هوس الأغلبية بالطاقة الكونية (3)0

تابع ما مضى :0

أما تعادل تقطيب الجسم (بصورة عامة) فهو يتم بالغذاء المتوازن للحصول على نسبة و تناسب بين كمية البوتاسيوم و الصوديوم بالجسم و ليس بحركة يد أو إسورة نحاسية

 التفكر هو عملية معقدة يقوم بها المخ كوظيفة، و هو نوع من الإشعاع الكهرومغناطيسي (أي موجات من الطاقة التي تسافر بسرعة الضوء). و الفرق بينها و بين أي موجات كهرومغناطيسية أخرى هو التردد، أو طول الموجة. أما قوة تردده فهي ضعيفة جداً بحيث لا يمكن قياسها على بعد قدم واحد خارج الجسم* (قارن ذلك بعملية رصد النجوم من خلال قياس موجاتها الرادوية). و هو و إن كان ليس كائناً مادياً ألا أنه يعتمد و بصورة حتمية على عضو مادي، و عمله محصور بالجسم الذي يخدمه. و عليه فإرسال الموجات الفكرية بالتلاباثي و التحكم بالطاقة الكونية من خلال الموجات الذهنية لا يحصل إلا في أفلام الخيال العلمي.

يقول البعض بأنه حتى لو لم تنفع البوصلة في إثبات طاقة الجسم فهنالك أجهزة مثل تلك التي تستخدم في الكشف عن الكذب تعطينا مؤشرات بوجود هذه الطاقة الواعية التي تصدر عن الجسم عند الإستجواب.

و هذا الكلام غير دقيق، فالأجهزة التي كانت تستخدم للكشف عن الكذب، و أشهر أنواعها البوليغراف، تعتمد على قياس ضربات القلب و ضغط الدم و التعرق عندما يكون الشخص معرض للإثارة النفسية بالإستجواب. فالجهاز العصبي في هذه الحالة يرسل شارات للغدد لتقوم الأخيرة بفرز الهرمونات بالدم، و تعمل عندها الهرمونات على زيادة ضغط الدم و الذي يصاحبه زيادة ضربات القلب و التعرق. أي أن العملية برمتها فيزيولوجية محلية و لا توجد طاقة واعية تصَدر لخارج الجسم. هذا مع العلم بأن المحاكم الأمريكية كانت قد توقفت و بأمر من المحكمة الكلية في عام 1998 من إستخدام هذه الأجهزة للدلالة على الكذب لأنها “غير دقيقة”. فهي تعتمد على خبرة من يقوم بالقياس و كذلك على درجة تأثر كل إنسان بالإستجواب (بينت الدراسات** بهذا المجال بأن هنالك الكثيرين ممن يصاب بالهلع من الإستجواب حتى لو كان بريئاً، و على عكس ذلك هنالك من لا يتأثر بتاتاً حتى لو كان مجرماً،  فتظهر النتيجة عكسية)، فهذه عوامل بالنهاية ليست ثابتة لكي يستند عليها.

و هناك من يقول بأن عدم وجود أجهزة قياس لا ينفي وجود هذه الطاقة الكونية لأن المشكلة هي في قصور العلم. و هذا بعيد جداً عن الحقيقة، فالعلم الذي بإمكانه اليوم أن يرصد كويكبات بالسماء و يحيد من إتجاهها إن كانت في مجال الإصطدام بالأرض ليس من الصعب عليه أن يخترع جهاز لقياس طاقة تصدر من الجسم للخارج إن كانت هذه الطاقة بالفعل موجودة. لكن المشكلة أن مثل هذه الطاقة لا يوجد حتى أساس نظري على وجودها و لا تعريف علمي لها، مع أنها معروفة منذ آلاف السنين و يعتمد عليها أغلب سكان الأرض في تكوين نظرتهم العالمية، و في تشكيل أبجديات لغتهم على شيئ غير مفهوم

أما عن معلم الريكي، فهو يعتمد على حرارة الجسم في التمويه، و حرارة الجسم كما ذكرنا قيمة موضعية لا تتحول إلى قوة كهرومغناطيسية مؤثرة كالجاذبية الأرضية بالتركيز مع حركة اليد بالقرب من الجسم، و إلا كانت النجوم ستصبح في حالة فوضى عند كل تحريكة يد

تقول إحدى معلمات الريكي: عندما أحرك يدي بمجال هالات جسم المريض فأنا بالواقع أبحث عن مناطق الحرارة المركزة، أو البرودة غير عادية، أو طاقة طاردة، أو طاقة متمركزة، أو طاقة ممغنطة، أو الإحساس بدغدغة، أو طاقة تجذب يدي لتلك المنطقة. عندها أعلم أن هذه المنطقة تحتاج لطاقة الريكي و تعادل الشي

chi

للمريض

الأن لاحظ بأن كلمات مثل “هالات”، “طاقة ريكي”، و “شي” ليس لها تعاريف علمية. أما الحرارة المركزة و البرودة غير العادية فهذا أيضاً علمياً لا تعنى شئ لأن حرارة الجسم واحدة و إن كان بها بعض الإرتفاع فنستطيع أن نقيس ذلك بدقة بإستخدام مقياس الحرارة أي الثرموميتر. أما “طاقة متمركزة” و “طاقة ممغنطة” و كذلك “طاقة جذب اليد للمنطقة العليلة” هو أقرب لعمل طبيب الشامان و السحرة من أن يكون علماً يليق بالقرن الواحد و العشرين

و لكن ما هو سر تصديق الناس لهذه الخزعبلات؟ و كيف لشعب كالشعب الأمريكي و الذي وصل علماؤه للتبحر بالكون و فك أسرار الذرة بأن يكون من أكثر شعوب العالم سذاجة أمام هذا “السحر الشرقي”؟ فالكثيرين من أمثال الهندي ديباك شوبرا و الذي كان سيكون مجهولاً لو بقي في بلده بين الملايين ممن يرَقصون الثعابيين و يتحدثون مع الأموات، أصبح أشهر من نار على علم و كوّن الملايين من الدولارات بسبب بيع هذا الوهم للسذج. و للأسف تجد المشاهير و من يعتبرون من الطبقة المثقفة من أمثال أوبرا ونفري و غيرها هم من يتبنونهم  و يشاركون في نشر علم الجلاجلا. و هناك شركات تصدرأفلام وثائقية، إشترك بها علماء و متخصصين، مثل

The Secret  و What the Bleep do we Know

 وغيرها من التي وصلت مبيعاتها أرقاما خيالية، ليس لأنها تطرح مادة علمية مفيدة، بل لأنها تبيع ما يريد الناس أن يصدقوا، و هو أن هنالك شئ آخر خلف هذه الطبيعة أو ما يسمى بالميتافيزيقيا (هل يختلف هذا الفكر عن فكر من يؤمنون بنظريات المؤامرة؟)0

قالت لي: لو لم يكن هذا علماً حقيقياً لكان إندثر من آلاف السنين

فقلت لها: لو كان “علماً” نافعاً لما تطور الطب الحديث كبديل

فقالت: ألا يدل شفاء الكثيرين من أمراض مستعصية على الطب الحديث، كالسرطان و غيره دليلاً كافياً على تفوق الطب الشرقي البديل بالعلاج بالطاقة؟

فأجبتها: لو كانت هذه المعلومات صحيحة لكان إرتفع معدل عمر الإنسان في تلك الأزمنة الغابرة و قبل التطور في علوم الطب، و لما كان الشخص يعتبر بإرذل العمر في سن الثلاثين منذ قرنين ماضيين فقط. و من يدرى، فشخص مثل ستيف جوبز كان ممكن أن يكون حياً اليوم لو أنه كان لجأ إلى الطب الحديث عند إكتشافه لمرضه بدلاً من اللجوء “للطب البديل”0

فقالت: ما هو إذا تفسيرك براحة المريض بعد جلسة ريكي أو راجا يوغا

فرددت عليها قائلة: بلاسيبو

placebo

، أي أن الراحة النفسية تؤثر على فيزيولوجية الإنسان فيشعر بأنه معافى لفترة من الزمن مع أن المرض لازال متمكن بجسمه. (مثل ذلك كمثل بلع حبة سكر ضناً بأنها بانادول فترتخي أعصاب المريض و لا يشعر بالصداع، لكن ذلك لا يزيل المرض الأساسي الذي سبب الصداع)0

فقالت: طالما هو غير ضار و يعمل على راحة المريض فلماذا نعكر المياه، لندع من يريد أن يعتقد ما يريد أن يعتقد حتى لو كان غير مستند إلى أساس علمي صحيح

و عندها سكت.

المحادثة السابقة كانت مع إحدى الصديقات، و هي إنسانة جداً مثقفة و تعمل مدرسة في إحدى الثانويات الأمريكية! أما صديقتي المهندسة الكويتية فلقد أهدتني منذ فترة قصيرة كتاب لديباك شوبراً تقول عن مزاياه ما لم يقله مالك بالخمر.

* http://www.nebraskamed.com/neuro/meg-center

** https://antipolygraph.org/articles/article-018.shtml

Advertisements

أثرالدين الحق في نشر ثقافة الحمق

كم هو مؤلم لكل مراقب للساحة العلمية بالدول العربية/الإسلامية ملاحظة تقهقهر العلم في مقابل إنتشار الجهل بصورة مضطرده نمطية  ومبرمجه طبيعيا. و للأسف ليس هناك أمل في تغيير هذه الحالة السائدة في هذه المجتمعات و ذلك ليس لخلوها من مقومات النبوغ العلمي  و الادوات التقنية بقدر تشبثها بالاساسيات و الاساليب الخاطئة في طلب العلم.

فهذه المجتمعات-كغيرها- كانت بداياتها بالتحصيل الفلسفي (على إعتبار أن الفلسفة تشمل جميع العلوم مجتمعة كالرياضيات و الفلك و العلوم الفيزيائية و العلوم الاجتماعية و السيكلوجية والبيولوجية و الخيميائية و غيرها) في دور العبادة والمساجد. و من الطبيعي أن تعتمد هذه الجهات على الكتب الدينية و تفاسيرها و كتب علماؤها و فلاسفتها كدساتيرعلمية  ومساطر ثابتة لقياس أية معلومة فيزيائية أو اجتماعية أو سيكولوجية أو حتى إقتصادية. وأن تتبني الإسلوب البدائي في فرض إسلوب النقل الشفهي المعتمد على الحفظ و الترديد. وأن تستخدم إسلوب العصى و الجزرة –فلقة- في تربية النشىء. وأن تفرض إحترام المعلم, لدرجة تقترب من التقديس, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة- كالتلاعب سيكلوجيا بعقل المتلقي عندما يكون جالسا بمستوي انزل من الخطيب, ذلك التأثير الذي يبدو جليا في هذا البيت الشعري لأمير الشعراء أحمد شوقي “قم للمعلم وفه التبجيلا, كاد المعلم أن يكون رسولا”.

هذ الإسلوب للاسف لم يتغير حتى بعد إنشاء المدارس النظامية. كل ما تغير كان ظاهريا و ماديا. المباني تغيرت و الكتب تغيرت و حتى الوجوه و الأزياء تغيرت, لكن الأساس المنهجي لم يتغير. فنجد كتب العلوم و الاجتماع و التاريخ و الرياضيات بل جميع الكتب المقررة لا تخلوا من الأيات الدينية و الأدعية. و نرى طريقة توزيع العلامات لا تعتمد على فهم التلميذ للمادة بل على مدي حفظ النص وترديد الإجابات النموذجية التي توزع عليهم من قبل مدرسيهم أو يشترونها منهم. و نرى الطلبة يقومون إحتراما للمدرس عندما يدخل الفصل و لا يناقشونه طوال الحصة إن لم يقم المعلم بسؤالهم. و ناهيك عن ضرب المدرسين للتلاميذ وإهانتهم لزرع الرهبة في قلوبهم و فرض الإحترام عليهم فرضا– قامت بعض الحكومات مؤخرا بمنع ذلك.

و هذا الاسلوب الذي تفرضه المدارس لنشر العلوم لا ينتهي دوره بالمساجد و دور العبادة و الحسينيات أو المدارس, بل تعدي ليدخل كل بيت عن طريق الإعلام و الشبكات الاليكترونية. فهذه المجتمعات لا تفرق بين العالم و رجل الدين, فكل من صعد منبرا لقب بالعالم. و كل من قدم برنامج ديني صار علامة حتى لو كان أمي. فما بالك إن كان هذا العالم يحمل لقب دكتور قبل إسمه! الناس هنا لن تستفسر عن تخصصه و الجامعة التي أعطته هذا اللقب لأنها لم تتعود على البحث و التأكد و الإعتراض و النقد. فهذه الأمور جميعها جديدة عليهم. يكفي أن يقدم خطبا رنانة حتى توافقه  على كل ما يقول بل حتى تردد ما يقول أو تعمل نسخ/لصق و ترسله  دون التأكد من المعلومة أو من مصادرها.

و على هذا الأساس صعد نجم علماء الدين في الاعلام العربي /الاسلامي على حساب علماء التخصصات العلمية. فنرى من يقدم المادة العلمية على شاشات التلفزيون أو عبر اليوتوب هم رجال الدين و ليس علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الاحياء أو الاجتماع أو النفس. و ضاع التخصص العلمي بين من يحمل هذا التخصص و من يدعي بمعرفة كل شيئ. و الأمثلة على ذلك كثيرة كبروز نجم د. زغلول النجار و د. محمد العوضي و غيرهم. كما أن من يحذو حذوهم و يتغلب معرفيا عليهم بإزدياد مضطرد و مثال على ذلك هو د. عدنان إبراهيم و الذي صار يشكل علامة زمانه بالنسبة للكثيرين.

هؤلاء لا يستحقون إلا لقب علماء الجهل. فهم يتبعون نفس الطريقة البدائية في نشر المعلومة العلمية . هم يوهمونك بأنهم ينشرون العلم حسب تقدمة و تعقداته الزمنية ليس ليوسعوا مدارك الملتقي و يزيدوا فهمه للظواهر الطبيعية, بل كي يضربوا العلم في مقتل و يثبتوا ما جاء في كتبهم البالية ليتأكدوا من سيطرتهم على العقول التي قد تقرأ في هذه العلوم و تشك بمنهجهم المبني على الكرامات و الخوارق و علومهم الماورائية و التي تناقض العلوم الطبيعية. و لا أجد مثالا أفضل لهؤلاء من رجال الدين الذين يستخدمون الديموقراطية ليقضوا عليها. هؤلاء يقومون بذات الشئ مع العلوم الطبيعية ليقضوا عليها, حفاظا على دينهم.

و لأبين هذا الشئ بصورة أدق سأورد هنا مثالا على فيدوكليب بعنوان,”د. عدنان ابراهيم: شرح معجزة نقل عرش بلقيس بفزياء الكم”. فهذا الفيديو وصلني بالبريد الإليكتروني و اليوتوب و الفيسبوك و من كل جهة حيث يدعي فيها الدكتور عدنان إبراهيم أنه”لأول مرة نحل المعضلة التي كرت رأس إبن سينا و إبن رشد و حامد الغزالي و العلماء الذي ما عرفوا يحلوها.”

فبعد البسملة و الحوقلة المعتادة و ترديد بعض اللأيات ليهئ الأجواء و العقول لرهبة و تعظيم المحاضرة العلمية و إلباسها القدسية. يقول الدكتور عدنان عن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي “معاجز الأنبياء و آياتهم في كتاب الله تبارك و تعالى هي وعد للبشر بأنهم بإذن الله سيبلغون مثلها بالاسباب و العلم, إعطيت للأنبياء من غير اسباب” ثم يؤكد”هكذا… كن فيكون. البشرية تبلغ هذه في قابل الأيام بالعلم و الفكر و النظر. و الآن  تقريبا كثير جدا من معاجز الأنبياء تحقق العلم منها و أحيانا ابلغ منها.”

صحيح؟ كيف ذلك يا دكتور عدنان؟ كيف تحقق العلم من المكوث في بطن الحوت-بطن الوحش في الفلوكلور البابلي- لمدة ثلاثة أيام كما كانت معجزة النبي يونس ممكن  دون أن ينهضم و يصبح طعاما لسمك الزبال؟ ما هي الميكانيكية البيولوجية التي بإمكانها أن تؤكد هذه المعجزة؟ و كيف تحقق العلم بأن وجود سفينة واحدة تستوعب عشر بليون نوع من الحيوانات هي مسألة طبيعية ممكنة في زمن نوح-و زمن جلجامش قبله- ثم ما هو التفسير العلمي لوجود بعض هذه الحيوانات في قارات دون غيرها كالكنغر في إستراليا؟

ثم يقول الدكتور عدنان, ” ألبرت أينشتاين, صاحب النظرية النسبية…يقول  ليس أعجب شيئ أن نفهم الأشياء الصعبة…أعجب شيئ أننا نفهم أي شيئ.” و فسر كلام أينشتاين بأنه يعترف بأنه مهما بلغ حجم دماغك فلن تفهم أي شيئ. ثم يقول أن النملة تفهم أشياء عديدة. فهي” موحدة و تعرف…حتى الفيروس(نصف حي نصف ميت) يتماكر على البشر فيعجزهم و يلتف على أساليبهم.”

أولا لا أعلم لماذا يصر رجال الدين, سواء مسلمين أو غيرهم بزج إسم أينشتاين في كل محاضرة دينية؟ و لماذا يغالطونه دائما؟ فعندما قال أينشتان أن “أعجب شيء أننا نفهم أي شيئ” لم يكن يقصد ما قاله دكتور عدنان بقصور الدماغ عن فهم الأشياء, بل أغلب الضن أنه كان يقصد العكس, أي أن أينشتاين منبهر بقدرة العقل على الإستيعاب و إلا ما كان قال “أكثر شيئ غير مفهوم عن العالم أنه مفهوم.” أما قصة النملة و معرفتها بالأشياء و الذي فسرها د. عدنان بأنها موحدة و تعرف – هكذا دون إبداء أي تفسير علمي- فهي بالواقع مضحكة لدرجة البكاء. و لو كان الدكتور عدنان كلف نفسه بقراءة نظرية النشور و الإرتقاء عن طريق الإختيار الطبيعي لوجد التفسير العلمي لكيفية تطور النملة و إكتسابها الوعي الخاص بنوعها في محاولاتها للبقاء. و لفهم كذلك كيف يقوم الفيروس بإعادة خلق نفسه بصورة تتغلب على المضاد الحيوي و بإستمرار . و لما فسرها بقوله “كلها هدايات و إلهامات”. فكتب العلوم لا تعترف بال”هدايات” بدون دليل مادي منطقي تجريبي واضح لهذه ال “الهدايات”. و تأخذ بالتفسيرات الأكثر إحتمالا.

 ثم يقول د. عدنان,” أحسن شيئ للفهم و العلم و النور  أن نتقي الله تبارك و تعالى. و أكثر شيئ يظلم الذهن و القلب و الروح هو المعصية و البعد عن الله و المهالك الباطنية” ثم يستند إلى حديث أخرجه أحمد يقول ” من قارف ذنبا فارقه عقله بمقدار ذنبه, لا يعود إليه.”

هنا واضح جدا كيف يقوم د. عدنان بإستخدام إسلوب العصى و الجزرة مع مستمعيه ليس ليقنعهم بالمنطق العلمي و العقلي كما يدعي و لكن لفرضه عليهم. فملخص كلامه هو أنك إن أمنت بالله و عملت واجباتك الدينة كما فرضت عليك فستفتح لك مجالات المعرفة دون تعب أو دراسة و إن لم تفعل ستصبح معتوها حتى لو درست و تخصصت بعلم الصواريخ. يا له من منطق غريب يأتي من رجل يعتبره الكثيرون عالم.

ثم يتكلم د.عدنان عن موضوع نقل عرش بلقيس و كيف ان الفيزياء الكمية أثبت بالتجربة أن ذلك ممكن. و كيف أنه من خلال العشرة أو الخمستة عشر سنة الماضية “بدأت تباشير هذه العلوم لنا” و أن “هذه المعجزات للأنبياء و الخوارق (المعلنة بالكتب الدينية) هي تحصين في كل زمان و مكان عن أن يفتتنوا (الناس) بالعلم و أن يصيروا ذوي نزعة علموية… و يجعلوه منهجهم الوحيد. فكل ما أثبته العلم يؤمنون به و كل ما أنكره العلم ينكرونه. و كل ما عجز عن تناوله العلم أيضا ينكرونه.” ثم يزيد بقوله “عجيب…بعض الناس بلغ بهم الحمق أن يجعل المقارنة لأي موضوع هو العلم. موضوع الدين, الملائكة, الجن, الآخرة , الجنة التي تتعارض مع العلم لا يستطيع أن يتعامل معها.

بل من الحمق يا دكتور أن نعتقد بكل شيئ يمليه علينا الأولون دون التفحص و التأكد بالبراهين التجريبية و التي تستند أنت بنفسك عليها بالفيديو لإثبات وجهة نظرك. الإدعاءات العظيمة تحتاج لإثباتات أعظم. و لا يمكن لأي نظرية علمية أن تنشر بالأوساط العلمية و تدرس بالجامعات العالمية دون أن تتعرض للعديد من التجارب و بأماكن و أزمنة مختلفة. و كلما تحملت النظرية تقلبات الظروف و الزمن دون أن تتغير نتائجها كلما زادت الإحتمالات بصحتها. فلماذا تتوقع منا ألا نعامل الإدعاءات الدينية مثل “كن فيكون.” أو “خلق الإنسان من طين.” بنفس الطريقة العلمية من الفحص و التجربة و البرهان؟ المسألة ليست مسألة الإفتتان بالعلم, كما تريد أن توهم الناس, المسألة مسألة إستخدام أو إلغاء العقل. فموضوع الملائكة و الجن و الأخرة و الجنة كلها مواضيع لا تخرج عن نطاق الإدعاءات. و يتحتم علي رجال الدين من أمثالك كواجب أدبي و ديني, بدلا من ضياح الوقت بالنظرية الكمية و التي لا يفهمها حتى واضعيها من العلماء, هو تقديم ما يساندها من براهين لإقناع الناس بها.

ثم يقول ” هذه المعاجز تقول لنا: على المرء ألا يفتتن بالعلم لأن العلم و إن قدر على أشياء بأسباب مدروسة فلقد قدر عليه الله قبل ألوف من السنين” ثم”يجب أن نحترم العلم و أن نخلق منه منهاجا علميا في أمتنا العربية/الأسلامية.”

لا أعلم بصراحة أي علم يدعو له الدكتور و يطالب بمنهجته في حياتنا, فهل هو العلم الديني المنقول, أم العلم الطبيعي المبني على التجربة و البرهان و الذي إزدراه بالجمل السابقة؟ بصراحة لا أرى غير تناقض.

ثم يقوم الدكتور بشرح النظرية الكمية للتيليبورتيشنTeleportation  أو النقل الآني للجزيء التحت الذري عن بعد بعد شرح سطحي للنظرية الكمية. و ذكره بأن العلم أثبت إمكانية نقل الشيئ من مكان لآخر, ليس هو بذاته و لكن بنقل معلوماته بدقة, بحيث يتم إعدام الجزيئ من مكانه الأصلي و إعادة خلقه بالمكان الآخر بنفس اللحظة.  و هلل بعد ذلك ذاكرا بأنه  قام العلماء باستراليا بعمل تجربة ناجحة في نقل رزمة أشعة ليزر من مكان إلى مكان أخر بعد إعدامها في المكان الأصلي و إعادة خلقها بالمكان الآخر. أي أن النظرية الخاصة بالنقل الآني للجزيئات تم إثباتها نظريا و عمليا. و من ثم قام بمقارنة ذلك بما قاله إبن العربي قبل سنين عن عرش بلقيس,” أصف بن برخيا أعدم العرش في مكانه في سبأ و أعاد إنجازه عند سليمان بنفس اللحظة. و زمان إعدامه هو زمان إنجازه و ليس زمانين.” و إستطرد قائلا ” هذا هو العرفان بالله…إبن العربي لم يحتاج ليدرس الفيزياء الكمية. هو كان فاهم الكلام بالمكاشفة و العرفان.

هل أنا لوحدي من يرى التناقض بكلمات الدكتور أعلاه؟ كيف يهلل بنجاح التجربة نظريا و عمليا و بنفس الوقت يطلب منا الإقتداء بإبن العربي الذي لم يدرس و لم يجرب و لكن عرف كل شيئ…هكذا…بالمكاشفة؟

أولا ما ذكره عن الفيزياء الكمية لا يمكن تسطيحه بالصورة المختزلة التي ذكرها بالفيديو و حتى علماء الفيزياء الكمية لا يتوقعون أن يفهمها أو يفهم طبيعة تصرف الجزيئات ككتل أحيانا و كموجات أحيان أخرى.و المجال العلمي لا يكتفي بتجربة واحدة أو إثنتان أو عشرة حتى يقول ” أها وجدتها” بل هو عمل مستمر محاط بالشكوك و التجارب العديدة. و هذا هو الفرق بين العقلية العلمية المتشككة و العقلية الدينة الناقلة و المرددة. فما تم تجربته حتى الآن لا يعتبر إلا أول الخطوات الطفولية في مجال التيليبورتيشن. و هي تتم بالمستوى ما تحت الذري يعني لم يتم إثبات إمكانية نقل القلم مثلا من مكان لآخر و بنفس اللحظة دون فقد المعلومات المهولة الخاصة بالقلم. نحتاج وقت كبير لعمل ذلك و قد لا يتحقق. و هذا هو جمال العلم: لا يوجد شيئ مؤكد.

فمتى يفهم علماؤنا ذلك و يريحونا من جهلهم؟

 

الفيديو:

http://www.youtube.com/watch?v=awOBmturboc

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

الأخلاق منظومة إنسانية قديمة قدم الإنسان. قامت المجتمعات بوضع فلسفتها كأدوات و نواميس تحدد التعامل بين الأفراد لبيان كل ما هو ملائم  و ما هو غير ملائم سواء كان بالنيات أو بالقرارات و التصرفات الفردية في التعامل المجتمعي. و من هذه الفلسفات الأخلاقية تطور مفهوم الخير و الشر و الذي شرعت على أساسها القوانين و آليات القصاص فنتجت عنها منظومات عدة تتباين حسب ثقافة أو دين أو فلسفة المجتمعات. لكن هذا التباين لا يكون فقط بين المجتمعات المختلفة بل هو عامل طبيعي للمجتمع نفسه و الذي يخضع لتغيرات الزمن. فالصفات الأخلاقية, حسب علماء الأنثروبولوجيا-علم الإنسان- و علماء السوشيوبايولوجي, هي صفات ذاتية للأفراد تكون خاضعة لقوانين التطور مع الزمن من أجل بقاء النوع. فمن رحم هذا التطور الذاتي للأفراد تكونت بوصلة الخير و الشر الذاتية. فما كان مقبولا في السابق أصبح منفرا في الوقت الحالي. مثال على ذلك هو إقتناء العبيد و زواج القاصرات.

يقول عالم البيولوجيا ريتشارد داوكنز في كتابه “الله الوهم” أن التاريخ الأخلاقي

 Moral Zeitgeist

 مستمر في عمله بتطور الإنسان حتى يتسامى  إلى درجة التضحية بالنفس من أجل الجماعة أو الألترويزم أو حب الآخر من غير شروط – بما يشابه حب الوالدين لأبنائهما. ففي أوربا القرن الرابع عشر مثلا كانت القطط تذبح بمجاميعها بسبب إعتقاد الناس أنها مرتبطة بالشياطين, و كان الناس المجتمعون يهللون و يصفقون عند حرقها و هي حية. و إن حدث هذا الآن لنال ذلك سخط المشاهدين و إشمئزازهم.فبالتعاملات و التجارب الإجتماعية ولدت المبادئ و تطورت مع الزمن في الحدود الأقليمية  و الحدود العالمية بعد المحاولة و الخطأ على أرض الواقع  و ذلك كي تتمكن الأمم مختلفة الثقافات من التعامل و التفاهم و التعايش بصورة سلمية كريمة عندما يتم الإتفاق علي مبادئ إنسانية موحدة تلتزم بها الدول كأدني شروط, مستندين على القانون الذهبي “عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك”. فكان نتيجة ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الذي تبنته هيئة الأمم المتحدة في سنة 1948 بعد تجربة الحرب العالمية الثانية.

و من الخطأ الشائع ربط المبادئ الأخلاقية للتعامل بين البشر بالمنظومة الدينية كأساس و منبع على الرغم من إرتباطها التاريخي بها. فلكي تكتسب هذه المنظومة قوتها التشريعية  و الإحترازية في المجتمعات البدائية فلقد تم ربطها بالعقائد السائدة كأوامر إلاهية.  فأول منظومة قانونية ظهرت في التاريخ البشري كانت شرائع الملك حمورابي في بابل-العراق حاليا- حدد فيها ما يجب و مالا يجب على الفرد القيام به و تم ربطها بمنظومة للجزاء يتناسب فيه القصاص- حسب رؤية زمنهم- مع الجرم. و صورت كأوامر من الإلاه مردوخ ليكتسب شرعية فوق بشرية. ففي ألف خمسمئة سنة أوأكثر قبل الميلاد لم تكن المنظومة الأخلاقية الذاتية للفرد -و الذي هو المنبع و الأساس لهذه المبادئ – قد تطورت بدرجة كافية لتجبره على التقيد بالقوانين كمسئولية الفرد تجاه الجماعة أو كمسئولية مواطن تجاه بلده. ولأن الأديان كانت و لازالت مرتبطة بالسياسة و السلطة فالمنظومة الأخلاقية فيها تعدت التعاملات الإنسانية السامية كالأمانة و إحترام الآخر و مساعدة المحتاج إلي أمور لا أخلاقية كالتدخل في الشئون الخاصة للأفراد و إعطاء الشرعية الدينية لمصطلح الشرف التقليدي المرتبط بالجهاز التناسلي للمرأة في المجتمعات الأبوية الذكورية, فثبت نتيجة لذلك قوانين تؤكد على إضطهاد أكثر من نصف المجتمع لصالح النصف الآخر. و هذا ينطبق و بصور متفاوتة حتى على الديانة البوذية و التي تعتبر الأكثر إنسانية و تسامح بين الديانات على الإطلاق.

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٣)٠

جاليليو جاليلي (١٥٦٤-١٦٣٢م)٠

Galileo Galilei

كما ذكرنا في البوست الماضي أن أحد أهم النقاط الجذرية في التحول في المسار العلمي بدأ في عهد جاليليو ،  حيث يقول عنه المؤلف أنه إكتشف “الكثير من القوانين، و دافع عن أهمية المباديء المعتمدة علي المشاهدة و {القياس } في تكوين القواعد العلمية {حيث عن طريق المشاهدة بالتلسكوب ، بين كيف أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، مؤكدا ما ذكره كابرنكاس

Copernicus

قبله بفترة قصيرة ، و الذي بدوره لم يتجرأ بنشر معلوماته إلا قبل وفاته بقليل}”. و بذلك ضرب جاليليو عرض الحائط كل ما إعتمدت عليه الكنيسة من علوم إغريقية في إثبات النبوءات المسيحية و منها أهمية الإنسان بكونه أساس كل ما هو مخلوق، أو لأجله و لأجل راحته تم خلق كل شيء . و بين “أن الغرض من العلم { ليس إثبات أو عدم إثبات أمور ثيولوجية ، بل } هو بحث العلاقات الكمية الموجودة {فعليا } بين الظواهر الطبيعية  ” كما جاء علي لسان المؤلف. و تحمل بذلك قسوة  مجتمعه المسيحي الملتزم و خصوصا عندما حكمت عليه المحكمة الكنسية بالهرطقة و السجن الإجباري في داخل منزله إلى يوم وفاته. و لم تعتذر الكنيسة عن خطئها و حكمها الجائر عليه إلا مؤخرا في عام ١٩٩٢م .  و لكن لم يكن ليذهب جهود جاليليو سدي، ففي نفس الوقت تقريبا ، أو بعده بقليل ظهر نجم الفيلسوف و الرياضي  الفيزيائي الفرنسي الشهير رينية ديكارت (١٥٩٦-١٦٥٠) ٠

René Descartes

الذي إعتبره المؤلف “أول شخص قام بصياغة فكره القوانين الطبيعة بحزم و صراحة كما نفهمها {اليوم}. فهو كان يعتقد أن جميع الظواهر الطبيعية يجب أن تفسر بصورة كتل متحركة، تتحكم فيها ثلاثة قوى -مستبقا بذلك القوانين التي صاغها نيوتن بخصوص الحركة لاحقا- و مصرا علي أن هذه القوانين الطبيعية عليها أن تكون قابلة للتطبيق في كل الأماكن و في جميع الأزمنة {بدون إستثناء}. كما و بين بوضوح أن رضوخ  هذه الأجسام المتحركة لهذه القوانين لا تعني أنها تمتلك أدمغة {كما كان يعتقد كيبلر}. فديكارت كان يفهم أيضا أهمية ما نسميه “بالظروف الإبتدائية” { و التي هي معرفة و دراسة الظروف الإبتدائية أو الوضع الحالي للشيء أو للنظام يعتبر من الأمور الضرورية لعمل التنبؤ بالنتائج المستقبلية لما سيئول إليه النظام، و كذلك  لتتبع أثر النظام زمنيا إلي الوراء }”. أما بالنسبة لمعتقداته الدينية “فهو كان يعتقد أن الله هو من وضع القوانين الطبيعية للكون {في البداية} و لكنه لم يكن له إختيار بين هذه القوانين، بل هو إختار القوانين التي نجربها في حياتنا اليومية لأنها كانت القوانين الوحيدة الممكنة الحدوث {أي لا يمكن إستبدالها بغيرها}”. و ناقش على هذا الأساس ” حتمية هذه القوانين كونها  تعكس الطبيعة الجوهرية لله “٠و جادل بأنه “لا يهم ما هي ترتيبات المادة في بدايات الكون…{لأنه في جميع الأحوال} سيتطور {بالنهاية} كون مطابق تماما لكوننا علي مر الزمن {بسبب حتمية هذه القوانين } “. و أكمل أنه ” حالما سير الله الكون {بقوانين في بداياته} فإنه تركه {يعمل بعد ذلك } لوحده كليا {دون التدخل فيه}” ٠

و بعد ذلك بقليل من الزمن ظهر نجم إسحاق نيوتن (١٦٤٣-١٧٢٧م)٠

Isaac Newton

و الذي بدأ بعهده الفيزياء الكلاسيكية كما نعرفها اليوم، فلقد كان هو “وراء إكتشاف ثلاثة قوانين للحركة، بالإضافة إلي قانونه الشهير بقانون الجاذبية، و الذي يضع بالحسبان دوران الأرض حول محوره و {جاذبية} القمر و بقية الكواكب” ، و كذلك قام بشرح ظاهرة المد و الجزر٠

هذا مع العلم بأن نيوتن و جميع من جاء قبله كانوا مؤمنين بوجود خالق يتدخل بصورة أو أخرى في شئون الخلق حتي لو لم يتدخل بقوانين الكون بعد ذلك و تركها تعمل لوحدها كما ذكر ديكارت، و لذلك فقانون الطبيعة و ميكانيكية علاقتة بالله في ذاك الوقت لم تكن النظرة إليه كالنظرة العلمانية الحالية لهذا القانون، فكما يذكر المؤلف “اليوم أغلب العلماء سيقولون أن قانون الطبيعة هو القاعدة التي تستند عليها الأحداث المنتظمة الحدوث و التي تعطي تنبؤات لما بعد الحالة التي إعتمدت عليها” و كفى، دون ذكر لعلاقة ذلك بالله٠و لكن إذا كانت الطبيعة مقيدة بقوانين فهنالك ثلاثة أسئلة تفرض نفسها، يقوم المؤلف بإدراجها و إدراج إجابات الأولين عليها:٠

السؤال الأول هو:  ما هو أصل هذه القوانين؟

و علي ذلك يجيب كل من كيبلر و جاليليو و نيوتن بأن القوانين هي موضوعة من قبل الله .  كما أعطوا تعريفا لله بأنه “تجسيد لقوانين الطبيعة”٠

و السؤال الثاني هو : هل يوجد إستثناء لهذه القوانين؟ أي هل يوجد معجزات؟

و علي ذلك أجاب أفلاطون و أرسطو بحزم بقولهم أنه “لا يوجد إستثناءات لقوانين الطبيعة” أما الإنجيل (و كذلك القرآن) و الذي كان يؤمن به كل من العلماء السابق ذكرهم فيقول “أن الله لم يخلق القوانين فقط، بل أنه {يملك أن يغيرها أيضا متى ما شاء } عن طريق {الإستجابة لمخلوقاته} في صلواتهم {لا يرد القضاء إلا الدعاء!} ، و بذلك فالله قادر على أن يعمل إستثناءات لقوانين الطبيعة {فإن شاء للشيء أن يكون فهو يقول له كن فيكن} ، أي ممكن أن يحدث المعجزات {فتلد العذراء مثلا أو ينشق القمر } ” أما ديكارت فمع أنه لا يعتقد بوجود إستثناءات في الوضع الطبيعي و لكنه يؤكد بنفس الوقت “بأن الله لابد أن يكون قادرا علي تعليق القوانين {متى شاء} حتي تحدث المعجزة” . أما نيوتن فنظرته مغايرة لديكارت حيث يقول أنه بدون تدخل الله المستمر فإن ” مدار الكواكب سيكون غير ثابت لأن الجاذبية بين أحد هذه الكواكب للأخري ستسبب إضطرابا لمداراتها  و عليه سيكبر مع الزمن و سيتسبب إما في سقوط هذه الكواكب إلى الداخل في الشمس أو أن ترمي في خارج المجموعة الشمسية. و عليه فهو كان مؤمنا  بأن الله حتما يقوم بإعادة {تضبيط} المدارات أو ” أنه ” يلف نابض الساعة السماوية، حتي لا تقف”، و إن أراد غير ذلك، حسب مفهومه،  فهذا أيضا يرجع له٠

أما الفرنسي بيير-سايمون ماركيز لابلاس (١٧٤٩-١٨٢٧)٠

Pierre-Simon Laplace

فكانت له نظرة مختلفة تماما عن كل من نيوتن و ديكارت، فهو جادل بأن  “التشويش {بقوى الجاذبية، أي للداخل أو للخارج من الدائرة} سيكون علي فترات تميزها الدوائر المتكررة {بسبب حركتها}، بدلا من أن تكون تراكمية {أي أن القوى تجدد نفسها بالحركة المستمرة }. و عليه فالنظام الشمسي يقوم بإعادة تشغيل نفسه، و لا توجد حاجة إلي التدخل القدسي لتفسير لماذا بقيت {الكواكب تدور} حتي وقتنا الحالي…و هذه الحتمية العلمية التي صيغها لابلاس هو الجواب العلمي {العلماني} الحديث علي السؤال الثاني…فالقانون العلمي ليس قانونا علميا ” كما يجادل المؤلف، “إذا كان ثباتة يعتمد علي قرار من كائن مافوق الطبيعة، يختار عدم التدخل {غالبا و التدخل أحيانا}”. و لذا فعندما سأل نابليون لابلاس عن مكان الله في نظرياته “فأجابه،  ” سيدي، أنا لم أكن بحاجة إلي تلك الفرضية””٠

و قبل ترك هذا السؤال يتطرق المؤلف إلي سؤال ضمني {فلسفي أزلي} آخر يبرز من بين السطور و يفرض نفسه : هل الإنسان مسير أم مخير؟

و أعتقد شخصيا أن هذا السؤال هو السؤال الذي لم يحظى أي سؤال مثله بكثرة المناقشات و المجادلات. و لذا فإرتأيت أدراجه لمعرفة وجة النظر العلمية أو بالأحري ماذا يعتقد العلماء تجاهه. ففي هذا الصدد يقول ديكارت أن ” عقل الإنسان كان شيئا مغايرا من العالم الطبيعي و لا يتبع قوانينه. و هذه النظره تعني أن الإنسان يتكون من شيئين، جسم و روح. الإجسام ما هي إلا مكائن عادية، و لكن الأرواح لا تخضع للقوانين العلمية {الطبيعية}. و أشار ديكارت إلي عضو صغير في مركز الدماغ يسمي الغدة الصنوبرية قائلا أنها المكان الذي يسكن فيه الروح. و كان يعتقد أن هذه الغدة هي المكان الذي يتكون فيه كل  تفكيرنا، و هو منبع قراراتنا التي نختارها {هذه النظرة تبناه أيضا المسلمون و البوذيون و كل الذين يعتقدون بالقوى الخارقة بعد ذلك في الكثير من مناقشاتهم و تحليلاتهم }٠

و هنا يتساءل المؤلف “إذا كان الإنسان يملك حرية إختيار قراراته، فأين تطورت {هذه القابلية} لدي الإنسان في شجرة إرتقائه؟ و هل الطحالب الخضراء و البكتيريا لها حرية الإختيار، أو أن تصرفاتها أوتوماتيكية من خلال عالم القوانين العلمية؟ و هل فقط الكائنات متعددة الخلايا هي الوحيدة التي تملك حرية الإختيار أو فقط الثدييات؟” و من ثم يلجأ إلي العلوم الحديثة لإيجاد الأجوبة فيقول ” تدعم التجارب الحديثة في علم الأعصاب  التوجه القائل بأن أدمغتنا الفيزيائية، و التي تتبع القوانين العلمية الطبيعية، هي التي تقوم بأخذ قراراتنا، و ليس وكالة ما موجودة خارج نطاق هذه القوانين ، فعلي سبيل المثال؛ بينت دراسة لمرضى تحت عمليات فتح الدماغ بدون تنويمهم أن التأثير الكهربي علي أماكن معينة في الدماغ، يجعل المريض في حالة يشعر بها بالرغبة في تحريك يده ، أو ذراعه، أو قدميه أو شفتيه {حسب المكان المثار} . و من ثم يستنتج أنه ” من الصعب أن نتصور كيف بالإمكان القول “بحرية الإختيار” إذا كانت تصرفاتنا مقيدة بالقوانين الطبيعية، و لذا ، فمع أنه يبدو لنا أننا لم نعد تلك المكائن البيولوجية {أو الدمى المتحركة} ، فإن حرية الإختيار مجرد وهم. و لكن بينما نحن نقر بأن التصرفات الإنسانية مقيدة بالتأكيد بالقوانين الفيزيائية، فإنه  يبدو لنا أيضا أنه من المنطقي الإستنتاج أن الناتج {النهائي} هو من التعقيد في وجود عدة عوامل تجعل من المستحيل في الواقع العملي أن نتكهن {كم هو الإنسان مخير أم مسير من الطبيعة }٠

و حيث أن إستخدام القوانين الفيزيائية المبطنة مسألة غير عملية {لوجود عدة عوامل مؤثرة فيها و تشكل مجموعة يتم } التنبؤ بالتصرفات الإنسانية {من خلالها}، فنحن نقوم بتبني ما يسمي النظرية التأثيرية في الفيزياء النظرية” كما يذكر المؤلف . و هذا مثال

Effective field theory

و من ثم يشرح بأن ” النظرية التأثيرية هي الإيطار الذي يتم من خلاله عمل نموذج معين لظاهرة تم ملاحظتها {و تكرار حدوثها} لتقديمها بصورتها العامة مع تقدير كل العمليات الذاتية فيها و التفاصيل”. و هذا لا ينطبق علي الفيزياء النظرية و حسب بل علي كل العلوم، حيث يقول المؤلف أنه و بما ” أننا لا نستطيع حل المعادلات {الدقيقة و المعقدة } التي ترتبط بتصرفاتنا، فنحن نستخدم النظرية التأثيرية بقولنا أن الإنسان مخير {بصفة عامة}. و عليه نقوم  بدراسة قدرتنا علي الإختيار، و نقيم تصرفاتنا التي تتطلبها هذه القدرة و هذا {ما نسميه} علم النفس. ” تماما كالنظريات التي نستخدمها في “علم الإقتصاد مستندين على معلومة {قدرتنا على} حرية الإختيار و على فرضية أن الناس هم من يقيمون جميع الخيارات المتاحة {في السوق مثلا } و يكون قرارهم هو بعد دراسة  ما هو الأنسب لهم… و النظرية التأثيرية ناجحة نوعا ما في توقع التصرفات البشرية {بصورة عامة}…و لكن {مع ذلك تظل}  القرارات في أغلب الأحيان لامنطقية أو بالأحرى تكون مبنية علي تحليلات خاطئة لمردود هذه الإختيارات علينا”٠

وردا علي السؤال الثاني يقول المؤلف أن هذا الكتاب ” له جذور في مبدأ الحتمية العلمية و التي تؤكد ضمنيا علي أن الجواب علي السؤال الثاني هو أنه لا يوجد معجزات أو إستثناءات لقوانين الطبيعة ” ٠

أما السؤال الثالث فإنه يخص عما إذا كانت القوانين المتحكمة في الكون و في تصرفات البشر هي فريدة في نوعها {أي خاصة بعالمنا وحدنا} أم لا؟”٠

و للإجابة عليه يجادل المؤلف بأنه ” إذا كان الجواب علي السؤال الأول أن الله هو من خلق هذه القوانين فهذا يجرنا إلي سؤال آخر و هو هل الله لديه نطاق أو مجال معين في إختياره لهذه القوانين؟ {أو بمعنى آخر لماذا هذه القوانين بالذات، و هل ينفع غيرها؟}. و علي ذلك أجاب كل من أرسطو و أفلاطون، كما فعل ديكارت بعد ذلك و من بعده أينشتاين بأنه في إعتقادهم أن المباديء الموجودة في الطبيعة جاءت حسب “الحاجة”، أي أنها هي القواعد و القوانين الوحيدة التي تبدو منطقية. و لكن بسبب هذا الإعتقاد بأصول هذه القوانين الطبيعية { أي بوجود قوى خارقة خلفها } في علم المنطق، شعر أرسطو و من تبعه بعد ذلك أن الشخص بإمكانه أن “يصوغ” هذه القوانين دون الحاجة إلي معرفة كيف تعمل الطبيعة في الواقع. فتحول التركيز الفكري على أن يكون السؤال هو :  لماذا تتبع الأشياء قوانين معينة؟ بدلا أن يكون التركيز علي ماهية هذه القوانين و ما هي خصوصيتها، و هذا ما كان من شأنه أن يقوده إلي القوانين النوعية {و الحدسية} و التي كانت في الغالب خاطئة، و في كل الأحوال لم يتثبت أنها مفيدة، حتي مع كونها سادت الفكر العلمي لمدة قرون كثيره بعده. و من ثم مضي وقت طويل جدا حتي إستطاع شخص مثل جاليليو أن ينقض أرسطو بملاحظة أو مشاهدة ما قامت الطبيعة بعمله في الواقع، بدلا من اللجوء إلي المنطق وحده في تحليل الأمور٠

و من هذا المنطلق يقوم المؤلف بإستخدام الأسئلة السابقة جميعا كمدخل للفصول اللاحقة  مبتدءا ببيان ماهية هذه القوانين و كيف تفسر عمل الطبيعة علميا ليخرج بنتيجة إجمالية مفادها أن ” أغلب العلماء يقولون أن هذه القوانين هي إنعكاس رياضي {حسابي} لواقع خارجي متواجد بصورة منفصلة عن من يشاهدها {أي ليس لها علاقة مباشرة مع المشاهد}” و هذا ما يرجعنا للتساؤل عن مصداقية التعليمات الثيولوجية ، أو كما يقول المؤلف ” بينما نحن نبحر في طريقة مشاهدتنا و تشكيل مبادئنا أو قوانيننا بشأن ما يحيطنا، فإننا نصطدم بالسؤال الذي يفرض نفسه علينا و هو أنه هل لدينا أسباب مقنعة للإعتقاد بوجود “الواقع الموضوعي” ، أي هل هنالك سبب لوجودنا؟”٠

يتبع

لماذا الحرية؟

كثيرين هم من تغنوا بالحرية و نادوا بها، و كثيرين هم أيضا من إزدراها و أعتبرها فلتان ضار بالمجتمع، فالحرية كلمة مطلقة مبهمه في معناها إذا لم تحدد، فمع أنها حاجة للإنسان كالهواء و الماء، و لكن من الممكن إساءة إستخدامها و إخلال التوازن المطلوب  في الإتصال بين الأفراد لحفظ حقوقهم الفردية و الجماعية. و عبارة حريتك تقف عند حدود حرية الأخرين تزيد الكلمة إبهاما ما لم يتحدد ما هي حدود حريتك و ما هي  حدود حرية الأخرين. أي أن تحديد الإطار العام للحريات في المجتمع و كذلك تفاصيل الحريات الفردية أصبح ضرورة كلما كبرت المجتمعات و زاد التعقيد في تعاملات أفراها و إعتمادهم علي بعض.  و لذا فالمؤسسات العالمية تعنت في وضع هذه الحريات من نتاج ما توصل له العقل و العلم البشري ، و جعلته في متناول كل فرد حتي يعرف حقوقه و واجباته ليكون عاملا منتجا في مجتمعه ، فالمجتمعات التي لا تراعي هذه الشروط  و القوانين الفردية سيكون مصيرها الفناء أو الإنتباذ علي أحسن تقدير٠

ففي المجتمعات القبلية الرعوية للبدو الرحل كانت هذه الخطوط معروفة نسبيا و مقبوله لصغر حجم الجماعة و ترابطهم بالدم و النسل،  و لكونهم أيضا غير مرتبطين بالأرض، فأينما وجد الكلأ و العشب كانوا يخيمون لفترة و من ثم يرحلون. و بذلك نشأت بينهم عادات و تقاليد تحدد واجبات كل فرد و كذلك حقوقة و كانت معضمها تصب في مصلحة الجماعة من أجل التأكيد علي بقائها، و كان من حق الفرد أن تهب الجماعة لمناصرة أي فرد فيها إذا ما تعرض لعارض ما من قبل الجماعات الأخري حتي لو كان الخطأ منه. و الحروب مع أنها كانت و لازالت خسارة لطرفي النزاع، ألا أن مقدار الخسارة لم يكن نسبيا يوازي خسارة المجتمعات الزراعية التي أتت بعد ذلك. فالمجتمعات الزراعية إرتبطت بالأرض و عمرتها و أنشأت التجارة بين أفرادها و إضطرت إلي التعامل مع من هو خارج محيطها فزاد التعقيد في أساسيات سوسيولوجية التعامل  و الإتصال بين الأفراد لأن المصالح المتبادلة هي التي فرضت نوع من التسامح. و التسامح هنا يعني التغاضي و التنازل عن بعض الحقوق التي كانت تراها القبيلة من موروثاتها الطبيعية و بالمقابل زيادة تقبل الآخر بموروثاته. و هكذا زاد التعقيد في العصر الصناعي و عصر تكنولوجيا الإتصالات. فالتعقيد كان طرديا مع تقدم المجتمعات  زمنيا، و التعامل المتسامح فرض  نفسه علي الساحة، و من أجل ذلك ظهرت القوانين و اللوائح التي تتفق عليها الأمم كخطوط رئيسية للحقوق و الواجبات، ليس بين الأمم و حسب، بل حتي بين الأفراد المنتمين تحت التركيبة الواحده، حتي يسود الأمن و الأمان عند التعامل الجماعي. و لذلك فالدول التي تصر علي إقرار موروثاتها التاريخية أو الأيدلوجية كقوانين بين أفرادها و لا تضع للقوانين المدنية الحديثة أيه إعتبارات يكون مصيرها التقوقع في ذاتها و تتخوف بقية الأمم من التعامل معها فتنبذها

و المجتمعات الإسلامية  من بين كل المجتمعات العالمية اليوم تمثل نموذج حي لهذا التقوقع و الإنفصالية، و كلما زاد تشبثها بقوانينها الدينية و تشريعاتها حتي لو كان علي مستوي شعوبها كلما زاد نبذها من قبل دول العالم، و كلما أحس أفرادها بظلم و قهر شخصي. و هذا خطر ينذر بإستمرار الحروب سواء كانت هذه الحروب داخلية  بين أفراد شعبها أو خارجية  بينها و بين الدول الأخري. فالدول التي وصلت إلي مرحلة متقدمة في رقي التعامل بين أفرادها لن تخاطر بالتعامل مع هذه الدول إلا بالقدر الضئيل لتفادي شرها. و ممكن جدا أن تتحول هذه العلاقات إلي كراهية و حروب مستقبلية تكون فيها الدول الإسلامية هي الخاسر الأول٠

فالدول الإسلامية لازالت تتعامل بالعقلية الشمولية لحماية المجتمع، و عليه فهي تفرض قوانين و تشريعات تراها في مصلحة المجتمع، و بالواقع فهذه القوانين لا تحمي المجتمع و إنما تحمي التراث الخاص لهذا المجتمع  و خصوصيته لتعطيه الهوية المنفصلة عن بقية المجتمعات، فتخلق العنصرية بصوره طبيعية. و العقلية الشمولية تحد من تقدم المجتمع و تشل عمله و تنشر بين أفراده البغض و الكراهية و ما يتبع ذلك من فساد

و إذا تركنا مسألة البغض و الكراهية جانبا و تحدثنا عن تطور العلاقات المجتمعية بمنطق ستيفن كوفي و الذي ذكرها في كتابه المشهور “سبعة عادات تجمع  الناس الأكثر إنتاجية” و الذي شرحه ليبين تطور علاقات الفرد مع أقرانه، و طبقنا ذلك علي علاقات المجتمعات، فإننا نستطيع تقسيم تطور المجتمعات إلي ثلاثة مراحل:٠

المرحلة الأولي هي مرحلة الإعتماد الكلي. أي أن المواطن يكون معتمدا علي أهله و بقية المواطنين و الدولة إعتماد كلي، فما يصيبه يصيبهم.  و يمكن  تشبيه الجماعية هنا بالمسافرين علي مركب واحد أو الإنتماء إلي قبيلة بدو رحل

المرحلة الثانية تكون بالتخلص من هذا الإعتماد و تكوين الشخصية المنفردة لكل فرد أو مجتمع  بمنآي عن غيره.  و يمكن تشبيه ذلك بالدول الإسلامية اليوم و التي تتعدد فيها الإثنيات  و الطوائف و لا يجمعها قاسم مشترك

المرحلة الثالثة تكون بالإعتمادات المتداخلة و يعني فيها الفرد  (أو المجتمع) بالتفرد  و الإبداع  الشخصي، و بما يكمل عمل الجماعة، لينتج العمل الجماعي الكامل المترابط و المنتج الشامل. و يمكن تشبيه ذلك بمجتمعات متعددة الإثنية و التي تحترم خصوصية الفرد و يكون التعامل بين أفرادها يشوبه التعاول و التسامح و الإحترام المتبادل

و يقول ستيفن كوفي أنه حتي يتم نضوج المجتمع فلا بد من المرور في جميع المراحل. فالمرحلة الأولي هي مرحله الطفوله و الثانيه هي مرحله المراهقه و الثالثة هي مرحلة النضوج. و المجتمعات المتقدمة أدركت أنه لكي ترقي الجماعة و يصل المجتمع إلي مرحلة النضوج فلا بد من الإهتمام الشخصي بالفرد و ترك الحرية له بالإبداع، فبدون الحرية و بدون المساواه و بدون تهيئة الفرص المتساوية  و بدون إحتضان و رعاية القدرات الفردية لا يمكن للفرد أن يبدع، و لا يمكن للمجتمع أن ينتج. أي أن الأصل يجب أن يبدأ من أسفل الهرم و ليس أعلاه

يقول إرنست ماير

Ernyst Mayr

في كتابه “النمو في الفكر البيولوجي”ه

The Growth of Biological Thought

” الشمولية في بيولوجية الأحياء تكاد تكون و بصورة ثابتة خاضعة لنظرية الإحتمالات، أو كما ذكر أحد الحكماء : كل قوانين الأحياء الطبيعية خاضعة للإستثناءات”

و هذا يعني أن الناس متباينين في أدق تفاصيلهم، سواء بالشكل أو بالأوصاف أو بالأخلاق أو بالتذوق الشخصي أو بالعقليات أو بالتفكير أو حتي ببصمات الأصابع. فلا يوجد شخص بالعالم يتطابق بالتمام و الكمال مع شخص آخر حتي لو كان توأمه المتشابه. و هنا تأتي أهمية إحترام خصوصية الفرد و كذلك إستثماره للسماح ببروز التباين الفردي في درجة الإبداع . و الإحترام يعني إطلاق اليد في التعبير، سواء كان هذا التعبير فكريا تحليليا أو نقديا أو فنيا، و لن تتحضر المجتمعات إلا بالتعددية، و التعددية لا تبلغ (بضم التاء و سكون الباء) إلا بتوافر شرط الحرية الشخصية. أما النتيجة  الكلية أو الحاصل النهائي علي المجتمع فهو أكبر من أن نستطيع  التنبؤء به أو إحصاؤه؛ فعلي عكس عملية الجمع في الرياضيات، عندما يكون منظورنا بيولوجيا أو فيزيائيا طبيعيا فحاصل جمع العناصر عند حدود معينة لا يساوي مجموع العناصر، بل يكون أكبر منها و مختلف كليا  عن صفة كل منها كما ذكر الفيزيائي جون ارشيبالد ويلر

John Archibald Wheeler

في كتابه

Geons, Black Holes and Quantum Foam

“عندما  تجمع العناصر الأولية مع بعض بصورة كافية فالحاصل يكون شيء أكبر من مجموع هذه الوحدات و العناصر”

و إذا نظرنا للدول الإسلامية بصورة عامة و للعربية بصورة خاصة فإننا لا نستطيع وصفها بالناضجة، فهي بأحسن الأحوال لم تتعدي  مرحلة المراهقة  التي ذكرها ستيفن كوفي، لأن تشريعاتها الدينية تنظر إلي الهرم من الأعلي و ليس من الأسفل، أي أنها تعني بشئون الجماعة و تنسي الفرد  و تهمل إحتياجاته، و هذا خطأ كل الدول الدكتاتورية التي قضت علي نفسها بنفسها و نسيت  (بضم النون و كسر السين ) في دفاتر التاريخ. و لولا القدسية التي تمتلكها التشريعات الإسلامية في قلوب شعوبها و إجادة إستخدام هذه التشريعات من قبل سياسيوها و متأسلموها  و مؤدلجوها بقوة البترودولار لكانت هذه الدول في خبر كان منذ أمد بعيد. فقوة هذه التشريعات ليست بمنطقيتها أو عدالتها، و لكن قوتها تكمن في الخوف و الرعب الذي لا يتواني حاملوا رايتها ببثه في قلوب الشعوب لأنه السبيل الوحيد لإستمرار سياسيوها و مؤدلجوها في السيطرة و الحكم، و سبيلهم النافذ إلي ذلك هو قمع الحريات الفردية و نبذ التعددية بفرض دين و عقيدة موحده للدولة. و إذا كان ذلك ذو تأثير و قوة في الماضي لتفشي الجهل بين الناس، فاليوم أصبح ذلك أكثر صعوبة مع تعقيدات عصر الإنترنت و تكنولوجيا الإتصالات و المعلومات. ففي السابق كانت المجتمعات منفصلة نسبيا و الخطر كان خارجي كما ذكرنا أعلاه، أما اليوم فالخطر أصبح في قلب و أساسيات و أعمدة الهرم، و الوقت كفيل بإسقاط الهرم مدمرا نفسه بنفسه

و نرجع الأن إلي موضوع الحرية، فالحرية تخضع برأيي إلي معادلة منطقية عامة لبناء الأساسيات و مضمونها هو: الأصل في الإباحة. و الإباحة هنا لا تمثل خطورة علي المجتمع في حدود القوانين المدنية، فالحريات يجب أن تكون مكفولة قانونيا بما في ذلك حرية الإختيار. فكما ذكرنا سابقا ليس كل الأفراد متفقين فيما يناسبهم و ما لا يناسبهم، و لكن في النهاية يجب أن تكون جميع الإختيارات معروضة علي الساحة و يترك لكل فرد حرية إختيار ما يناسبه و ترك ما لا يناسبه، و بذلك نكون وصلنا إلي درجة من الرقي في إحترام العقل الفردي، و عندها فقط ممكن لمجتمعاتنا أن تصبح بمصاف المجتمعات المنتجة بدل من كونها  مجتمعات إستهلاكية و عاله علي المجتمع الدولي

قتل الطفولة

قبل إسبوع تقريبا ظهر علي شاشة التلفزيون قناة سي إن إن طبق فضائي طائر، شكله غريب و له بريق فضي يذهل العين و العقل. و القصة كما نقلتها السي إن إن و إنتشرت في جميع المحطات أن إبن مخترع لبالون طائر في ولاية كولورادو مختفي و هو وجد بالونه طائر في السماء. و كان خوف المخترع كما ذكر لوسائل الإعلام أن يكون إبنه الأصغر قد طار بالبالون. و بعد معاناة و بحث مضني من قبل شرطة كولورادو، ظهر الأب مع فريق الإنقاذ ليطمئنوا الناس أن الولد بخير و كل ما حصل أنه كان مختبيء في السرداب خوفا من عقاب والده لأنه لعب بالبالون قبل أن يطير. المهم المفروض أن القصة إنتهت

و لكن هذه الأمور لا تنتهي بهذه السهولة مع الإعلام الغربي، فلقد تم عمل مقابلات مع الأب و العائلة في كل وسائل الإعلام، و منها كانت مقابلة العائلة في برنامج ليري كنج، حيث عرض البرنامج لقطة للعائلة تمت بعد العثور علي الطفل، و كان ولف بليتزر يقدم البرنامج عن ليري حيث دارت بينهم هذه المحادثة:٠

ولف: ألم تبحثوا في السراب

الأب: نعم بحثنا و نادينا عليه و هو لم يجيبنا

ولف للإبن: لماذا لم تجيب؟ ألم تسمعهم ينادونك؟

الإبن: بلي سمعتهم، و لكنهم قالوا لي أن هذا (تمثيل) من أجل مسرحيه

و طبعا إنفضح الأب و كان رد فعل الجمهور هكذا

http://www.ireport.com/docs/DOC-343165

و لازالت التحريات جارية علي قدم و ساق للقبض علي الأب بتهمة إزعاج السلطات و قد تلحقها تهمة إساءة إستخدام صلاحياته كأب و كذلك ما يلحق ذلك من إساءة معاملة الطفل

و أنا متأكدة أن القصة لن تنتهي إلي هذا الحد، بل ستطول تحت النظام العلماني الذي يحمي حقوق الطفل

http://edition.cnn.com/2009/US/10/20/colorado.balloon.investigation/index.html#cnnSTCVideo

و لننظر كيف تحمي قوانيننا حقوق الطفل من أجل المقارنة

مثل هذا الطفل لا أشك أن وزاره الأوقاف ستقبله عندها بوظيفة مفتي

و ماذا عن حجابك يا أختاه؟

و ماذا عن رعاية زوجك يا أختاه؟

و من يحمي حقوق هؤلاء و الشعوب صامته صمت القبور؟

تحياتي

العالم في نظري اليوم

كثيرا ما يعاير المسلمون دول الغرب و يتهمونها بالعلمانية و الإلحاد. مع أن كلمة العلمانية، و كما هي جميع الكلمات باللغة العربية، حمالة عدة تعريفات بعضها يناقض البعض. و هي نسبية تعتمد علي الجهه التي تضع التعريف الخاص بها حسبما يناسبها. فهي لرجال الدين السياسي تمثل البعبع، و الشيطان الأكبر. خوفهم منها يجوز حتي يكون أكثر من خوفهم علي إنتشارالإلحاد في المجتمع، مع أن الإلحاد هو ذنب لا يضاهيه ذنب عند الله الذين هم من يمثلونه، فالله يغفر كل شيء إلا الشرك به، و الله هو من يرسل المصائب لشعوب مشركة ملحده، فجميع قصص القرآن ما كانت إلا عضات نفهم منها ذلك بكل وضوح٠

رجال الدين السياسي خوفهم عظيم من العلمانية فهي ستسحب البساط من تحت أرجلهم كما يسحب السم من لسان الحيه. ففي الدولة العلمانية المثالية لكل فرد تخصصه. فلا يتدخل الطبيب في عبادة الصوم إلا بما يضر مرضاه، و للمريض الإختيار، كما لا يتدخل رجل الدين في حياة مرضي دكتور السرطان و يصف لهم بول البعير. فلكل فرد تخصصه٠ و لذا فالدولة العلمانية المثالية لا تسنح بوجود رجال الدين إلا في مكانهم المناسب، حيث يوجد المناسك و المعابد٠

رجال الدين السياسي يرتعدون من العلمانية و يتهمونها بأنها تقتل الدين تمويها، فهم يعلمون أن النظام العلماني سيقصص ريشهم حتي لو لم يتمكن من القضاء عليهم. ففي الواقع النظم العلمانية المدنية لا تقضي علي الدين أبدا، بل العكس هو الصحيح، هي تحفضه بوضعه في مكانه الصحيح من مساجد و معابد و كنائس و حتي مدارس دينية . ففي الدولة العلمانية يكون الإحترام و الثقه لعقل الفرد، الدوله تقدم كل الخيارات و تترك للفرد حرية الإختيار، فلمن أراد أن يلجأ إلي رجال الدين و يحظر مجالسهم و محاظرهم و مدارسهم – ذات مناهج القص\لصق – و نواديهم و قنواتهم الإعلامية و حسينياتهم و كنائسهم و معابدهم و تربيتهم و تعليمهم فله ذلك، و لم أراد أن يتعلم في المدارس النظامية الحكومية حيث النظام العلمي الصارم المبني علي العلوم البشرية و الأمانة العلمية و المنهج النقدي، و لا يدخل دين دون سواه في مناهجه التعليمية إلا في مجال المقارنه الثقافية بين الإثنيات فله ذلك. و هذا لمن يمثلون سياسة السلطة الدينية و التي أخذت شرعيتها بتطويع الجماعات و تشكيلها الإجتماعي الثقافي و بسيطرتها علي التعليم النظامي الرسمي للدولة و الإعلام الرئيسي لها و بتطويعها لإقتصاد الدولة تحت مسميات البنوك والشركات الإسلامية، هذا كله يعتبر إنتحار، مثله كمثل كسر عصي راعي الغنم “الشاوي” و تهويش الغنم٠

أما الدين فلن يصيبه ضرر لمن ينشده، الدولة العلمانية لا تسمح بذلك، بل هي تحفظه حيث الإختصاص، و هي لا تسمح بتدخل الإختصاصات، و لذا فالدول التي تحكمها الدساتير العلمانية تكثر بها المساجد و الكنائس و المعابد و تعطي لجميع مواطنيها بمختلف إثنياتهم حقوقهم بالمساواة دون التفرقة بالجنس أو النوع لأنها تحتكم إلي محاكم مدنية و ليست محاكم الشريعة الدينية و البوليس الديني

و هذا ما يخشاه رجال الدين السياسيون وهي بالنسبة لهم القشة التي قصمت ظهر البعير لأنه سيسحب سلاحا قويا من بين أيديهم، فالشريعة هي الأداة التي يسيطرون بها علي البشر فيرغمون نصف المواطنين بإلتزام بيوتهم و يشلونه بقوة القانون و يخدرون النصف الثاني كما يفعل هذا الإمام السوبر جت

و لكن الدولة العلمانية المثالية فكرة جديدة علي ثقافة التاريخ البشري و لا زالت تحبو في المجتمعات التي تحكمها الدساتير العلمانية المدنية، فلا يسعنا مثلا أن نقول أن أمريكا و هي التي يحكمها الدستور العلماني أنها الدولة العلمانية المثالية، بل بمقارنتها مع الدول الأوربية و خصوصا الدول الإسكندنافية تعتبر دولة دينية لأن شعبها لم يتشرب بالثقافة العلمانية، علي الرغم من نظامها العلماني، و إختار أن يلجأ لرجال الدين في أموره السياسية عندما إختير جورج بوش للحكم و لمدة ثمان سنوات، فهل هنالك غرابة إذا إذا قال الملا الشيعي السياسي محمد الصدر أن البنتاغون يملك ملفات سرية عن مهدي الشيعة؟ فبوش صرح بنفسه أنه يستند في إتخاذ قراراته الرئيسية علي معلومات مباشرة من مخازن السيد المسيح، و كان وجود أسلحة الدمار الشامل لدي العراق أحد هذه المعلومات السرية، علي الرغم من تأكيد السي أي إيه علي عدم وجودها، فلم لا تكون ملفات المهدي الشيعي موجوده في ملفات سريه في البنتاغون تحت بند توب سيكرت؟

هذه هي النتيجة عندما يتدخل الدين في السياسه٠

رجال الدين السياسي لا يملكون غير المنع و الستر لحل المشاكل الإجتماعية، و هذه الوسائل فشلت في جميع المجتمعات البشرية التي طبقتها، بل يشهد التاريخ أن المنع و الستر هما أدوات لها نتائج عكسية، تأثيرها شديد علي إسفحال المشاكل، دع عنك حلها. أما الدولة العلمانية المدنية و التي “تعطي الخبز للخباز” فهي تلجأ لعلماء الإجتماع و النفس و الإنسان لتحل المشاكل الإجتماعية و لا تخاف من نشر مشاكلها، بل بنشرها تسعي إلي معرفة حجم المشكلة قبل إستفحالها، فالإعتراف بالمرض هو أول سبيل لدراسته و بعد ذلك يأتي وصف العلاج المناسب و ليس العكس٠

أما الدول المتخبطة فيما بين البين، تحسب نفسها مدنية و تحتكم بالثقافة الدينية مثل الكويت فلن يكون نصيبها أفضل من هذا

و هكذا هو العالم اليوم، بين دول علمانية و دول دينية و دول بين البين.

و الإختيار دائما يكون للحاكم، و هذا أيضا ما يقوله التاريخ٠

تحديث

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=184195

Previous Older Entries