قامت بيو للأبحاث الأمريكية Pew Research Center بعمل مسح ميداني لعينة متساوية من مسيحيين بروتستانت من الجنس الأبيض و من الجنس الأسود و مسيحين كاثوليك من الجنس الأبيض و من اللاتينيين و من المورمن و اليهود و الملحدين و المشككين من خلال عمل الإختبارات الدينية. فتبين أن الملحدين و المشككين إحتلوا المركز الأول و يليهم اليهود و أخر من إحتل القائمة****** كان الكاثوليك اللاتينيون. و بالمناسبة هؤلاء هم أكثر الناس تدينا و كنائسهم بالعادة عامرة بالحضور.

و رجوعا للمسلمين الذين يدعون أن الملحدين لا يعرفون الدين الصحيح: الملاحظ بالموضوع أن كل مجموعة أو حزب أو مذهب- و ما أكثرهم- بالواقع لا  يعترفون بصحة المجموعة الأخرى أصلا و بعضهم يكفر البعض الأخر. أما ما يدعونه بأن الملحدين ينتقون ما يناسب أهوائهم فهل هم يفعلون غير ذلك؟ هل يوجد بينهم من يتجرأ بإخضاع نصوص الكتب المقدسة للتحليل و النقد بالإسلوب العلمي الصحيح كي يبين للجمهور صحة إدعاءاته؟ إن المشاهد لأي مناظرة بين متدين و ملحد لا يفوته ملاحظة كبر الفجوة الثقافية بين الإثنين و خصوصا عندما يتطرق الموضوع للعلوم الطبيعية و المنطق, فسرعان ما ترى المؤمن يحيد عن مسار النقاش, صابا على ناره الحامية زيت الآيات القرأنية و الخزعبلات الماورائية و التي لا يفهمها لا هو و لا جمهوره الذي يحرك رأسه بالموافقة, فيضع حدا للنقاش.    

 

*

http://www.youtube.com/watch?v=OPU7UIP41Nc

**

http://www.cnn.com/2008/WORLD/meast/02/01/iraq.main/

***

http://www.theguardian.com/world/2013/nov/11/sweden-closes-prisons-number-inmates-plummets

****

http://www.samharris.org/site/full_text/10-myths-and-10-truths-about-atheism1

*****

http://www.theblaze.com/stories/2013/10/17/atheists-want-an-apology-from-oprah-over-her-on-air-revelation-about-non-believers/

******

http://www.pewforum.org/2010/09/28/u-s-religious-knowledge-survey/

2013 in review and Happy Birthday to me

The WordPress.com stats helper monkeys prepared a 2013 annual report for this blog.

Here’s an excerpt:

The concert hall at the Sydney Opera House holds 2,700 people. This blog was viewed about 18,000 times in 2013. If it were a concert at Sydney Opera House, it would take about 7 sold-out performances for that many people to see it.

Click here to see the complete report.

أثرالدين الحق في نشر ثقافة الحمق

كم هو مؤلم لكل مراقب للساحة العلمية بالدول العربية/الإسلامية ملاحظة تقهقهر العلم في مقابل إنتشار الجهل بصورة مضطرده نمطية  ومبرمجه طبيعيا. و للأسف ليس هناك أمل في تغيير هذه الحالة السائدة في هذه المجتمعات و ذلك ليس لخلوها من مقومات النبوغ العلمي  و الادوات التقنية بقدر تشبثها بالاساسيات و الاساليب الخاطئة في طلب العلم.

فهذه المجتمعات-كغيرها- كانت بداياتها بالتحصيل الفلسفي (على إعتبار أن الفلسفة تشمل جميع العلوم مجتمعة كالرياضيات و الفلك و العلوم الفيزيائية و العلوم الاجتماعية و السيكلوجية والبيولوجية و الخيميائية و غيرها) في دور العبادة والمساجد. و من الطبيعي أن تعتمد هذه الجهات على الكتب الدينية و تفاسيرها و كتب علماؤها و فلاسفتها كدساتيرعلمية  ومساطر ثابتة لقياس أية معلومة فيزيائية أو اجتماعية أو سيكولوجية أو حتى إقتصادية. وأن تتبني الإسلوب البدائي في فرض إسلوب النقل الشفهي المعتمد على الحفظ و الترديد. وأن تستخدم إسلوب العصى و الجزرة –فلقة- في تربية النشىء. وأن تفرض إحترام المعلم, لدرجة تقترب من التقديس, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة- كالتلاعب سيكلوجيا بعقل المتلقي عندما يكون جالسا بمستوي انزل من الخطيب, ذلك التأثير الذي يبدو جليا في هذا البيت الشعري لأمير الشعراء أحمد شوقي “قم للمعلم وفه التبجيلا, كاد المعلم أن يكون رسولا”.

هذ الإسلوب للاسف لم يتغير حتى بعد إنشاء المدارس النظامية. كل ما تغير كان ظاهريا و ماديا. المباني تغيرت و الكتب تغيرت و حتى الوجوه و الأزياء تغيرت, لكن الأساس المنهجي لم يتغير. فنجد كتب العلوم و الاجتماع و التاريخ و الرياضيات بل جميع الكتب المقررة لا تخلوا من الأيات الدينية و الأدعية. و نرى طريقة توزيع العلامات لا تعتمد على فهم التلميذ للمادة بل على مدي حفظ النص وترديد الإجابات النموذجية التي توزع عليهم من قبل مدرسيهم أو يشترونها منهم. و نرى الطلبة يقومون إحتراما للمدرس عندما يدخل الفصل و لا يناقشونه طوال الحصة إن لم يقم المعلم بسؤالهم. و ناهيك عن ضرب المدرسين للتلاميذ وإهانتهم لزرع الرهبة في قلوبهم و فرض الإحترام عليهم فرضا– قامت بعض الحكومات مؤخرا بمنع ذلك.

و هذا الاسلوب الذي تفرضه المدارس لنشر العلوم لا ينتهي دوره بالمساجد و دور العبادة و الحسينيات أو المدارس, بل تعدي ليدخل كل بيت عن طريق الإعلام و الشبكات الاليكترونية. فهذه المجتمعات لا تفرق بين العالم و رجل الدين, فكل من صعد منبرا لقب بالعالم. و كل من قدم برنامج ديني صار علامة حتى لو كان أمي. فما بالك إن كان هذا العالم يحمل لقب دكتور قبل إسمه! الناس هنا لن تستفسر عن تخصصه و الجامعة التي أعطته هذا اللقب لأنها لم تتعود على البحث و التأكد و الإعتراض و النقد. فهذه الأمور جميعها جديدة عليهم. يكفي أن يقدم خطبا رنانة حتى توافقه  على كل ما يقول بل حتى تردد ما يقول أو تعمل نسخ/لصق و ترسله  دون التأكد من المعلومة أو من مصادرها.

و على هذا الأساس صعد نجم علماء الدين في الاعلام العربي /الاسلامي على حساب علماء التخصصات العلمية. فنرى من يقدم المادة العلمية على شاشات التلفزيون أو عبر اليوتوب هم رجال الدين و ليس علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الاحياء أو الاجتماع أو النفس. و ضاع التخصص العلمي بين من يحمل هذا التخصص و من يدعي بمعرفة كل شيئ. و الأمثلة على ذلك كثيرة كبروز نجم د. زغلول النجار و د. محمد العوضي و غيرهم. كما أن من يحذو حذوهم و يتغلب معرفيا عليهم بإزدياد مضطرد و مثال على ذلك هو د. عدنان إبراهيم و الذي صار يشكل علامة زمانه بالنسبة للكثيرين.

هؤلاء لا يستحقون إلا لقب علماء الجهل. فهم يتبعون نفس الطريقة البدائية في نشر المعلومة العلمية . هم يوهمونك بأنهم ينشرون العلم حسب تقدمة و تعقداته الزمنية ليس ليوسعوا مدارك الملتقي و يزيدوا فهمه للظواهر الطبيعية, بل كي يضربوا العلم في مقتل و يثبتوا ما جاء في كتبهم البالية ليتأكدوا من سيطرتهم على العقول التي قد تقرأ في هذه العلوم و تشك بمنهجهم المبني على الكرامات و الخوارق و علومهم الماورائية و التي تناقض العلوم الطبيعية. و لا أجد مثالا أفضل لهؤلاء من رجال الدين الذين يستخدمون الديموقراطية ليقضوا عليها. هؤلاء يقومون بذات الشئ مع العلوم الطبيعية ليقضوا عليها, حفاظا على دينهم.

و لأبين هذا الشئ بصورة أدق سأورد هنا مثالا على فيدوكليب بعنوان,”د. عدنان ابراهيم: شرح معجزة نقل عرش بلقيس بفزياء الكم”. فهذا الفيديو وصلني بالبريد الإليكتروني و اليوتوب و الفيسبوك و من كل جهة حيث يدعي فيها الدكتور عدنان إبراهيم أنه”لأول مرة نحل المعضلة التي كرت رأس إبن سينا و إبن رشد و حامد الغزالي و العلماء الذي ما عرفوا يحلوها.”

فبعد البسملة و الحوقلة المعتادة و ترديد بعض اللأيات ليهئ الأجواء و العقول لرهبة و تعظيم المحاضرة العلمية و إلباسها القدسية. يقول الدكتور عدنان عن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي “معاجز الأنبياء و آياتهم في كتاب الله تبارك و تعالى هي وعد للبشر بأنهم بإذن الله سيبلغون مثلها بالاسباب و العلم, إعطيت للأنبياء من غير اسباب” ثم يؤكد”هكذا… كن فيكون. البشرية تبلغ هذه في قابل الأيام بالعلم و الفكر و النظر. و الآن  تقريبا كثير جدا من معاجز الأنبياء تحقق العلم منها و أحيانا ابلغ منها.”

صحيح؟ كيف ذلك يا دكتور عدنان؟ كيف تحقق العلم من المكوث في بطن الحوت-بطن الوحش في الفلوكلور البابلي- لمدة ثلاثة أيام كما كانت معجزة النبي يونس ممكن  دون أن ينهضم و يصبح طعاما لسمك الزبال؟ ما هي الميكانيكية البيولوجية التي بإمكانها أن تؤكد هذه المعجزة؟ و كيف تحقق العلم بأن وجود سفينة واحدة تستوعب عشر بليون نوع من الحيوانات هي مسألة طبيعية ممكنة في زمن نوح-و زمن جلجامش قبله- ثم ما هو التفسير العلمي لوجود بعض هذه الحيوانات في قارات دون غيرها كالكنغر في إستراليا؟

ثم يقول الدكتور عدنان, ” ألبرت أينشتاين, صاحب النظرية النسبية…يقول  ليس أعجب شيئ أن نفهم الأشياء الصعبة…أعجب شيئ أننا نفهم أي شيئ.” و فسر كلام أينشتاين بأنه يعترف بأنه مهما بلغ حجم دماغك فلن تفهم أي شيئ. ثم يقول أن النملة تفهم أشياء عديدة. فهي” موحدة و تعرف…حتى الفيروس(نصف حي نصف ميت) يتماكر على البشر فيعجزهم و يلتف على أساليبهم.”

أولا لا أعلم لماذا يصر رجال الدين, سواء مسلمين أو غيرهم بزج إسم أينشتاين في كل محاضرة دينية؟ و لماذا يغالطونه دائما؟ فعندما قال أينشتان أن “أعجب شيء أننا نفهم أي شيئ” لم يكن يقصد ما قاله دكتور عدنان بقصور الدماغ عن فهم الأشياء, بل أغلب الضن أنه كان يقصد العكس, أي أن أينشتاين منبهر بقدرة العقل على الإستيعاب و إلا ما كان قال “أكثر شيئ غير مفهوم عن العالم أنه مفهوم.” أما قصة النملة و معرفتها بالأشياء و الذي فسرها د. عدنان بأنها موحدة و تعرف – هكذا دون إبداء أي تفسير علمي- فهي بالواقع مضحكة لدرجة البكاء. و لو كان الدكتور عدنان كلف نفسه بقراءة نظرية النشور و الإرتقاء عن طريق الإختيار الطبيعي لوجد التفسير العلمي لكيفية تطور النملة و إكتسابها الوعي الخاص بنوعها في محاولاتها للبقاء. و لفهم كذلك كيف يقوم الفيروس بإعادة خلق نفسه بصورة تتغلب على المضاد الحيوي و بإستمرار . و لما فسرها بقوله “كلها هدايات و إلهامات”. فكتب العلوم لا تعترف بال”هدايات” بدون دليل مادي منطقي تجريبي واضح لهذه ال “الهدايات”. و تأخذ بالتفسيرات الأكثر إحتمالا.

 ثم يقول د. عدنان,” أحسن شيئ للفهم و العلم و النور  أن نتقي الله تبارك و تعالى. و أكثر شيئ يظلم الذهن و القلب و الروح هو المعصية و البعد عن الله و المهالك الباطنية” ثم يستند إلى حديث أخرجه أحمد يقول ” من قارف ذنبا فارقه عقله بمقدار ذنبه, لا يعود إليه.”

هنا واضح جدا كيف يقوم د. عدنان بإستخدام إسلوب العصى و الجزرة مع مستمعيه ليس ليقنعهم بالمنطق العلمي و العقلي كما يدعي و لكن لفرضه عليهم. فملخص كلامه هو أنك إن أمنت بالله و عملت واجباتك الدينة كما فرضت عليك فستفتح لك مجالات المعرفة دون تعب أو دراسة و إن لم تفعل ستصبح معتوها حتى لو درست و تخصصت بعلم الصواريخ. يا له من منطق غريب يأتي من رجل يعتبره الكثيرون عالم.

ثم يتكلم د.عدنان عن موضوع نقل عرش بلقيس و كيف ان الفيزياء الكمية أثبت بالتجربة أن ذلك ممكن. و كيف أنه من خلال العشرة أو الخمستة عشر سنة الماضية “بدأت تباشير هذه العلوم لنا” و أن “هذه المعجزات للأنبياء و الخوارق (المعلنة بالكتب الدينية) هي تحصين في كل زمان و مكان عن أن يفتتنوا (الناس) بالعلم و أن يصيروا ذوي نزعة علموية… و يجعلوه منهجهم الوحيد. فكل ما أثبته العلم يؤمنون به و كل ما أنكره العلم ينكرونه. و كل ما عجز عن تناوله العلم أيضا ينكرونه.” ثم يزيد بقوله “عجيب…بعض الناس بلغ بهم الحمق أن يجعل المقارنة لأي موضوع هو العلم. موضوع الدين, الملائكة, الجن, الآخرة , الجنة التي تتعارض مع العلم لا يستطيع أن يتعامل معها.

بل من الحمق يا دكتور أن نعتقد بكل شيئ يمليه علينا الأولون دون التفحص و التأكد بالبراهين التجريبية و التي تستند أنت بنفسك عليها بالفيديو لإثبات وجهة نظرك. الإدعاءات العظيمة تحتاج لإثباتات أعظم. و لا يمكن لأي نظرية علمية أن تنشر بالأوساط العلمية و تدرس بالجامعات العالمية دون أن تتعرض للعديد من التجارب و بأماكن و أزمنة مختلفة. و كلما تحملت النظرية تقلبات الظروف و الزمن دون أن تتغير نتائجها كلما زادت الإحتمالات بصحتها. فلماذا تتوقع منا ألا نعامل الإدعاءات الدينية مثل “كن فيكون.” أو “خلق الإنسان من طين.” بنفس الطريقة العلمية من الفحص و التجربة و البرهان؟ المسألة ليست مسألة الإفتتان بالعلم, كما تريد أن توهم الناس, المسألة مسألة إستخدام أو إلغاء العقل. فموضوع الملائكة و الجن و الأخرة و الجنة كلها مواضيع لا تخرج عن نطاق الإدعاءات. و يتحتم علي رجال الدين من أمثالك كواجب أدبي و ديني, بدلا من ضياح الوقت بالنظرية الكمية و التي لا يفهمها حتى واضعيها من العلماء, هو تقديم ما يساندها من براهين لإقناع الناس بها.

ثم يقول ” هذه المعاجز تقول لنا: على المرء ألا يفتتن بالعلم لأن العلم و إن قدر على أشياء بأسباب مدروسة فلقد قدر عليه الله قبل ألوف من السنين” ثم”يجب أن نحترم العلم و أن نخلق منه منهاجا علميا في أمتنا العربية/الأسلامية.”

لا أعلم بصراحة أي علم يدعو له الدكتور و يطالب بمنهجته في حياتنا, فهل هو العلم الديني المنقول, أم العلم الطبيعي المبني على التجربة و البرهان و الذي إزدراه بالجمل السابقة؟ بصراحة لا أرى غير تناقض.

ثم يقوم الدكتور بشرح النظرية الكمية للتيليبورتيشنTeleportation  أو النقل الآني للجزيء التحت الذري عن بعد بعد شرح سطحي للنظرية الكمية. و ذكره بأن العلم أثبت إمكانية نقل الشيئ من مكان لآخر, ليس هو بذاته و لكن بنقل معلوماته بدقة, بحيث يتم إعدام الجزيئ من مكانه الأصلي و إعادة خلقه بالمكان الآخر بنفس اللحظة.  و هلل بعد ذلك ذاكرا بأنه  قام العلماء باستراليا بعمل تجربة ناجحة في نقل رزمة أشعة ليزر من مكان إلى مكان أخر بعد إعدامها في المكان الأصلي و إعادة خلقها بالمكان الآخر. أي أن النظرية الخاصة بالنقل الآني للجزيئات تم إثباتها نظريا و عمليا. و من ثم قام بمقارنة ذلك بما قاله إبن العربي قبل سنين عن عرش بلقيس,” أصف بن برخيا أعدم العرش في مكانه في سبأ و أعاد إنجازه عند سليمان بنفس اللحظة. و زمان إعدامه هو زمان إنجازه و ليس زمانين.” و إستطرد قائلا ” هذا هو العرفان بالله…إبن العربي لم يحتاج ليدرس الفيزياء الكمية. هو كان فاهم الكلام بالمكاشفة و العرفان.

هل أنا لوحدي من يرى التناقض بكلمات الدكتور أعلاه؟ كيف يهلل بنجاح التجربة نظريا و عمليا و بنفس الوقت يطلب منا الإقتداء بإبن العربي الذي لم يدرس و لم يجرب و لكن عرف كل شيئ…هكذا…بالمكاشفة؟

أولا ما ذكره عن الفيزياء الكمية لا يمكن تسطيحه بالصورة المختزلة التي ذكرها بالفيديو و حتى علماء الفيزياء الكمية لا يتوقعون أن يفهمها أو يفهم طبيعة تصرف الجزيئات ككتل أحيانا و كموجات أحيان أخرى.و المجال العلمي لا يكتفي بتجربة واحدة أو إثنتان أو عشرة حتى يقول ” أها وجدتها” بل هو عمل مستمر محاط بالشكوك و التجارب العديدة. و هذا هو الفرق بين العقلية العلمية المتشككة و العقلية الدينة الناقلة و المرددة. فما تم تجربته حتى الآن لا يعتبر إلا أول الخطوات الطفولية في مجال التيليبورتيشن. و هي تتم بالمستوى ما تحت الذري يعني لم يتم إثبات إمكانية نقل القلم مثلا من مكان لآخر و بنفس اللحظة دون فقد المعلومات المهولة الخاصة بالقلم. نحتاج وقت كبير لعمل ذلك و قد لا يتحقق. و هذا هو جمال العلم: لا يوجد شيئ مؤكد.

فمتى يفهم علماؤنا ذلك و يريحونا من جهلهم؟

 

الفيديو:

http://www.youtube.com/watch?v=awOBmturboc

حوار الطرشان الفلسفي

في فسحة ضليلة بسوق لاإنترادا جلسا على كراسي حديدية. هو يحتسي الكابوشينو الذي يحبه ساخنا بدون سكر و يقرأ كتابه بإستخدام اللابتوب المفتوح أمامة على المنضدة الحديدية. و هي تشرب شراب الشاي الأخضر البارد كما تحبه على كومة كبيرة من الثلج و بنكهة الفاشين فروت و الياسمين و بدون سكر و تقرأ كتابها مستخدمة  الأيباد. “كم نحن متشابهان على الرغم من عظم إختلافاتنا!” فكرة سرحت بها خيالها و هي ترفع رأسها عن الكتاب ناظرة صوب محال الماركات العالمية أمامها.

قال لها بعد أن رفع عينه هو الآخر عن كتابه, و الذي يبدو أنه أحد الكتب الدينية التي يداوم على قراءتها, “أتعلمين أن الله له دلائل و شواهد بكل شيئ في الكون لكن هذه الدلائل لا يراها إلا المؤمن. و هذه هي المعجزة الحقيقية.”

فقالت له مازحة, “اللي يخاف من العفريت يطلع له.” ثم إستدركت, ” ما يشهده المؤمن هو خيال لأنه مبني على رؤية فردية و ليست رؤية جماعية.فكما…”

فرد عليها مقاطعا, “لا فرق بين الخيال و الواقع لأنه بالنهاية يعتمد على تفسير أدمغتنا لما نراه بالخارج. فالسمكة  التي تسبح في الحوض البلوري في وسط الغرفة يكون منظورها للأبعاد بالغرفة دائري المنشأ و ليس كما هو بالواقع. و هكذا هي أدمغتنا لا تفسر الأشياء بذات التطابق. فقد يكون ما نراه بالخارج ليس كما هو بالواقع”

فأجابت معترضة, “هذا صحيح عندما نقارن منظور السمكة بمنظور شخص بالغرفة. لكنه لا يطبق على منظور شخصين بالغرفة, فإن لم تفسر أدمغتهما الغرفة بذات التطابق فهذا يعني أن أحدهما على الأقل يتخيل الشيء و لا يراه.لكن إن تطابقت الرؤيتان فهذا يعني أن الشيء موجود بالفعل في الخارج.” ثم عدلت من جلستها قليلا و واجهته قائلة, ” أعطيك مثال عملى، هذه الطاولة الحديدية التي نجلس إليها, لها نقوش بشكل الباذنجان الذهبي, أنت تراها كما أراها أنا و إن إختلفنا بالوصف الدقيق فهذا مبعثه منظور كل منا أو الجهة التي ينظر كل منا إليها و إنعكاس الشمس و مقدار الظل و هكذا. لكن مع ذلك لن نختلف نحن الإثنان على وجود الطاولة. و هنا يكون ما نشهده نحن الإثنان واقعاً و حقيقة. لكن تلك القطة البنفسجية التي تراها تحت الطاولة فلا أراها أنا مهما تعبت بوصفها. فإننا لن نتفق على وجودها لأن مكانها ليست تحت الطاولة لكنه في مخيلتك.

و هنا أخذ نفس طويل يحاول أن يجد طريقة ليشرح لها وجهة نظره مستخدما العلوم التي كرس عمره لدراستها, ” لننظر إلى الأشياء بدقة أكبر و ليس بسطحية؛ أليست الطاولة و جسمي و جسمك و هذه الشجرة و كل ما حولنا ذرات و كواركات و فراغ؟ أليست عقولنا هي التي تشكل هذه الذرات بالأشكال التي نراها؟ فكما أحسبك تعلمين أن لكل منا صور تراكمية في أدمغتنا و ما نراه من صور في الخارج نقوم بتطابقها مع ما هو مخزون بذاكرتنا من صور تراكمية بثقافات و عقائد بيئية و غيرها لكي نستطيع تفسيرها. المؤمن في هذه الحالة يفسر ما يراه بالخارج بتطابق الصور مع التراكمات العقائدية التي تعب في تكوينها عن طريق العبادات فتتجلى أمامه الحقائق فيرى ما لا يراه الكافر”

فقالت له معترضة, ” كون كل الأشياء حولنا ذرات و كواركات و فراغ فهذا صحيح بالمجال الكمي أما في مجالنا فهي بالصور التي نراها بها. أو على الأقل ما نتفق على رؤيته نحن الأثنان حتى لو كان مختلفا بالواقع, فهو بالنسبة لنا هو ذات الواقع لأن المسألة نسبية. فتفسير عقولنا للصور الخارجية ليس عشوائيا بل يلتزم بالنمطية، و إن لم يكن كذلك فكل منا سيري الشيء بصورة مغايرة عن الآخر. و مهما تكن الصورة الخارجية فهي بالنهاية في مجالنا بالوسط بين الذري و الكوني ولا يطبق عليها الفيزياء الكمية.”

فقاطعها معترضا, ” و لم لا فجميع المجالات تتداخل و تكون بالنهاية العوالم التي تتصل ببعضها بأوتار من الجاذبيات تجمعها بنظرية واحدة تصلح لجميع المجالات.”ثم إردف قائلا, “من يؤمن يفتح الله قلبه فيري ببصيرته ما يقوم العلماء بإثباته نظرياً. على عكس الكافر و الذي يريد أن يرى بحواسه الخمس كل شيء حتى يصدق مع أن هذه الحواس تكون خادعة في أكثر الأحيان. فمثلما هناك أوتار لا يمكن أن ترى أو أن نشعر بها مع عظم دورها في حفظ النظام الكوني فلابد من وجود من هو خلقها و أعطاها هذه الوظيفة. و هكذا فهذا الخالق موجود في كل شيء حولنا و من السهولة رؤيته إن كان الشخص مؤمناً لأنه لا يتجلى إلا لمن يصل إلى درجات عالية من الإيمان. و هذه هي النقطة التي أردت توصيلها.”

و هنا نفذ صبرها فقالت له, ” بدأ نقاشنا علمياً و إنتهى بالسيدو ساينس -أي العلم الوهمي- فأنا لا أحسبك  كالدجال ديباك شوبرا و الذي يبيع جمهوره الفيزياء مخلوطا بالميتافيزياء للكسب السهل على أكتاف جمهور يدفع المال لمن يؤكد إيمانه و كأنه في شك من أمره و يريد المزيد من الإثباتات. فشوبرا “عيار”-دجال- و رزق العيار على المجانين. و أكون شاكرة لك لو إحترمت عقلي و إلتزمت بالنقاش العلمي كما بدأنا.”

ثم إردفت قائلة, ” أولا القلب ليس به جهاز أو ميكانيكية للرؤية و ليس من وظيفته أصلا الرؤية. فالرؤية من إختصاص العين و الأعصاب المتصلة بالمخ و هذه وظيفته.أما القلب فوظيفته ضخ الدماء بأنحاء الجسم لإستمرار الحياة.

ثانياً من يريد الدليل العلمي و خصوصاً إن كان إجنوستيا متشككا حتى بنفسه مثلي  فهو لا يلجأ للحواس فقط بل أيضاً للقياس و الإثبات, ليس فقط بالتجربة و لكن أيضاً بتكرار التجربة و الحصول على نفس النتائج بكل مرة. فكما ذكر ريتشارد داوكنز في كتابه “أعظم مسرحية على وجه الأرض”، أن النظرية “كلما إستطاعت تحدي الزمن و العراقيل كلما أصبحت أقرب للواقع”. و أنا أتعامل مع الواقع. أما الخيال فله جانب آخر في حياتي أتسامى به و أنا أحلق على الأجنحة الوهمية في عالم الأشعار و قصص الساينس فكشن، لكني لا أخلطه أبداً بالواقع و خصوصاً عندما يتعلق ذلك بالمسائل العقائدية. و ثالثاً كيف ممكن أن يكون الخالق في كل شيء حولنا و هو ليس جزءاً فيزائياً من عالمنا و مع ذلك يراه المؤمن؟ (أي أن ما هو من هذا العالم الفيزيائي يتصل بالرؤية بما هو خارج هذا العالم – ميتافيزيائي). و لم لا يكون هذا محض خيال فكما تعلم أن عقولنا لديها قابلية هائلة في عمل الأنماط في كل شيء. إنظر إلى السحاب لفترة لتري كيف يتشكل أمامك بنمط معين. و إن كان في دماغك صورة مسبقة تريد أنت أن تراها-كما هو حال المؤمن- فسوف تتشكل لك الصورة بإرادتك. ليس ذلك و حسب بل أن ما تراه بالسحاب قد أراه أنا أيضاً. أي أن العملية تصبح جماعية لكننا بالنهاية نعلم أنها تصورات و أنماط وهمية بعيدة عن واقع السحاب. “

فنظر إليها ,محاولا كظم غيظه, مستفسرا, ” و كيف تفسرين إذاً رؤية شخص لشيء و عدم رؤية الآخر له؟”

فقالت له مازحة, ” يمكن خبل-أهبل؟” ثم تداركت نفسها عندما رأت الدماء تكاد تفور في وجهه, ” أمزح معك, الناس مختلفون،فلا يوجد شخصين متطابقي الصفات و لا حتى بالتوائم المتشابهة. و كل منا له قابليات للتخيل بدرجات متفاوتة. فالفنانون مثلا يتميزون بخيال خصب يستغلونه بالإبداع في إعمالهم. والإيمان بالشيء ممكن أن يعطي هذا الخيال البيئة الخصبة للتنمية. و كلما كان خيال الشخص أكثر خصوبة بإيمان أقوى كلما إختلط هذا الخيال بالواقع أكثر حتى يصعب على الفرد التفرقة بينهما. و هذه ليست معجزة بل قد تصبح حالة مرضية إن زادت عن الحد.” ثم أخذت نفس عميق و إردفت قائلة, ” هل تذكر فيلم العقل الجميل؟ هل تذكر كم كان بطل الفلم عبقريا بالرياضيات ألا أن عقله لم يستطع التفرقة بين الخيال و الواقع.”

فقال مقاطعا, ” أنا لا أقصد الحالات المرضية.”

فردت عليه بالفور, ” و لا أنا قصدتها. فالتخيل أحد وظائف الدماغ. لكن إن إختلط الخيال بالواقع هنا يصبح الأمر مرضيا.”

صمت لفترة طويلة نسبيا و كأنه يحاول أن يجد ما يفند حجتها. و عندما لم يجد ما يقوله تمتم قائلا, ” المشكلة فيمن لا يؤمن هو أنه لا يعرف ما يراه المؤمن و لذلك يفسره تفسيراً علميا فيزيائياً بينما ما يراه المؤمن هو ميتافيزيائي. ما تصرين أنت على أنه خيال أستطيع أن أؤكد لك أنه واقع لكن ليس بيدي إثباته-بالأدوات الحسية- لأننا نتناقش عن عالمين مختلفين.”

“لا فائدة ترجى منه. خسارة السنين الطويلة التي قضاها في التعليم و خسارة للمال و الجهد المبذول عندما تقف العقيدة عائقا أمام الإنفتاح الفكري”طأطأت راسها كعادتها عندما تتخاذل أمامه و لا تتجرأ على مواجهته بما تفكر به عنه, ثم إردفت منهية للموضوع, ” لنترك النقاش إذاً و يرجع كل منا لقراءة كتابه فواضح أن عوالمنا لن تتلاقى أبدا.”

و هنا أقفل هو الموضوع واثقا بأنه كسب الجولة بالتفنيد, ” سواء تلاقت أم لم تتلاقى عوالمنا, فالله موجود، سواء إعترفنا أو تكابرنا.”

” تكابرنا؟” كلمة إستفزتها و هي تعلم أنه ممكن أن يكون بداية لنقاش طويل أو حتى حرب عشواء. لكن تعلم أن السنين التي قضتها معه بالحروب لم تأتي إلا بالدمار و قد تعبت من الحروب وعلمتها قسوة السنين معنى ” التحمل” ففتحت أيبادها و الذي كان قد أغلق من نفسه متمتمة بصوت منخفض،” Whatever “

و في كتاب ” دليل المشرك للأديان العالمية” للكاتب وليام هوبر  قرأت الجملة التالية:

في البداية عشنا كبشر في البرية و أكلنا من هو أقل سرعة و ذكاء منا. و بهذا الوقت إخترعنا شيء سميناه “الله”

ففرت منها إبتسامة خبيثة، فكم هو جميل أن يكون بهذا الكون ناس يتكلمون بمنطقها و يفهمونها و يفهمون عالمها.

The Diva

Image

Devine is the dance that whirls the essence

Revered is the step that keeps air and earth in balance

Sojourning where Imagination begets existence

Reality dissolves into fantasy of fragrance

And temperance  reduces to a melodious silence

When  the goddess of all senses is in presence

Joyous moments become renascence

Hark, the sound of tar

Mingling with your breath so much

That you forget who you are

With every orchestra of such

Symphony of the drumbeat

And the jingling anklets on her feet

Long nails the color of blood

Oblivious to the passion you flood

Pointing north, south east and west

With wit, fervor and zest

Piercing your desires awake

Glances that your grounds shake

If lust is all heaven be

Who needs  virgins in heaven, tell me

Previous Older Entries

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 29 other followers