داعش…الإبن العاق للإخوان و السلف (2)0

تابع البوست الماضي

ماذا تفعل داعش؟

 

الإسلاميون، و بالأخص الإخوان المسلمون، و هم أكبر حركة إسلامية سياسية و أكثرها تنظيماً، يجيدون الإصطياد بالماء العكر و خطف الثورات. فمن الملاحظ أنهم حصدوا جميع ثورات الربيع العربي لصالحهم. هذه الجماعة و جماعة السلف نجحوا بالسابق في توجيه الرأي العام الإسلامي، و خصوصاً بعد تحالف فروع الإخوان بالخليج مع الحكومات الخليجية و لمدة عقود. هذا التحالف الذي فتح لهم الأبواب على مصراعيها، سواء بالتدخل في المناهج الدراسية و بالمساجد و بالإعلام، لتشكيل الثقافة المجتمعية و الفكر الشمولي الموجه. و هذه الحكومات، و خاصة بالكويت حيث مقر البنك الممول لحركة الإخوان، أغدقت عليهم بأموال البترودولار و أعطت فرعهم بالكويت كل السبل لتكوين جمعياتهم الخيرية دون مراقبه منها. و الجيل الكويتي الذي تربى على يد هؤلاء و إنضم لهم كتحصيل حاصل بعد الإستفادة من خدماتهم، أصبح مدللا بعد التخرج فتبوأ أعلى المناصب و صار عاملاً أساسيا في توجيه سياسة البلد

 

 و بهذا صار الإخوان المسلمون ماردا ضخما رأسه في مصر و مركز تمويله بالكويت، و أعضاؤه منتشرون بكل دول العالم، بما في ذلك أمريكا (المفكر الفرنسي من الأصول المصرية طارق رمضان، الذي ينادي بالإسلام الوسطي هو من الإخوان، و رئيس وزراء تركيا رجب طيب أوردوغان و حزبه من الإخوان و غيرهم كثير). و صاروا هؤلاء الذين يشكلون الصف الثاني للقوة بعد الحكومات بمنطقة الشرق الأوسط متفردين في توجيه الفكر الجماعي و الرأي الشمولي فيها؛ فكان من الطبيعي أن يصعدوا للحكم بالديموقراطية الغربية التي كانوا بالأساس يزدرونها قبل أن يكتشفوا أن بإمكانهم إستغلالها، عند خلع رؤساء هذه الحكومات من قبل شعوبها، و هذا ما حصل في تونس و مصر و كان سيحصل بسوريا و جميع الدول العربية لولا عوامل كثيرة تدخلت لمنع إمتداد الربيع العربي. أي أن الإخوان كانوا قاب قوسين أو أدنى للوصول إلى الخلافة

 

و سر قوة هذه الجماعة هو تنظيمها المعتمد على السرية الشديدة. و هذا التنظيم يشبه تنظيم الماسونية بالقرن الرابع عشر و الذي أساسه يعتمد على تشكيل خلايا صغيرة تعمل بصورة إستقلالية بحيث لا يعرف معظمهم عن أفراد الخلية الأخرى. و حتى لو عرفوا فهم ينكرون أية ولاءات لها. فعلى سبيل المثال؛ لطالما أنكر الإخوان المسلمون بالكويت ولائهم لإخوان مصر، لكن كل أقنعتهم سقطت عندما تخبطوا بعد سقوط مرسي. و كذلك حماس لم تعلن أبداً ولائها الأعمى لإخوان مصر، لكن العالم شهد و بكل إستغراب و دهشة كيف أن أول تشابك لحماس مع إسرائيل تم تسويته و بصورة سلسة خلال عدة أيام فقط من تسلم مرسي لمقاليد الحكم عندما تدخلت مصر للصلح بينهما. و هو الأمر الذي إستساغته أمريكا، ضانة و بكل سذاجة أن المشكلة الأزلية بين الفلسطينيين و الإسرائيليين في طريقها للحل تحت راية الإخوان

 

بإكتسابها  فن الإدارة و التنظيم من الإخوان و القاعدة و وحشية التعامل مع الأعداء من البعث و الدروس المكتسبة من التاريخ الإسلامي في جدوى الإرهاب، و بإستغلالها للشبكات و المواقع الإليكترونية و اليوتوب، تمكنت داعش من الإنتشار الإعلامي و كسب المجاهدين و إنضمامهم لها من كل الدول بما في ذلك الدول الغربية، و زرع الهلع في قلوب كل من تغزوهم معتمدة على قوة الشائعات التي خلقت منه غودزيلا لا ينجو أي من يقف في سبيله. فشعارها هو: إزرع الإرهاب بقلوب الناس كي يسهل عليك السيطرة عليهم. فعلوا ذلك عندما إستولوا على الرقة بسوريا، كما فعلوا في الموصل بالعراق حيث قاموا بقتل أكثر من 1500 شخص و ألقوا المئات من الجثث في نهر دجلة بدون أية مراسيم دفن أسلامية  أو غيرها ثم قاموا بتسجيل كل ذلك على أشرطة الفيدو و نشرها باليوتوب ليدب الخوف في قلوب السكان (و هذا ما فعل جيوش صدام بكل من قاوم من الكويتيين إبان الغزو العراقي، حيث مثلوا بجثثهم و رموها أمام منازل الأهالى كي يزرعوا الخوف بالقلوب، و كما فعلوا بالأكراد عندما رشوا قرى بأكملها بالكيماوي). و هنا سيضطر من لا يشاركهم الدين كالمسيحيين و الأزديين الأكراد أو من لا يشاركهم المذهب كالشيعة و العلويين بالفرار تاركين لهم الأراضي و الحلال. أما العرب السنة من الذين يترجون تعاطف داعش كونها تشاركهم المذهب، فكان نصيبهم الإشتراك ببعض الغنائم أو بالأحرى الأموال المسلوبة في البداية، و مساعدتهم بتنظيف آثار الدمار و حفظ أمن المنطقة لفترة لحين أن يتمكن المفترس من الفريسة قبل أن ينقض عليها هي الأخرى بتطبيق قوانين الشريعة التي بها يفرضون سيطرتهم و يشبعون رغباتهم و يغتنون مستندين على النص القرآني و السنة. و ما فتوى إستباحة فروج نساء المنطقة من قبل المجاهدين شرعيا تحت عذر نكاح الجهاد إلا مثال واحد من عدة

 

 و من الأهمية بمكان هو فهم عقلية من يمثلون داعش، أو من خلق فكرة داعش، و ذلك لكي نعرف كيف نتعامل معهم و نتقي شرهم قبل أن يبسطوا نفوذهم على المنطقة و مقدراتها النفطية و بالتالي على العالم

 

فهناك نقطة جذرية يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار، و هي أنه حتى تحت المذهب الواحد توجد إختلافات سياسية عديدة بين الأفراد. فالسنة مثلاً لا يشكلون فريق واحد، بل عدة فرق تشكل داعش واحدة منها فقط. و هي و إن كانت لا تختلف بالأساسيات الدينية لكنها تختلف لدرجة التكفير للغير بما يخص العبادات. و إن وضعنا عامل التنافس على السلطة، و هو العامل الأهم في تفكيك الدولة الإسلامية منذ نشوئها و حتى اليوم، نكون قد عرفنا نقطة ضعف داعش. و عكس ذلك، نجد أن نقطة قوة داعش و غيرها من الحركات السياسية الإسلامية يكمن في إتحادها. و لا يوجد شئ أقوى من خلق العدو الخارجي- حتى لو كان وهمياً- لكي يغض الناس النظرعن وحشية داعش و يوجهوا الأنظار و الجهود نحو العدو الخارجي. فالمثل العربي يقول: أنا و أخي على إبن عمي و أنا و إبن عمي على العدو. فالأمور في المجتمعات القبلية و التي تشكل جذور العرب و يشرعها الدين الإسلامي (في أدبيات “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى ” ) تقاس ليس بمن يشكل الخطر الحقيقي عليها و على مصالحها و أمنها و إستقرارها، و لكن بمدى قرب أو بعد هذا العدو

 

و دعونا الآن ننظر للأحوال العامة للإخوان المسلمين، الأم الشرعية لداعش، في دول منطقة الشرق الأوسط قبل الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني الأخير. هذه الفترة كانت من أصعب الفترات التي مرت على الجماعة بالمنطقة: فلقد تمت الثورة على مرسي و إزالته من الحكم في مصر، و ثار الثوار على الحكومة الإخوانية في تركيا، و وضعت جماعات الإخوان في الخليج العربي و بالأخص بالكويت، و الذين يمثلون البئر النفطي الذين، عملياً، هم من يمول كل جماعات الإخوان بالعالم، تحت مراقبة حكومات دول مجلس التعاون الخليجي، و بعضهم تم محاكمته بتهم التخوين في الإمارات. كما تم تجميد بعض مبرات الخير التابعة لهم بالكويت، و هي التي كانوا عن طريقها يمولون الإرهاب لمدة عقود دون أن تتحرك الحكومة الكويتية. و حصل شرخ بين دول مجلس التعاون الخليجي عندما إنقلبت على أحد أعضائها، قطر، و على قناة الجزيرة التابعة رسمياً لحكومتها، و ذلك لدورالأخيرة في دعم ومساندة الإخوان المسلمين. كما إنفصلت داعش إلى خليتين، في سوريا و العراق، تحاربان بعضهما البعض على أحقية كل منهما في منصب الخليفة، بعد أن عين العراقي، أبو بكر البغدادي نفسه خليفة، و أرسل مجاهديه لإبادة أختها حزب النصرة في سوريا، كما تبرأت منها القاعدة بحجة كونها “جماعة تكفيرية” و كأنها هي غير ذلك! و الأهم من ذلك كله أن حماس فقدت التعاطف العربي/الخليجي بعد قتلها الوحشي للمصريين في سيناء قبيل خلع مرسي من الحكم و إنقلاب الشعب المصري عليها كما حصل قبل ذلك بلبنان و العراق و الكويت

 

 

خلاصة الوضع أن هذه الفترة بينت للمسلم المغيب بشعارات “الإسلام هو الحل” خداع الجماعات الإسلامية و إستغلالهم القذر لكل شئ و بالأخص الدين و خطورة تقلدهم للسلطة، و عدم ملائمة الفقه و الشريعة المستنبطة من النص الحرفي، و خصوصاً ما يتعلق منها بشئون المرأة و الرق و معاملة غير المسلمين، لكل زمان

 

شئ واحد فقط بإمكانه توحيد شتات الشارع العربي/الإسلامي ، بمن فيهم الشيعة، مرة أخرى تحت راية الإسلام، كما فطنت حماس، ذراع الإخوان الأيمن، من تجاربها السابقة، و هذا الشيئ هو الحرب المقدسة في فلسطين، حيث وجود العدو التقليدي الخارجي على أراض تعتبر مقدسة لكل الديانات الإبراهيمية. و كل حرب توحيد تاريخية ثبت بالماضي نجاحها عند إثارة النعرة الدينية و خصوصاً إن كان العدو خارجي. فتسمية الحزب بالإخوان لم تأتي عبطاً، و كلما كانت صلة القرابة أكبر كلما زادت العصبية القبلية، و هذه الحقيقة لا تخص الشعوب العربية وحدها، بل هي طبيعة البشر. لكنها تسود بين شعوب و منها الشعوب العربية و تكاد تتنحى بين أخرى. و كل ما كان على حماس فعله هو إثارة هذه النعرة القبلية بالتحرش في إسرائيل، و ذلك لكي تشتت إنتباه الشارع العربي عن الكوارث التي سببها الإسلاميون في العراق و سوريا و تتناسي جراحها من الإخوان المسلمين و حماس بالخصوص، لتركز على موضوع إنساني، لن يتردد أي كان بإعطائه الأولوية، ألا و هو قتل الطفولة، و من يحصد أكثر ضحايا يزيد التعاطف العالمي معه، فكان لابد لحماس أن تتكسب من الوضع القائم بتقديم الأضاحي من أطفال غزة. و هذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها الجماعات الإسلامية بإثارة إسرائيل لتشتيت الإنتباه عن بطشهم و زيادة جيوب شيوخ الدين المرتزقة من التابعين لهم بالبترودولار، لكنها حيلة تنجح في كل مرة، و يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني البائس و أطفاله في كل مرة، مع أن المسرحية صارت معروفة من كثر التكرار. و هذه هي خطواتها:0

 

 إثارة إسرائيل بصورة أو بأخرى مع علم حماس (و كذلك حزب الله) أن إسرائيل سترد الصاع صاعين

 

إستخدام المدنيين و الشعب الأعزل كدروع بشرية. هذا بالإضافة لكون غزة و الضفة الغربية أصلاً مكثفة بالسكان حيث يقوم الشعب الفلسطيني بالتكاثر من أجل تقديم الضحايا للأرض (هذا ليس تبلي عليهم بل موثق في خطب سياسييهم و تصريحات شعوبهم)، و أية منطقة من مناطقها لن تخلو من المدنيين و العزل

 

نشر صور الضحايا المدنيين (و خصوصاً) الأطفال، كبروباغاندا إعلامية لكسب التعاطف العالمي، و إحراج العرب/المسلمون

 

 ثم الوصول لإتفاق بوقف تراشق النيران من الجهتين بعد ملئ جيوب رؤساء حماس بأموال البترودولار و ذلك عن طريق المبرات الخيرية الشعبية و لي أذرع حكام الخليج

 

و في كل مرة تقع إسرائيل في المصيدة بقيامها بالرد العنيف على كل إثارة من قبل الإسلاميين. و يكسب الشعب الفلسطيني التأييد الشعبي، كما يقوم حكام الخليج بفتح قنواتهم المالية لحماس… إلا هذه المرة

 

فعلى الرغم من نجاح حماس بتجييش الرفض العالمي ضد وحشية الرد الإسرائيلي و كسب التعاطف الإعلامي لمدنيي و أطفال غزة، و كسب تأييد المذاهب الإسلامية المختلفة لها، لكن الشارع العربي الذي تعود على حيل الإخوان بدا متناقض المشاعر حيال غزة هذه المرة، و خصوصاً في مصر و العراق و سوريا و دول الخليج العربي. فشعوب هذه الدول هم أكثر من إكتوى بنار الإخوان، و يعرفون تماما كيف تتحايل حماس و بكل الطرق لتحرج حكومات و شعوب المنطقة و تلوى أذرعتهم، ليس من أجل الأرض المقدسة و لا من أجل الأرواح البريئة التي تتسبب هي بقتلها قبل غيرها، بل لتملئ جيوب كبار شيوخ الإخوان بالأموال بعد أن تجبر حكام المنطقة على ذلك عندما تضعهم بموقف محرج. لكن حماس لم تحسب أن ردة الفعل هذه المرة ستكون مختلفة، و هذه الردة العكسية تجلت و بصورة واضحة بخطاب الملك عبدالله، ملك المملكة العربية السعودية، بأواخر رمضان 2014 و في عز الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني. فالملك أدان فعل الإسلاميين و وصمهم بالعار على الإسلام، و عكس ما كان متوقعا، لم يذكر إسم إسرائيل أو حماس بخطابه و لا حتى بالإشارة، على الرغم من كون الصراع الأخير و أطفال غزة شكلوا الحيز الأكبر من الإعلام العالمي وقتها. فالملك لابد أنه تعلم أن ما تحاول حماس عملة هو بتحييد الأنظار عن وحشية أختها داعش و إعادة كسب الثقة بالإسلاميين و خصوصاً بعد تبري الإخوان منهم،و لابد أن ذلك شكل خيبة أمل شديدة للإخوان و الذين كانوا يتوسمون إعادة الثقة بهم عن طريق حماس، لكن الملك لم يكن الوحيد الذي قال “لا” للإخوان، فهناك أيضا مصر، و رئيسها السيسي الذي لم يتحرك قيد إنملة تحت الضغط العالمي عليه، و لم يفتح رفح للجوء المدنيين، بل و الأدهى من ذلك رفض حتى الدخول بأية تسوية تكون حماس أحد أطرافها

 

و بنفس الوقت واصلت كل من داعش السورية و العراقية أطماعهما التوسعية، غير مبالية بحماس و الإخوان فدب الرعب في قلب جماعة الإخوان المسلمين لخوفهما من إنقلاب السحر على الساحر. فصارت تركيا و التي كانت تغض الطرف عن داعش و تعارض التدخل الأجنبي بالمنطقة، تعاتب أمريكا على سكوتها. و كذلك فعلت قناة الجزيرة، و هي التي كانت أول من صلبت حكام دول الخليج و شعوبها و وصمتهم بأقبح صفات الخيانة و العهر لإستعانتهم بأمريكا في حرب تحرير الكويت!0

 

هنالك درس تاريخي واحد على الأقل ممكن أن نستنتجه من كل ما سبق و هذا الدرس يتمثل في ترك الجماعات الإسلامية لمواجهة بعضها البعض و عدم التدخل المباشر من قبل الدول الغربية في شئونها الداخلية. فهذه الجماعات يميزها الحقد و الكره التاريخي بينها، و إن تركت في مواجهة بعضها البعض فهي حتماً ستشتت بحروب إبادة، قد تطول لمدة سنوات لكن بالآخر سيصل شعوبها إلى القناعة بالعلمانية و الديموقراطية المبنية على الأساس العلماني في عدم السماح للدين و شيوخه بالتدخل في شئون الدولة السياسية و الإجتماعية و الإعلامية و التربوية و سيفقه الشارع أهمية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب للوصول إلى العدالة الإجتماعية التي تحفظ حقوق المواطنين بغض النظر عن ديانتهم أو إثنيتهم أو جنسهم. فهذه المبادئ لا تلقن من الغير و لا يمكن للغرب، و الذي تعلمها بعد تجربة حروب دينية دموية قاسية دامت أكثر من ثلاثون سنة، أن يفرضها على المنطقة. فها هي الديموقراطية تفشل في كل من فلسطين و العراق و مصر عندما فرضها الغرب بسبب قصر النظر الشعبي لخطورتها عندما تطبق على أسس غير علمانية. الديمقراطية العلمانية تكون بعدم السماح للأحزاب الدينية بالإشتراك بالسياسة، فمكان شيوخ الدين هو المسجد و المعبد و الكنيسة و ليس الحكومة و المدارس الحكومية و وسائل الإعلام الرسمى، كما أن مكان الطبيب هو المستشفى و ليس كراجات السيارات. و البرمجة الدينية في الوقت الحالي هي الطاغية على العقلية الحالية لهذه الشعوب العربية و ذلك لسيطرة الإسلاميين على الفكر الشمولي للشارع، و أيه فرصة للإختيار الديموقراطي سيكون منحازا بطبيعته لرجال الدين لكونهم يمثلون كلمة الله في مقابل كلمة البشر، و طبيعي أن تكون كلمة الله هي العليا، و الأخطر من ذلك كله هو إدراك الغرب أن أي تدخل خارجي له ردة عكسية عليها متمثلة بإتحاد جميع هذه القوى ضد العدو الخارجي و هذا سيشكل وبالا على شعوب المنطقة على المدى البعيد

 

الديموقراطية و العلمانية أمور تكتسب و تغرس كقناعات و لا توهب و لا تفرض من قبل الغير، و إلا فإنها ستشكل قوى تُسْتَغَل، كما تُسْتَغَل النصوص الدينية، في القضاء على نفسها بنفسها، و ستظل المنطقة تدور في دائرة العسكر و الحرامية و يتوارثها الدكتاتوريون سواء لبسوا البدلة المدنية أو العسكرية أو العمامة الدينية. الدولة المدنية تحتاج لإدارة مدنية علمانية مبنية على أسس الإدارة الحديثة المستقاة من تجارب البشر و ليس “بالفهلوة و لي الذراع” و لا بنصوص بالية، و إن كانت صالحة لزمنها، و على دستور علماني أساسه العدالة الإجتماعية يضعه الشعب بنفسه معتمداً على كل التجارب الإنسانية و ليس مفصلاً على دين أو إثنية أو مذهب. فالإنسان هو الإنسان أينما كان. و حتى تفهم الشعوب المنكوبة معنى ذلك فعليها أولاً أن تكتوي بنار الجماعات الإسلامية بالتجربة و الحروب و التضحيات فتغير الخطاب الديني عندما تقتنع بعدم جدوي الإعتماد على النصوص الدينية حرفياً و الإصرار على تطبيقها و فرضها في القرن الواحد و العشرين، لا بالسياسة و لا بالإعلام الموجه و لا بالمناهج الدراسية

إنتهى

داعش…الإبن العاق للإخوان و السلف (1)0

 داعش هو تصغير لإسم الدولة الإسلامية في العراق و الشام. و الشام هو إسم كان يطلق قديما على سوريا و لبنان و إسرائيل/فلسطين  و الأردن و قبرص. أما حاليا فهو يطلق على سوريا فقط. 0

من هي داعش؟

داعش عبارة عن جماعتين من الطائفة السنية التكفيرية، إنفصلتا عن أمهما القاعدة بعد قيام الحرب الأهلية بسوريا و إنتشار الفوضى التي تلتها، و شكلتا بإتحادهما قوة واحدة يجمعها أيديولوجية فكرية أساسها التمسك الحرفي بالنص الديني و   هدفها إعادة تكوين الخلافة الإسلامية و نظام الإمبراطوريات البائدة و من ثم السير على نهج السلف في غزو العالم إستكمالاً لل “الفتوحات الإسلامية” لنشر الدين الإسلامي بالسيف و الإرهاب.0

فمنذ أنحلال الإمبراطورية العثمانية في 1923 و تقسيمها برسم الحدود لدويلات أصغر من قبل الإمبريالية العالمية و وضع قوانين المواطنة لكل منها بعد أن كان أغلبها أرض واحدة تشمل قبائل لها كامل حرية التنقل فيما بينها، تاقت الشعوب العربية و الإسلامية و كذلك سياسيو المنطقة الطامعون بالسلطة لإعادة الإمبراطورية تحت راية قومية تجمع شعوبها، مستغلة كل فرصة لتكوين قوى عظمى. و خلال هذه المحاولات ظهرت على السطح أكبر أيديولوجيتين على مستوى المنطقة، أحدها كانت القومية العربية، و هي حركة تنادي بالوحدة للشعوب التي يتكلم سكانها اللغة العربية من شمال أفريقيا و غرب أسيا، و المحيط الأطلسي إلى بحر العرب. هذه الحركة كسبت تأيداً شعبيا بصورة فاقت كل التوقعات في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي بين العرب. و الحركة الآخرى كانت حركة الإخوان المسلمون، و هي حركة سياسية دينية ذات إدارة ماسونية سرية، لم يكن لها بالبداية نفس تأثير القوميون بالشعوب العربية، مع أنها ظهرت قبلها في عام 1928

 

و ظهر بالأفق أيضاً عدة حركات  أخرى أصغر بالمقارنة و أكثر محدودية. أحدها حركة أو حزب البعث العربي الإشتراكي، الذي تأسس في 1947 على يد ميشيل عفلق و صلاح الدين البيطارتحت شعار أمة عربية واحدة ذات رسالة خالده و تحت أهداف تتركز في “وحدة، حرية إشتراكية” و كانت حركة تجسد الوحدة العربية و التحرر من الإستعمار و الإمبريالية. لكن هذا الحزب لم يكن له أن ينتشر خارج حدود العراق و سوريا، و خصوصاً لكونه تميز بالطريقة الوحشية بالتعامل مع أعدائه، و تاريخه فائض بالإغتيالات الدموية السياسية. و الحركة الأخرى كانت الحركة الوهابية (معروفين كذلك بالسلفية)، و هي حركة راديكالية تتقيد بالنص القرآني الحرفي و تفسير إبن تيمية (1263-1328) . قامت على يد الجهادي المتطرف محمد عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، و الذي كان يريد من خلالها توحيد المسلمين و إرجاع الخلافة الإسلامية و فرض المذهب السلفي بإبادة كل من يخالفها. لكن عندما لم يكتب للحركة الإنتشار ظلت محدودة بجزيرة العرب، و خصوصاً بعد تحالف محمد عبدالوهاب و محمد بن سعود، أول ملك للعربية السعودية، على أن يفرض عبدالوهاب الفقه الحنبلي و طريق السلف في التخلص من البدع و الخرافات (كل ما هو حديث بالمجتمع) و نبذ الشرك في مقابل أن يستمر الملك في ذرية بن سعود. و نتج عن هذا التحالف ميلاد الدولة الملكية بجزيرة العرب و تم تسميتها بإسم عائلة بني سعود.0

 

كل هذه الأيديولوجيات حملت كرها طبيعيا للإستعمار و الإمبريالية، و لاحقا للرأسمالية. أو بمعنى أخر، كل ما يمثله العالم الغربي. و مع أفول نجم القومية العربية التي لم يكتب لها الإستمرار طويلا، و خصوصاً بعد الغزوالعراقي للكويت و إنقسام الشارع العربي، إزدهرت الحركة الإسلامية، و الأسباب كثيرة، لكن ما يهمنا هنا هو سبب جوهري يتلخص في تحالف حكام الدول النفطية مع الإسلاميين، ليس بسبب ورع هؤلاء الحكام، لكن خوفاً على مراكزهم من المد العربي القومي. فالإسلاميين كانوا وسيلة هؤلاء الحكام لوقف المد القومي، لأنهم يعلمون بأن الأيديولوجية لا تحارب إلا بالأيديولوجية. و هذا التحالف ظهر واضحاً عندما حضنت الحكومات الخليجية فوج من الإخوان المسلمين المطرودين من مصر بعهد الرئيس جمال عبدالناصر الذي أراد أن يتخلص من منافسيه فحاربهم بشراسة، فقتل البعض و ألقى بالبعض في السجون و لاذ البعض الآخر بالفرار. هذه الحكومات و بأمر من حكامها لم تكتفي بإعطاء الإخوان المسلمين المال و المأوى، بل فتحت لهم كل مؤسسات الدولة التعليمية و التثقيفية و المالية و الوقفية بدون رقابة. فكبروا و كونوا قوة الصف الثاني بهذه البلاد، تنافس قوة التجار فيها

 

لكن لحين قيام الحرب الأفغانية ضد الإتحاد السوفييتي، ظلت قوة الإسلاميون بالمنطقة من الإخوان المسلمين، و الوهابيين تحت السيطرة، و خصوصاً لأن الفريقان يعتبران أنفسهما متنافسين تقليديين من حيث الأيديولوجية الدينية السنية. و لو تركا لوحدهما لفتكا ببعضهما البعض. لكن الحرب في أفغانستان وحدتهما تحت راية واحدة ضد عدو مشترك لاشك لديهم في كفره. فإجتمع الإخواني أيمن الظواهري مع الوهابي أسامة بن لادن و شكلا قوة قامت أمريكا بتسليحها و تدريبها، و الدول الخليجية بتمويلها، و جميع العرب و المسلمون شاركوا بالمجاهدين

 

هنالك مثل يقول بأن العدو الذكي خير من الصديق الغبي. و عندما قامت أمريكا بإستغلال الشعوب الإسلامية للعب دور البروكسي بين القوتين العظمتين وقتها، و جهزت المجاهدين من العرب و المسلمين بمساعدة من حكام الخليج و تبرعات الأهالي للحرب على روسيا الكافرة بأفغانستان، لم تكن أمريكا و الحكام العرب و لا حتى الشعوب المسالمة يدركون أنهم بفعلتهم تلك إنما يخلقون فرانكنشتاين الذي سيرجع عليهم بالخراب و الدمار. فلأول مرة بالتاريخ الإسلامي تتحد جبهتا الإخوان المسلمون و الوهابيون أمام عدو خارجي مشترك، و تحاربان جنباً إلى جنب كمجاهدين، يملكون القوة و المال و العتد و العتاد و يتمتعون بالتأييد العالمي. فإذا كان بإمكان هذه القوة المستحدثة بأن تهدم هيكل الإتحاد السوفييتي و تحوله إلى دويلات في عام 1991، فما الذي سيمنعها من بلوغ حلمها في إرجاع الخلافة الإسلامية و خصوصا بعد أن حصلت على العذر الشرعي من نصوص الدين الإسلامي لمحاربة الغرب و حكام الدول النفطية عندما سمحت الأخيرة بإقامة القواعد الأجنبية على أرض الجزيرة العربية في حرب الخليج الأولى لتحرير الكويت ؟

 

هؤلاء المجاهدون المجهزون إتحدوا مرة أخرى على محاربة الغرب الكافر المتمثل بأمريكا، و التي صارت هي القوة العظمى الوحيدة العائقة لبلوغهم الخلافة الإسلامية، و ذلك بعد رجوع بعضهم لبلدانهم الأصلية و تكوين الخلايا المحلية على نهج السياسة الإخوانية و هجرة البعض الآخر للدول الغربية التي أعطتهم لجوءاً سياسياً و معونات إجتماعية بعد أن لفضتهم دولهم الأصلية خوفاً من تطرفهم، و فتح لهم ملك السعودية المدارس و المساجد بالدول الغربية ليشغلهم بالوعظ و يكفي نفسه و بلادة من شرهم، فقاموا بدورهم بتشكيل خلاياهم. و بهذا الإتحاد تم الإيذان بميلاد القاعدة، بإدارة إخوانية و فكر وهابي سلفي متمثلاً بشخصية أيمن الظواهري و بن لادن. هذه القوة صار رأسها في أفغانستان و باكستان و خلاياها في جميع الدول العربية والإسلامية و الغربية (الشباب في الصومال، بوكوحرام في نيجيريا، النصرة في سوريا كلها أمثلة لهذه الخلايا). و زاد قوة هذه الخلايا، خصوصاً بعد نهاية حرب الخليج الثانية لإنضمام أفراد من مسلمي جيش صدام البعثي السنى المنهزم للقاعدة. فجيش صدام الذي كان قوامة 100 ألف جندي وجد نفسه فجأة بلا عمل و لا مأوى بعد ثمان سنوات من الحرب العراقية/الإيرانية و إحتلال الكويت، فكان من السهل على القاعدة أن يستدرج السنة منهم لصفوفه و يساعدهم في إستعادة السلطة بالعراق بعد تفرد الشيعة بالحكم، و رد الصاع صاعين للغرب الذي شردهم، و كانت الفرصة مواتية، و خصوصاً بعد قيام الحرب الأهلية في سوريا و إنظمام بعض سوريي القاعدة التابعين للخلية العراقية في سلك المجاهدين بخلية النصرة التابعة للقاعدة ضد الثوار في سوريا و ضد العلويين

 

و بيئة الفوضى في سوريا هيئت لتشكيل داعش لطمع أفراد الخليتين بالإستفراد بالسلطة و الإستغناء عن القاعدة بعد حصولهم على القوة بالإستيلاء على الرقة و تحويلها عاصمة للدولة الإسلامية و بنهب الأموال من الموصل و التي بلغت أكثر من 500 مليون دينار . و مما ساعد على هذا الإتحاد هو كون الخلية العراقية و الخلية السورية تشتركان طبيعيا بجذور الأيديولوجية البعثية و طريقتها الدموية في التخلص من أعدائها. و عندما أحست داعش بالإكتفاء الذاتي قامت بالإنفصال عن القاعدة لتشكل قوة جديدة تستغل الدين و تعاليم الشريعة على النهج الحنبلي لتستعبد الشعوب و تغيبها لكي تستحوذ على السلطة و تبدأ منها إمبراطوريتها، متخذه لنفسها إسم داعش، و مؤخراً: الدولة الإسلامية فقط. فالهدف بالنهاية لم يكن توحيد العراق و الشام بل الإستفراد بالسلطة و إعادة الخلافة الإسلامية و جمع كل دول العالم تحت راية الخليفة السلطان

لماذا نجحت هذه الحركات؟

اليوم نرى أعلام داعش تملأ الشوارع في كل بلاد العالم، و شارات رابعة التي تمثل الإخوان المسلمين بمصر يكاد لا يخلو منها موقع بالنت، و لازالت صور صدام حسين ترتفع في بعض المظاهرات و قبلها صور جمال عبدالناصر و عبدالكريم قاسم، فما الذي يعطي هذه الرموز القوة الجماهيرية الشعبية مع أن الأغلبية يعلمون أن غالبية هؤلاء إستغلوا الإنتماء القومي و الديني الطبيعي عند الأفراد ليحققوا  أجندات سياسية و مالية؟

 

هناك عدة أسباب بنظري، و أحد هذه الأسباب و قد يكون أهمها هو أن الشعب الإسلامي و العربي يتميز بالثقافة التوتاليتيرية المكتسبة على مدى عقود، بالأخص من الدين الإسلامي المستند على الثقافة البدوية. و التاريخ الدموي، سواء كان ذلك بفترة الفتوحات الإسلامية أو الإستعمار صقل هذه الثقافة و أكسب المسلمون جلفة غير طبيعية و لا إنسانية (مثال ذلك ترفع الإعلام الغربي عن نشر صور الجثث بينما يعج الإعلام الإسلامي بها). فأصبحت مفاهيم مثل الفردية تخيف أغلبية من يعيشون بهذه المجتمعات، و حرية الفكر يعتبر كفر، و الحرية بصورة عامة مصطلح له تعريف يختلف عن المفهوم العالمي، فيعتبره البعض فلتان و كسر القوانين. بل أن الرأي الشخصي أصبح خيانه و خروج عن الملة. أما الحقوق الإنسانية و التي حارب الغرب سنينا طوال لكي يكتسبها، و تبنتها أغلب دول العالم، فعند المسلمين معكوسة بمفاهيمها بصورة حدث و لا حرج؛ فسلب المرأة لحقوقها كإنسان و ليس كمواطن درجة ثانية تحت قوانين دولة الشريعة الإسلامية صار تكريم لها، و التضحية بالدنيا من أجل وعد بحياة أخرى صار نبلاً و شهامة، و قتل النفس في سبيل قطعة أرض صار شهادة و مروءة و الأمثلة لا تعد و لا تحصى

 

تعاليم الدين و التاريخ الدموي صنعت من هذه الشعوب أفراد تعيسة لدرجة الملل، أستغلالية لدرجة الرهبة، يسود بينها ثقافة الموت و تعتبره فضيلة، تتوالد و تتكاثرفي سبيل التضحية كدروع بشرية يستغلها المرتزقة من شيوخ الدين في نمو ثرواتهم و بسط سيطرتهم، و لا يحركها صور الجثث إلا إذا كان القاتل عدو خارجي، بل عندئذٍ لا تتوانى في نشر هذه الصور المفزعة للكسب الإعلامي. هذه الشعوب يلعب بها و يستغلها و يوجهها كل من لديه حيلة، و خصوصاً إن كانت دينية. و يحركها صورة البطل المنقذ فتصنع من الإرهابي ليس فقط بطلاً مغواراً بل رمزاً و صنماً. و المرتزقه يعرفون جيداً من أين تؤكل الكتف، و لا عجب عندئذ إن تحول الفاسق-بالمفهوم الإسلامي للفسوق-أبو بكر البغدادي، البعثي سابقاً، إلى خليفة للمسلمين، يمجده أتباعه و يعتبرونه المنقذ. كل ما كان عليه أن يفعله هو تربية لحية و لبس جبة و الصعود على المنبر تحت راية لا إلاه إلا الله حتى يقنع الآخرين بضرورة الإنحناء تحت جبته، لأنه يتحدث بإسم الله، و هم عبيد الله

يتبع

أثرالدين الحق في نشر ثقافة الحمق

كم هو مؤلم لكل مراقب للساحة العلمية بالدول العربية/الإسلامية ملاحظة تقهقهر العلم في مقابل إنتشار الجهل بصورة مضطرده نمطية  ومبرمجه طبيعيا. و للأسف ليس هناك أمل في تغيير هذه الحالة السائدة في هذه المجتمعات و ذلك ليس لخلوها من مقومات النبوغ العلمي  و الادوات التقنية بقدر تشبثها بالاساسيات و الاساليب الخاطئة في طلب العلم.

فهذه المجتمعات-كغيرها- كانت بداياتها بالتحصيل الفلسفي (على إعتبار أن الفلسفة تشمل جميع العلوم مجتمعة كالرياضيات و الفلك و العلوم الفيزيائية و العلوم الاجتماعية و السيكلوجية والبيولوجية و الخيميائية و غيرها) في دور العبادة والمساجد. و من الطبيعي أن تعتمد هذه الجهات على الكتب الدينية و تفاسيرها و كتب علماؤها و فلاسفتها كدساتيرعلمية  ومساطر ثابتة لقياس أية معلومة فيزيائية أو اجتماعية أو سيكولوجية أو حتى إقتصادية. وأن تتبني الإسلوب البدائي في فرض إسلوب النقل الشفهي المعتمد على الحفظ و الترديد. وأن تستخدم إسلوب العصى و الجزرة –فلقة- في تربية النشىء. وأن تفرض إحترام المعلم, لدرجة تقترب من التقديس, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة- كالتلاعب سيكلوجيا بعقل المتلقي عندما يكون جالسا بمستوي انزل من الخطيب, ذلك التأثير الذي يبدو جليا في هذا البيت الشعري لأمير الشعراء أحمد شوقي “قم للمعلم وفه التبجيلا, كاد المعلم أن يكون رسولا”.

هذ الإسلوب للاسف لم يتغير حتى بعد إنشاء المدارس النظامية. كل ما تغير كان ظاهريا و ماديا. المباني تغيرت و الكتب تغيرت و حتى الوجوه و الأزياء تغيرت, لكن الأساس المنهجي لم يتغير. فنجد كتب العلوم و الاجتماع و التاريخ و الرياضيات بل جميع الكتب المقررة لا تخلوا من الأيات الدينية و الأدعية. و نرى طريقة توزيع العلامات لا تعتمد على فهم التلميذ للمادة بل على مدي حفظ النص وترديد الإجابات النموذجية التي توزع عليهم من قبل مدرسيهم أو يشترونها منهم. و نرى الطلبة يقومون إحتراما للمدرس عندما يدخل الفصل و لا يناقشونه طوال الحصة إن لم يقم المعلم بسؤالهم. و ناهيك عن ضرب المدرسين للتلاميذ وإهانتهم لزرع الرهبة في قلوبهم و فرض الإحترام عليهم فرضا– قامت بعض الحكومات مؤخرا بمنع ذلك.

و هذا الاسلوب الذي تفرضه المدارس لنشر العلوم لا ينتهي دوره بالمساجد و دور العبادة و الحسينيات أو المدارس, بل تعدي ليدخل كل بيت عن طريق الإعلام و الشبكات الاليكترونية. فهذه المجتمعات لا تفرق بين العالم و رجل الدين, فكل من صعد منبرا لقب بالعالم. و كل من قدم برنامج ديني صار علامة حتى لو كان أمي. فما بالك إن كان هذا العالم يحمل لقب دكتور قبل إسمه! الناس هنا لن تستفسر عن تخصصه و الجامعة التي أعطته هذا اللقب لأنها لم تتعود على البحث و التأكد و الإعتراض و النقد. فهذه الأمور جميعها جديدة عليهم. يكفي أن يقدم خطبا رنانة حتى توافقه  على كل ما يقول بل حتى تردد ما يقول أو تعمل نسخ/لصق و ترسله  دون التأكد من المعلومة أو من مصادرها.

و على هذا الأساس صعد نجم علماء الدين في الاعلام العربي /الاسلامي على حساب علماء التخصصات العلمية. فنرى من يقدم المادة العلمية على شاشات التلفزيون أو عبر اليوتوب هم رجال الدين و ليس علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الاحياء أو الاجتماع أو النفس. و ضاع التخصص العلمي بين من يحمل هذا التخصص و من يدعي بمعرفة كل شيئ. و الأمثلة على ذلك كثيرة كبروز نجم د. زغلول النجار و د. محمد العوضي و غيرهم. كما أن من يحذو حذوهم و يتغلب معرفيا عليهم بإزدياد مضطرد و مثال على ذلك هو د. عدنان إبراهيم و الذي صار يشكل علامة زمانه بالنسبة للكثيرين.

هؤلاء لا يستحقون إلا لقب علماء الجهل. فهم يتبعون نفس الطريقة البدائية في نشر المعلومة العلمية . هم يوهمونك بأنهم ينشرون العلم حسب تقدمة و تعقداته الزمنية ليس ليوسعوا مدارك الملتقي و يزيدوا فهمه للظواهر الطبيعية, بل كي يضربوا العلم في مقتل و يثبتوا ما جاء في كتبهم البالية ليتأكدوا من سيطرتهم على العقول التي قد تقرأ في هذه العلوم و تشك بمنهجهم المبني على الكرامات و الخوارق و علومهم الماورائية و التي تناقض العلوم الطبيعية. و لا أجد مثالا أفضل لهؤلاء من رجال الدين الذين يستخدمون الديموقراطية ليقضوا عليها. هؤلاء يقومون بذات الشئ مع العلوم الطبيعية ليقضوا عليها, حفاظا على دينهم.

و لأبين هذا الشئ بصورة أدق سأورد هنا مثالا على فيدوكليب بعنوان,”د. عدنان ابراهيم: شرح معجزة نقل عرش بلقيس بفزياء الكم”. فهذا الفيديو وصلني بالبريد الإليكتروني و اليوتوب و الفيسبوك و من كل جهة حيث يدعي فيها الدكتور عدنان إبراهيم أنه”لأول مرة نحل المعضلة التي كرت رأس إبن سينا و إبن رشد و حامد الغزالي و العلماء الذي ما عرفوا يحلوها.”

فبعد البسملة و الحوقلة المعتادة و ترديد بعض اللأيات ليهئ الأجواء و العقول لرهبة و تعظيم المحاضرة العلمية و إلباسها القدسية. يقول الدكتور عدنان عن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي “معاجز الأنبياء و آياتهم في كتاب الله تبارك و تعالى هي وعد للبشر بأنهم بإذن الله سيبلغون مثلها بالاسباب و العلم, إعطيت للأنبياء من غير اسباب” ثم يؤكد”هكذا… كن فيكون. البشرية تبلغ هذه في قابل الأيام بالعلم و الفكر و النظر. و الآن  تقريبا كثير جدا من معاجز الأنبياء تحقق العلم منها و أحيانا ابلغ منها.”

صحيح؟ كيف ذلك يا دكتور عدنان؟ كيف تحقق العلم من المكوث في بطن الحوت-بطن الوحش في الفلوكلور البابلي- لمدة ثلاثة أيام كما كانت معجزة النبي يونس ممكن  دون أن ينهضم و يصبح طعاما لسمك الزبال؟ ما هي الميكانيكية البيولوجية التي بإمكانها أن تؤكد هذه المعجزة؟ و كيف تحقق العلم بأن وجود سفينة واحدة تستوعب عشر بليون نوع من الحيوانات هي مسألة طبيعية ممكنة في زمن نوح-و زمن جلجامش قبله- ثم ما هو التفسير العلمي لوجود بعض هذه الحيوانات في قارات دون غيرها كالكنغر في إستراليا؟

ثم يقول الدكتور عدنان, ” ألبرت أينشتاين, صاحب النظرية النسبية…يقول  ليس أعجب شيئ أن نفهم الأشياء الصعبة…أعجب شيئ أننا نفهم أي شيئ.” و فسر كلام أينشتاين بأنه يعترف بأنه مهما بلغ حجم دماغك فلن تفهم أي شيئ. ثم يقول أن النملة تفهم أشياء عديدة. فهي” موحدة و تعرف…حتى الفيروس(نصف حي نصف ميت) يتماكر على البشر فيعجزهم و يلتف على أساليبهم.”

أولا لا أعلم لماذا يصر رجال الدين, سواء مسلمين أو غيرهم بزج إسم أينشتاين في كل محاضرة دينية؟ و لماذا يغالطونه دائما؟ فعندما قال أينشتان أن “أعجب شيء أننا نفهم أي شيئ” لم يكن يقصد ما قاله دكتور عدنان بقصور الدماغ عن فهم الأشياء, بل أغلب الضن أنه كان يقصد العكس, أي أن أينشتاين منبهر بقدرة العقل على الإستيعاب و إلا ما كان قال “أكثر شيئ غير مفهوم عن العالم أنه مفهوم.” أما قصة النملة و معرفتها بالأشياء و الذي فسرها د. عدنان بأنها موحدة و تعرف – هكذا دون إبداء أي تفسير علمي- فهي بالواقع مضحكة لدرجة البكاء. و لو كان الدكتور عدنان كلف نفسه بقراءة نظرية النشور و الإرتقاء عن طريق الإختيار الطبيعي لوجد التفسير العلمي لكيفية تطور النملة و إكتسابها الوعي الخاص بنوعها في محاولاتها للبقاء. و لفهم كذلك كيف يقوم الفيروس بإعادة خلق نفسه بصورة تتغلب على المضاد الحيوي و بإستمرار . و لما فسرها بقوله “كلها هدايات و إلهامات”. فكتب العلوم لا تعترف بال”هدايات” بدون دليل مادي منطقي تجريبي واضح لهذه ال “الهدايات”. و تأخذ بالتفسيرات الأكثر إحتمالا.

 ثم يقول د. عدنان,” أحسن شيئ للفهم و العلم و النور  أن نتقي الله تبارك و تعالى. و أكثر شيئ يظلم الذهن و القلب و الروح هو المعصية و البعد عن الله و المهالك الباطنية” ثم يستند إلى حديث أخرجه أحمد يقول ” من قارف ذنبا فارقه عقله بمقدار ذنبه, لا يعود إليه.”

هنا واضح جدا كيف يقوم د. عدنان بإستخدام إسلوب العصى و الجزرة مع مستمعيه ليس ليقنعهم بالمنطق العلمي و العقلي كما يدعي و لكن لفرضه عليهم. فملخص كلامه هو أنك إن أمنت بالله و عملت واجباتك الدينة كما فرضت عليك فستفتح لك مجالات المعرفة دون تعب أو دراسة و إن لم تفعل ستصبح معتوها حتى لو درست و تخصصت بعلم الصواريخ. يا له من منطق غريب يأتي من رجل يعتبره الكثيرون عالم.

ثم يتكلم د.عدنان عن موضوع نقل عرش بلقيس و كيف ان الفيزياء الكمية أثبت بالتجربة أن ذلك ممكن. و كيف أنه من خلال العشرة أو الخمستة عشر سنة الماضية “بدأت تباشير هذه العلوم لنا” و أن “هذه المعجزات للأنبياء و الخوارق (المعلنة بالكتب الدينية) هي تحصين في كل زمان و مكان عن أن يفتتنوا (الناس) بالعلم و أن يصيروا ذوي نزعة علموية… و يجعلوه منهجهم الوحيد. فكل ما أثبته العلم يؤمنون به و كل ما أنكره العلم ينكرونه. و كل ما عجز عن تناوله العلم أيضا ينكرونه.” ثم يزيد بقوله “عجيب…بعض الناس بلغ بهم الحمق أن يجعل المقارنة لأي موضوع هو العلم. موضوع الدين, الملائكة, الجن, الآخرة , الجنة التي تتعارض مع العلم لا يستطيع أن يتعامل معها.

بل من الحمق يا دكتور أن نعتقد بكل شيئ يمليه علينا الأولون دون التفحص و التأكد بالبراهين التجريبية و التي تستند أنت بنفسك عليها بالفيديو لإثبات وجهة نظرك. الإدعاءات العظيمة تحتاج لإثباتات أعظم. و لا يمكن لأي نظرية علمية أن تنشر بالأوساط العلمية و تدرس بالجامعات العالمية دون أن تتعرض للعديد من التجارب و بأماكن و أزمنة مختلفة. و كلما تحملت النظرية تقلبات الظروف و الزمن دون أن تتغير نتائجها كلما زادت الإحتمالات بصحتها. فلماذا تتوقع منا ألا نعامل الإدعاءات الدينية مثل “كن فيكون.” أو “خلق الإنسان من طين.” بنفس الطريقة العلمية من الفحص و التجربة و البرهان؟ المسألة ليست مسألة الإفتتان بالعلم, كما تريد أن توهم الناس, المسألة مسألة إستخدام أو إلغاء العقل. فموضوع الملائكة و الجن و الأخرة و الجنة كلها مواضيع لا تخرج عن نطاق الإدعاءات. و يتحتم علي رجال الدين من أمثالك كواجب أدبي و ديني, بدلا من ضياح الوقت بالنظرية الكمية و التي لا يفهمها حتى واضعيها من العلماء, هو تقديم ما يساندها من براهين لإقناع الناس بها.

ثم يقول ” هذه المعاجز تقول لنا: على المرء ألا يفتتن بالعلم لأن العلم و إن قدر على أشياء بأسباب مدروسة فلقد قدر عليه الله قبل ألوف من السنين” ثم”يجب أن نحترم العلم و أن نخلق منه منهاجا علميا في أمتنا العربية/الأسلامية.”

لا أعلم بصراحة أي علم يدعو له الدكتور و يطالب بمنهجته في حياتنا, فهل هو العلم الديني المنقول, أم العلم الطبيعي المبني على التجربة و البرهان و الذي إزدراه بالجمل السابقة؟ بصراحة لا أرى غير تناقض.

ثم يقوم الدكتور بشرح النظرية الكمية للتيليبورتيشنTeleportation  أو النقل الآني للجزيء التحت الذري عن بعد بعد شرح سطحي للنظرية الكمية. و ذكره بأن العلم أثبت إمكانية نقل الشيئ من مكان لآخر, ليس هو بذاته و لكن بنقل معلوماته بدقة, بحيث يتم إعدام الجزيئ من مكانه الأصلي و إعادة خلقه بالمكان الآخر بنفس اللحظة.  و هلل بعد ذلك ذاكرا بأنه  قام العلماء باستراليا بعمل تجربة ناجحة في نقل رزمة أشعة ليزر من مكان إلى مكان أخر بعد إعدامها في المكان الأصلي و إعادة خلقها بالمكان الآخر. أي أن النظرية الخاصة بالنقل الآني للجزيئات تم إثباتها نظريا و عمليا. و من ثم قام بمقارنة ذلك بما قاله إبن العربي قبل سنين عن عرش بلقيس,” أصف بن برخيا أعدم العرش في مكانه في سبأ و أعاد إنجازه عند سليمان بنفس اللحظة. و زمان إعدامه هو زمان إنجازه و ليس زمانين.” و إستطرد قائلا ” هذا هو العرفان بالله…إبن العربي لم يحتاج ليدرس الفيزياء الكمية. هو كان فاهم الكلام بالمكاشفة و العرفان.

هل أنا لوحدي من يرى التناقض بكلمات الدكتور أعلاه؟ كيف يهلل بنجاح التجربة نظريا و عمليا و بنفس الوقت يطلب منا الإقتداء بإبن العربي الذي لم يدرس و لم يجرب و لكن عرف كل شيئ…هكذا…بالمكاشفة؟

أولا ما ذكره عن الفيزياء الكمية لا يمكن تسطيحه بالصورة المختزلة التي ذكرها بالفيديو و حتى علماء الفيزياء الكمية لا يتوقعون أن يفهمها أو يفهم طبيعة تصرف الجزيئات ككتل أحيانا و كموجات أحيان أخرى.و المجال العلمي لا يكتفي بتجربة واحدة أو إثنتان أو عشرة حتى يقول ” أها وجدتها” بل هو عمل مستمر محاط بالشكوك و التجارب العديدة. و هذا هو الفرق بين العقلية العلمية المتشككة و العقلية الدينة الناقلة و المرددة. فما تم تجربته حتى الآن لا يعتبر إلا أول الخطوات الطفولية في مجال التيليبورتيشن. و هي تتم بالمستوى ما تحت الذري يعني لم يتم إثبات إمكانية نقل القلم مثلا من مكان لآخر و بنفس اللحظة دون فقد المعلومات المهولة الخاصة بالقلم. نحتاج وقت كبير لعمل ذلك و قد لا يتحقق. و هذا هو جمال العلم: لا يوجد شيئ مؤكد.

فمتى يفهم علماؤنا ذلك و يريحونا من جهلهم؟

 

الفيديو:

http://www.youtube.com/watch?v=awOBmturboc

حوار الطرشان الفلسفي

في فسحة ضليلة بسوق لاإنترادا جلسا على كراسي حديدية. هو يحتسي الكابوشينو الذي يحبه ساخنا بدون سكر و يقرأ كتابه بإستخدام اللابتوب المفتوح أمامة على المنضدة الحديدية. و هي تشرب شراب الشاي الأخضر البارد كما تحبه على كومة كبيرة من الثلج و بنكهة الفاشين فروت و الياسمين و بدون سكر و تقرأ كتابها مستخدمة  الأيباد. “كم نحن متشابهان على الرغم من عظم إختلافاتنا!” فكرة سرحت بها خيالها و هي ترفع رأسها عن الكتاب ناظرة صوب محال الماركات العالمية أمامها.

قال لها بعد أن رفع عينه هو الآخر عن كتابه, و الذي يبدو أنه أحد الكتب الدينية التي يداوم على قراءتها, “أتعلمين أن الله له دلائل و شواهد بكل شيئ في الكون لكن هذه الدلائل لا يراها إلا المؤمن. و هذه هي المعجزة الحقيقية.”

فقالت له مازحة, “اللي يخاف من العفريت يطلع له.” ثم إستدركت, ” ما يشهده المؤمن هو خيال لأنه مبني على رؤية فردية و ليست رؤية جماعية.فكما…”

فرد عليها مقاطعا, “لا فرق بين الخيال و الواقع لأنه بالنهاية يعتمد على تفسير أدمغتنا لما نراه بالخارج. فالسمكة  التي تسبح في الحوض البلوري في وسط الغرفة يكون منظورها للأبعاد بالغرفة دائري المنشأ و ليس كما هو بالواقع. و هكذا هي أدمغتنا لا تفسر الأشياء بذات التطابق. فقد يكون ما نراه بالخارج ليس كما هو بالواقع”

فأجابت معترضة, “هذا صحيح عندما نقارن منظور السمكة بمنظور شخص بالغرفة. لكنه لا يطبق على منظور شخصين بالغرفة, فإن لم تفسر أدمغتهما الغرفة بذات التطابق فهذا يعني أن أحدهما على الأقل يتخيل الشيء و لا يراه.لكن إن تطابقت الرؤيتان فهذا يعني أن الشيء موجود بالفعل في الخارج.” ثم عدلت من جلستها قليلا و واجهته قائلة, ” أعطيك مثال عملى، هذه الطاولة الحديدية التي نجلس إليها, لها نقوش بشكل الباذنجان الذهبي, أنت تراها كما أراها أنا و إن إختلفنا بالوصف الدقيق فهذا مبعثه منظور كل منا أو الجهة التي ينظر كل منا إليها و إنعكاس الشمس و مقدار الظل و هكذا. لكن مع ذلك لن نختلف نحن الإثنان على وجود الطاولة. و هنا يكون ما نشهده نحن الإثنان واقعاً و حقيقة. لكن تلك القطة البنفسجية التي تراها تحت الطاولة فلا أراها أنا مهما تعبت بوصفها. فإننا لن نتفق على وجودها لأن مكانها ليست تحت الطاولة لكنه في مخيلتك.

و هنا أخذ نفس طويل يحاول أن يجد طريقة ليشرح لها وجهة نظره مستخدما العلوم التي كرس عمره لدراستها, ” لننظر إلى الأشياء بدقة أكبر و ليس بسطحية؛ أليست الطاولة و جسمي و جسمك و هذه الشجرة و كل ما حولنا ذرات و كواركات و فراغ؟ أليست عقولنا هي التي تشكل هذه الذرات بالأشكال التي نراها؟ فكما أحسبك تعلمين أن لكل منا صور تراكمية في أدمغتنا و ما نراه من صور في الخارج نقوم بتطابقها مع ما هو مخزون بذاكرتنا من صور تراكمية بثقافات و عقائد بيئية و غيرها لكي نستطيع تفسيرها. المؤمن في هذه الحالة يفسر ما يراه بالخارج بتطابق الصور مع التراكمات العقائدية التي تعب في تكوينها عن طريق العبادات فتتجلى أمامه الحقائق فيرى ما لا يراه الكافر”

فقالت له معترضة, ” كون كل الأشياء حولنا ذرات و كواركات و فراغ فهذا صحيح بالمجال الكمي أما في مجالنا فهي بالصور التي نراها بها. أو على الأقل ما نتفق على رؤيته نحن الأثنان حتى لو كان مختلفا بالواقع, فهو بالنسبة لنا هو ذات الواقع لأن المسألة نسبية. فتفسير عقولنا للصور الخارجية ليس عشوائيا بل يلتزم بالنمطية، و إن لم يكن كذلك فكل منا سيري الشيء بصورة مغايرة عن الآخر. و مهما تكن الصورة الخارجية فهي بالنهاية في مجالنا بالوسط بين الذري و الكوني ولا يطبق عليها الفيزياء الكمية.”

فقاطعها معترضا, ” و لم لا فجميع المجالات تتداخل و تكون بالنهاية العوالم التي تتصل ببعضها بأوتار من الجاذبيات تجمعها بنظرية واحدة تصلح لجميع المجالات.”ثم إردف قائلا, “من يؤمن يفتح الله قلبه فيري ببصيرته ما يقوم العلماء بإثباته نظرياً. على عكس الكافر و الذي يريد أن يرى بحواسه الخمس كل شيء حتى يصدق مع أن هذه الحواس تكون خادعة في أكثر الأحيان. فمثلما هناك أوتار لا يمكن أن ترى أو أن نشعر بها مع عظم دورها في حفظ النظام الكوني فلابد من وجود من هو خلقها و أعطاها هذه الوظيفة. و هكذا فهذا الخالق موجود في كل شيء حولنا و من السهولة رؤيته إن كان الشخص مؤمناً لأنه لا يتجلى إلا لمن يصل إلى درجات عالية من الإيمان. و هذه هي النقطة التي أردت توصيلها.”

و هنا نفذ صبرها فقالت له, ” بدأ نقاشنا علمياً و إنتهى بالسيدو ساينس -أي العلم الوهمي- فأنا لا أحسبك  كالدجال ديباك شوبرا و الذي يبيع جمهوره الفيزياء مخلوطا بالميتافيزياء للكسب السهل على أكتاف جمهور يدفع المال لمن يؤكد إيمانه و كأنه في شك من أمره و يريد المزيد من الإثباتات. فشوبرا “عيار”-دجال- و رزق العيار على المجانين. و أكون شاكرة لك لو إحترمت عقلي و إلتزمت بالنقاش العلمي كما بدأنا.”

ثم إردفت قائلة, ” أولا القلب ليس به جهاز أو ميكانيكية للرؤية و ليس من وظيفته أصلا الرؤية. فالرؤية من إختصاص العين و الأعصاب المتصلة بالمخ و هذه وظيفته.أما القلب فوظيفته ضخ الدماء بأنحاء الجسم لإستمرار الحياة.

ثانياً من يريد الدليل العلمي و خصوصاً إن كان إجنوستيا متشككا حتى بنفسه مثلي  فهو لا يلجأ للحواس فقط بل أيضاً للقياس و الإثبات, ليس فقط بالتجربة و لكن أيضاً بتكرار التجربة و الحصول على نفس النتائج بكل مرة. فكما ذكر ريتشارد داوكنز في كتابه “أعظم مسرحية على وجه الأرض”، أن النظرية “كلما إستطاعت تحدي الزمن و العراقيل كلما أصبحت أقرب للواقع”. و أنا أتعامل مع الواقع. أما الخيال فله جانب آخر في حياتي أتسامى به و أنا أحلق على الأجنحة الوهمية في عالم الأشعار و قصص الساينس فكشن، لكني لا أخلطه أبداً بالواقع و خصوصاً عندما يتعلق ذلك بالمسائل العقائدية. و ثالثاً كيف ممكن أن يكون الخالق في كل شيء حولنا و هو ليس جزءاً فيزائياً من عالمنا و مع ذلك يراه المؤمن؟ (أي أن ما هو من هذا العالم الفيزيائي يتصل بالرؤية بما هو خارج هذا العالم – ميتافيزيائي). و لم لا يكون هذا محض خيال فكما تعلم أن عقولنا لديها قابلية هائلة في عمل الأنماط في كل شيء. إنظر إلى السحاب لفترة لتري كيف يتشكل أمامك بنمط معين. و إن كان في دماغك صورة مسبقة تريد أنت أن تراها-كما هو حال المؤمن- فسوف تتشكل لك الصورة بإرادتك. ليس ذلك و حسب بل أن ما تراه بالسحاب قد أراه أنا أيضاً. أي أن العملية تصبح جماعية لكننا بالنهاية نعلم أنها تصورات و أنماط وهمية بعيدة عن واقع السحاب. “

فنظر إليها ,محاولا كظم غيظه, مستفسرا, ” و كيف تفسرين إذاً رؤية شخص لشيء و عدم رؤية الآخر له؟”

فقالت له مازحة, ” يمكن خبل-أهبل؟” ثم تداركت نفسها عندما رأت الدماء تكاد تفور في وجهه, ” أمزح معك, الناس مختلفون،فلا يوجد شخصين متطابقي الصفات و لا حتى بالتوائم المتشابهة. و كل منا له قابليات للتخيل بدرجات متفاوتة. فالفنانون مثلا يتميزون بخيال خصب يستغلونه بالإبداع في إعمالهم. والإيمان بالشيء ممكن أن يعطي هذا الخيال البيئة الخصبة للتنمية. و كلما كان خيال الشخص أكثر خصوبة بإيمان أقوى كلما إختلط هذا الخيال بالواقع أكثر حتى يصعب على الفرد التفرقة بينهما. و هذه ليست معجزة بل قد تصبح حالة مرضية إن زادت عن الحد.” ثم أخذت نفس عميق و إردفت قائلة, ” هل تذكر فيلم العقل الجميل؟ هل تذكر كم كان بطل الفلم عبقريا بالرياضيات ألا أن عقله لم يستطع التفرقة بين الخيال و الواقع.”

فقال مقاطعا, ” أنا لا أقصد الحالات المرضية.”

فردت عليه بالفور, ” و لا أنا قصدتها. فالتخيل أحد وظائف الدماغ. لكن إن إختلط الخيال بالواقع هنا يصبح الأمر مرضيا.”

صمت لفترة طويلة نسبيا و كأنه يحاول أن يجد ما يفند حجتها. و عندما لم يجد ما يقوله تمتم قائلا, ” المشكلة فيمن لا يؤمن هو أنه لا يعرف ما يراه المؤمن و لذلك يفسره تفسيراً علميا فيزيائياً بينما ما يراه المؤمن هو ميتافيزيائي. ما تصرين أنت على أنه خيال أستطيع أن أؤكد لك أنه واقع لكن ليس بيدي إثباته-بالأدوات الحسية- لأننا نتناقش عن عالمين مختلفين.”

“لا فائدة ترجى منه. خسارة السنين الطويلة التي قضاها في التعليم و خسارة للمال و الجهد المبذول عندما تقف العقيدة عائقا أمام الإنفتاح الفكري”طأطأت راسها كعادتها عندما تتخاذل أمامه و لا تتجرأ على مواجهته بما تفكر به عنه, ثم إردفت منهية للموضوع, ” لنترك النقاش إذاً و يرجع كل منا لقراءة كتابه فواضح أن عوالمنا لن تتلاقى أبدا.”

و هنا أقفل هو الموضوع واثقا بأنه كسب الجولة بالتفنيد, ” سواء تلاقت أم لم تتلاقى عوالمنا, فالله موجود، سواء إعترفنا أو تكابرنا.”

” تكابرنا؟” كلمة إستفزتها و هي تعلم أنه ممكن أن يكون بداية لنقاش طويل أو حتى حرب عشواء. لكن تعلم أن السنين التي قضتها معه بالحروب لم تأتي إلا بالدمار و قد تعبت من الحروب وعلمتها قسوة السنين معنى ” التحمل” ففتحت أيبادها و الذي كان قد أغلق من نفسه متمتمة بصوت منخفض،” Whatever “

و في كتاب ” دليل المشرك للأديان العالمية” للكاتب وليام هوبر  قرأت الجملة التالية:

في البداية عشنا كبشر في البرية و أكلنا من هو أقل سرعة و ذكاء منا. و بهذا الوقت إخترعنا شيء سميناه “الله”

ففرت منها إبتسامة خبيثة، فكم هو جميل أن يكون بهذا الكون ناس يتكلمون بمنطقها و يفهمونها و يفهمون عالمها.

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

الأخلاق منظومة إنسانية قديمة قدم الإنسان. قامت المجتمعات بوضع فلسفتها كأدوات و نواميس تحدد التعامل بين الأفراد لبيان كل ما هو ملائم  و ما هو غير ملائم سواء كان بالنيات أو بالقرارات و التصرفات الفردية في التعامل المجتمعي. و من هذه الفلسفات الأخلاقية تطور مفهوم الخير و الشر و الذي شرعت على أساسها القوانين و آليات القصاص فنتجت عنها منظومات عدة تتباين حسب ثقافة أو دين أو فلسفة المجتمعات. لكن هذا التباين لا يكون فقط بين المجتمعات المختلفة بل هو عامل طبيعي للمجتمع نفسه و الذي يخضع لتغيرات الزمن. فالصفات الأخلاقية, حسب علماء الأنثروبولوجيا-علم الإنسان- و علماء السوشيوبايولوجي, هي صفات ذاتية للأفراد تكون خاضعة لقوانين التطور مع الزمن من أجل بقاء النوع. فمن رحم هذا التطور الذاتي للأفراد تكونت بوصلة الخير و الشر الذاتية. فما كان مقبولا في السابق أصبح منفرا في الوقت الحالي. مثال على ذلك هو إقتناء العبيد و زواج القاصرات.

يقول عالم البيولوجيا ريتشارد داوكنز في كتابه “الله الوهم” أن التاريخ الأخلاقي

 Moral Zeitgeist

 مستمر في عمله بتطور الإنسان حتى يتسامى  إلى درجة التضحية بالنفس من أجل الجماعة أو الألترويزم أو حب الآخر من غير شروط – بما يشابه حب الوالدين لأبنائهما. ففي أوربا القرن الرابع عشر مثلا كانت القطط تذبح بمجاميعها بسبب إعتقاد الناس أنها مرتبطة بالشياطين, و كان الناس المجتمعون يهللون و يصفقون عند حرقها و هي حية. و إن حدث هذا الآن لنال ذلك سخط المشاهدين و إشمئزازهم.فبالتعاملات و التجارب الإجتماعية ولدت المبادئ و تطورت مع الزمن في الحدود الأقليمية  و الحدود العالمية بعد المحاولة و الخطأ على أرض الواقع  و ذلك كي تتمكن الأمم مختلفة الثقافات من التعامل و التفاهم و التعايش بصورة سلمية كريمة عندما يتم الإتفاق علي مبادئ إنسانية موحدة تلتزم بها الدول كأدني شروط, مستندين على القانون الذهبي “عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك”. فكان نتيجة ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الذي تبنته هيئة الأمم المتحدة في سنة 1948 بعد تجربة الحرب العالمية الثانية.

و من الخطأ الشائع ربط المبادئ الأخلاقية للتعامل بين البشر بالمنظومة الدينية كأساس و منبع على الرغم من إرتباطها التاريخي بها. فلكي تكتسب هذه المنظومة قوتها التشريعية  و الإحترازية في المجتمعات البدائية فلقد تم ربطها بالعقائد السائدة كأوامر إلاهية.  فأول منظومة قانونية ظهرت في التاريخ البشري كانت شرائع الملك حمورابي في بابل-العراق حاليا- حدد فيها ما يجب و مالا يجب على الفرد القيام به و تم ربطها بمنظومة للجزاء يتناسب فيه القصاص- حسب رؤية زمنهم- مع الجرم. و صورت كأوامر من الإلاه مردوخ ليكتسب شرعية فوق بشرية. ففي ألف خمسمئة سنة أوأكثر قبل الميلاد لم تكن المنظومة الأخلاقية الذاتية للفرد -و الذي هو المنبع و الأساس لهذه المبادئ – قد تطورت بدرجة كافية لتجبره على التقيد بالقوانين كمسئولية الفرد تجاه الجماعة أو كمسئولية مواطن تجاه بلده. ولأن الأديان كانت و لازالت مرتبطة بالسياسة و السلطة فالمنظومة الأخلاقية فيها تعدت التعاملات الإنسانية السامية كالأمانة و إحترام الآخر و مساعدة المحتاج إلي أمور لا أخلاقية كالتدخل في الشئون الخاصة للأفراد و إعطاء الشرعية الدينية لمصطلح الشرف التقليدي المرتبط بالجهاز التناسلي للمرأة في المجتمعات الأبوية الذكورية, فثبت نتيجة لذلك قوانين تؤكد على إضطهاد أكثر من نصف المجتمع لصالح النصف الآخر. و هذا ينطبق و بصور متفاوتة حتى على الديانة البوذية و التي تعتبر الأكثر إنسانية و تسامح بين الديانات على الإطلاق.

وا بحريناااااااه

وصلتني بعض الرسائل من الأصدقاء الكويتيين و البحرينيين و من قراء مدونتي الأعزاء و بعضهم من المدونين، يطلبون مني أن أكتب رأيي بصراحة عن البحرين. و لقد كنت أصبت كما أصيب غيري بصاعقة من الأعصار الثوري الذي إجتاح الدول العربية بنهاية سنة ٢٠١٠  فأصابني  بحالة من الذهول و الشلل الذهني . ففي مدة قصيرة من الزمن لا تتعدى الشهور حدثت أحداث تاريخية عظيمة غير متوقعة بتاتا.  الأمل و الخوف تآمرا علي و زادا دقات قلبي في أذني، تاريكين فكري متزعزعا متشوشا مترددا، غير قابل للنشر. و لذلك حبذت التريث حتي يتبين لي الخيط الأبيض من الأسود أو علي الأقل يكاد. و عدا عن تغريد هنا في التويتر و جملة هناك في الفيسبوك فأنا لم أكتب شيئا عن هذا الموضوع٠

فهذه الثورات فاقت كل التصورات، كونها كانت شبابية القيادة ، سلمية الإسلوب ، إنترنتيه المنشأ، عالمية الإعلام و إقتصادية الغاية في كونها جميعا قائمة لتحسين الوضع المعيشي للأيدي العاملة من الشعب. أي كانت ثورة الخبز، جمعت بين كل فئات الشعب وطوائفه و ألغت حكومات أوتوقراطية و حكام دكتاتوريون دون أن تتفق ، أو حتى أن يهمها من سيكون البديل . ناثرة الياسمين في تونس بعد أن تطوع البوعزيزي بأن يكون هو عود الثقاب المشعل لها لتمتد بسرعة جنونية و تلتهم كل تونس، باعثة النداء لشباب  اللوتس في مصر و التي بدورها إستجابت للنداء بسرعة أكبر. ظهر بصورة عامة فيها الفرق بين فئتين في كل هذه الشعوب: فئة المخربين الذين هم مستفيدين من الوضع الراهن و منهم بقايا الحكومات المتهاوية، أو من سموا بالبلطجية. و فئة أخرى بلغت درجات من الرقي الخلقي في إصرارها أن تكون المظاهرات راقية، و لا أدل على ذلك من قيام الثوار بتنظيف الشوارع بعد ركود بركان الثورة في ساحة التحرير بمصر. بالفعل شيء يدعو للإحترام و التقدير. أتى بصدى طيب على مستوى جميع دول العالم، بعد أن صارت الشعوب العربية الإسلامية تشتهر بفضل السفهاء منهم بكونهم عرب جلفين و همج. و هذا كان السر في نجاح الثورتين، كما كان الإصرار و السلم هو سر نجاح غاندي في إسقاط التاج الإنجليزي في الهند٠

و لكن الثورات لم تبتديء في تونس و مصر و لم تنتهي في إسقاط رئيس هنا أو كش ملك هناك. فكما ذكرت الشبيبة الثائرون لا يملكون البديل. البديل يملكه المفكرون المخططون حكماء الأمة. و الخوف كل الخوف أن ينجرف الشباب في الإتجاه الخاطيء، فيستخدمهم المستغلون للتقاتل و التناحر، و حتي في الحروب الأهلية كما يحدث في ليبيا و كذلك سيحدث في البحرين، و قد تجر دول أخرى في حروب أهليه في كل منطقة الخليج إذا لم نستمع إلى صوت العقل، و لم نقل للسفهاء منا سلاما. و هذا هو دور المفكرين، العلمانيين منهم على وجه الخصوص ممن لا ينحازون لتلك الديانة و لا لتلك الطائفة و لكنهم ينحازون للإنسان، و ذلك بزيادة الجرعات التثقيفية و التنويرية في هذه الأثناء بالذات، و عدم الإعتماد على ذكاء الشباب الثائر لأنه في هذا الوقت سيكون أولئك كالغريق الذي يريد التمسك بأي شيء يبقي عليه، فالمسألة مسألة بقاء بالنسبة لهم٠

و نحن لا ينقصنا مفكرين في الدول العربية الإسلامية، فهم كثر، و لكنهم للأسف لا يكادوا يبينوا في هذا الكم من الغث و السمين من المطروح على الساحة و في  الفضاء السيبيري ، و خصوصا أن من يدعون العلم و المعرفة و الحنكة السياسية كثيرين و الكثيرين منهم من الذين يلعبون بالماء العكر، و يجيدون ركوب الموج و بأي وسيلة كانت، لبسط سلطتهم على البشر و إستعبادهم بوسائل عدة،  فهنالك الكثيرين من الدكتاتوريين، و خلع دكتاتور من على سدة الحكم لا يعني خلع الدكتاتورية من جذورها. و لكن أقبح الدكتاتوريات هي التي تستخدم الدين لدغدغة العواطف و لتفرقة الناس و تأجيج النعرات الطائفية ، سالكين سياسة فرق تسد٠ و خلع هؤلاء ليس كخلع مبارك أو بن علي ، إنه أقرب إلى خلع أحمدي نجاد، و الذي قابع على صدر شعبه رغم كل الثورات ضده٠

و لذلك أشعر أحيانا أنه من الأفضل في هذه الحالات زيادة جرعات القراءة و التأني في الكتابة إلى حين . و في هذا الشأن ظهر كتاب جديد في الأسواق بعنوان

Working Class Rising

The Middle East Revolutions/A framework for analysis

By/ Catherine Claxton, Ph. D.

تحلل فيه الكاتبة موجة الثورات في الشرق الأوسط و تشبهها بموجات الثورات العمالية في أوربا بعد العصور الوسطى و التي تقول بأنها أخذت شكلا نموذجيا بفترات حدوثها؛ من بداية القرن تقريبا إلى منتصفه تكون الثورات على أشدها، و تخمد عند منتصف القرن لتبدأ من جديد في بداية القرن الذي يليه

الموجة الأولي

١٨١٨-١٨٥٠

الموجة الثانية

١٩٠٥-١٩٤٥

الموجة الثالثة ٢٠١١- و مستمرة

مستندة على عدة عوامل مشتركة، لا تستثني منها الحروب و التفرقة الدينية\ الطائفية التي تزامنت مع بعضها. و كذلك في كون هذه الثورات ثورات معارضة شبابية ، لا صلة لها بالأحزاب المعارضة التقليدية ، و هي لم تكن تملك البديل، بل حتى لم يكن يهمها من سيكون البديل طالما سيلبي هذا البديل متطلباتهم. كانت نتيجتها  و بصورة عامة، على المدى البعيد إيجابية كالحصول على المزيد من الحقوق السياسية في الإشتراك الشعبي في الإنتخابات الديموقراطية و تشكيل الأحزاب العمالية للمطالبة المستمرة في كل ما من شأنه تحسين الأوضاع المعيشية للأيدي العاملة، و كذلك حصول المرأة على حقوقها السياسية، و غيرها من الحقوق المدنية. متنبئة بأن هذه  الموجات التي تجتاح الشرق الأوسط هي نفس أمواج التغيير التي جاءت في أوروبا و أمريكا مع إختلاف الظروف و الزمان و الوسائل. و داعية إلي طرح الموضوع الذي حللته بالتفصيل في كتابها إلي النقاش، على إفتراض أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان يتشابه في ما يحرضه للقيام بالثورات٠

كتاب يستحق القراءة و التفكر و لكنه ليس موضوع البوست اليوم. و لمن يريد معرفة المزيد فليرجع للكتاب. ما أردت فقط بيانه أن التغيير هو الحقيقة المؤكدة  في هذه الحياة، و هو في نفس الوقت الشيء الذي يخشاه الإنسان بصورة عامة، إلا إذا كان ‘بايعها’ مثل البوعزيزي. و الثورات عندما تكون محددة بزمن معين و لدولة ذات قواسم إقتصادية، إجتماعية،  سياسية مشتركة ؛ مجتمعة كانت أو منفردة، مع دول أخرى فإن إحتمال حدوثها كموجة وارد، مثل تلك التي إجتاحت أوربا في القرنين التاسع عشر و العشرين، و تلك التي إنتشرت في البلاد العربية ببداية هذا القرن و أثرت في الدول الإسلامية و حتي غير الإسلامية مثل الصين و التي ألغت كلمة ‘مصر’ من ماكينات البحث في شبكاتها و لعبت في حسابات البريد الإليكتروني ‘جي ميل’ بصورة تبين فيها أن الخطأ تكنيكي من غوغل، بينما غوغل تنفي ذلك. كل هذا يحصل بسبب الرعب الذي دب في قلوب الحكام أو من هم مستفيدين من الوضع القائم، فأيقنوا إستحالة بقاء الحال مع شعب واعي حتى لو لم يملك البديل

و ما علاقة هذا بما يحدث في البحرين؟

كل شيء، فما يحدث في ليبيا من إشعال النعرات القبلية من قبل القذافي و أتباعه، هو نفس ما يحدث في البحرين من قبل الملك حمد و أتباعه في إشعال النعرات الطائفية٠

و ما يقوله القذافي بأن القاعدة وراء الثوار لا يختلف عن قول مبارك أن بدونه سيحكم مصر الإخوان، و لا يختلف عن قول بشار الأسد أن عصابة وراء أبناء درعا السورية و لا يختلف عن قول علي عبدالله صالح بأن المخربين و البلطجية هم وراء الثوار و لا يختلف عن قول حكام البحرين أن إيران هي خلف الثوار في البحرين، تعددت أصابع الإتهام، و غاية شباب الثورة في كل مكان واحدة؛ العدالة الإجتماعية و تحسين الوضع المعيشي٠

شعب البحرين ممزق بين الشيعة و السنة من زمن بعيد بعد الدولة الإسلامية و ليس فقط اليوم، و هو لا يختلف عن الشعب الكويتي أو كل الشعوب الخليجية في هذا، و لكن ما يميز البحرين أن أغلبية مواطنوها شيعة يحكمهم حاكم سني. و علية فالثورة الشعبية للعدالة الإجتماعية، حتى لو إشترك فيها السنة فستكون ذات أغلبية شيعية لأن هذه هي التركيبة، و هذا يسهل تقبل عرض من يريد أن يشير إصبع الإتهام لإيران بإعتبارها تساند الشيعة في البحرين لغرض بسط سيطرتها على الخليج و تصدير فكرتها في قيام الدولة الإسلامية بنظام ولاية الفقيه. و حتى لو لم تقم إيران بأي عمل رسمي تأكيدا على تدخلها، فهنالك إحتمال أن يندس بين المتظاهرين من يريد ركوب موجتها، كما ركب الخميني موجة الثورة في إيران في نهاية السبعينات، و كما يتنافس اليوم الإخوان و السلف في مصر لقطف ثمرة الثورة. أي أن ليس كل ما يدعية الحكام خطأ، و لكنه خارج النطاق التحليلي الإتهامي التخطيطي التآمري. فإحتمال طمع إيران في الخليج  وارد و علينا الإنتباه لهذا الأمر و لكن دون الدخول في سكيتشات نظريات المؤامرة التي يرسمها لنا من يريد إبقاء الوضع على ما هو عليه٠

يقول نيكولو ماكيافللي ” من يريد أن ينجح بإستمرار، عليه أن يغير سياستة مع تغير الوقت”. التغيير كالإعصار، و الثورات هي موجات هذه الأعاصير. فالشجرة التي لا تتمايل مع الرياح و تقاومها سيكون مصيرها حتما القلع. و لذلك فمن الحكمة أن يكون الحكام في هذه الفترة مرنين مع مطالب شعوبهم، متقربين منهم، يسمعون لهم و يحتضنوهم قبل أن ترميهم الموجة على من يستغلونهم٠ الشعب الثائر لا يهمة من هو الحاكم و لا ما هي طائفته أو حتى دينه، المهم عنده العدل في المعاملة أمام قانون واحد لا يفرق بين أفراده لا بالجنس و لا بالدين و لا بالقبيلة ، و لا الطائفة. و عندها سيري أن الشعب بجميع أطيافه سيقف معه، تماما كما وقف الشعب الكويتي يدا واحدا وراء قائده إبان الغزو الصدامي للكويت. أما القائد الذي يلعب على تفرقة الشعب و إشعال الطائفية بينهم كي يسود، فهو لاشك زائل، و لو بعد حين٠

و عليه فأنا أدعو جميع حكام الخليج بمد أيدهم إلى شعوبهم لمعرفة مطالبهم و محاولة تلبيتها ضمن الدستور المدني الداعي إلي حماية الأقلية قبل الأغلبية من الشعب، و بالديموقراطية الحقة التي لا تفرق بين أبناء الشعب الواحد. أطلب منهم التوسط بين حاكم البحرين و شعبه الثائر و تقديم النصح له بعدم إستخدام العنف معهم، و أطالب قوات درع شبه الجزير العربية بالرجوع فورا إلي بلدانهم، يكفي قتل و يكفي دمار، فمن تقتلون هم إخوانكم . إرجعوا قبل أن يستفحل الأمر و يخرج الوضع عن نطاق السيطرة٠

و كذلك أطالب الثوار في البحرين بإختيار وفد يمثلهم لعرض قضيتهم في الأمم المتحدة بوساطة إنجليزية، على غرار ثوار ليبيا و الذي كسبوا القضية في الأمم المتحدة بوساطة فرنسية. و أتمني أن تحل الأمور بالوساطات السلمية و عدم الحاجة لتدخل مجلس الأمن٠

خارج نطاق التغطية:٠

من الملاحظ أن التكاثر بين الحيوان يزداد عندما تحدث كوارث طبيعية، فهل يا تري سيزداد الحب بين بني الإنسان في خضم هذا السيل من الكوارث الطبيعية و الصناعية؟

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٩)٠

الفصل الثامن: التصميم العظيم

في هذا الفصل و هو الأخير يلخص المؤلف كل ما قام بشرحه بالتفصيل في الفصول الماضيه و يستعرض الخلاصة و الهدف في نشر الكتاب فيقول “في هذا الكتاب قمنا بعرض كيف يمكن للحركة الإعتيادية للأجسام الهائلة، كالشمس و القمر و الكواكب أن تكون محكومة بقوانين ثابتة بدلا من كونها خاضعة للأهواء و النزوات الإعتباطية للآلهة و الشياطين  . ففي البداية ظهرت هذه القوانين {أو الفكرة بتنظيم معين للنجوم }  في علم الفلك ( أو التنجيم {معرفة الطالع من النجوم}، و الذي كان يعتبر وقتها نفس الشيء  تقريبا *. فتصرف الطبيعة {بالنظر إليها من } علي سطح الأرض معقد للغاية و خاضع لعدة مؤثرات {متداخلة} لدرجة أنها { أذهلت الإنسان في } الحضارات القديمة فلم يستطع أن يصيغ لها أية قوالب فكرية واضحة أو قوانين {تنظيمية } ممكن أن تخضع لها هذه الظواهر التي يشهدها. و لكن و بالتدريج { و خصوصا بعد تكرار حدوث الظواهر تحت ظروف نمطية } تم إكتشاف قوانين جديدة في نواحي  {أخري من الحياة } مختلفة عن علم الفلك، و هذا ما قاد إلي { بروز } فكرة الحتمية العلمية: و التي تقول أنه لابد من وجود مجموعة متكاملة من القوانين {الإبتدائية }  التي حددت كيف ممكن أن يتطور { أو يرتقي } الكون {على المدى البعيد } . و إمكانية معرفة هذه الصورة ، أو هذا التطور، من زمن يتم تحديد وضعه الأساسي فيه. و لكن يشترط على هذه القوانين أن تكون { صارمة في طبيعتها، أي } قابلة للتطبيق في أي مكان و أي زمان {دون إستثناء} ؛ {فمنطقيا } إذا لم تكن صارمة فهي ليست قوانين . فلا يجوز أن يكون هنالك إستثناءات لهذه القوانين و لا معجزات. {أي أن الحتمية العلمية تفرض علينا شرط بأن } الآلهة و الشياطين لا يجب أن تتدخل في إدارة الكون {أي بمعني آخر لا يجوز خلط العلوم الفيزيائية بالغيبيات}٠

ففي الوقت الذي ظهرت فيه فكرة الحتمية العلمية لأول مرة في التاريخ، كانت قوانين نيوتن للحركة و الجاذبية هي القوانين الوحيدة المعروفة. و لقد شرحنا كيف قام آينشتاين بتمديد و تطوير هذه القوانين بقوانين قدمها في نظريته النسبية العامة، و كيف تم إكتشاف قوانين أخري و التي تتحكم في شئون أخري في الكون٠

فقوانين الطبيعة  يجب أن {تقول لنا} كيف تتصرف الطبيعة و لماذا.”  و هي أسئلة مشروعه و ملحة كما ” قمنا بطرحها في بداية هذا الكتاب حيث تتلخص في:٠

لماذا يوجد شيء بدلا من لاشيء؟

لماذا نحن بالأساس موجودون؟

لماذا هذه المجموعة بالذات من القوانين في عالمنا و ليس غيرها؟

و من المنطقي { أيضا } أن نسأل من خلق الكون ، أو ما هو الشيء الذي خلق الكون . و لكن إذا كانت الإجابة بأن  ‘الله ‘ هو من خلق الكون، فهذا {لن يجيب على سؤالنا بصورة شافية لأنه } سيحرض علي سؤال آخر { أعقد } هو: من خلق الله . و من هذا المنظور { و الذي يفرض الإستسلام } يصبح مقبولا لدينا أن نفترض أن هنالك كائن ما موجود بدون خلق، و أن هذا الكائن إسمه الله .” و هكذا ندخل في نقاش عقيم ، فهذا النقاش أزلي  و له إصطلاح في علم الفلسفة بإسم  ” السببية الأولية لوجود الله ” . أي أنه سيضيع الموضوع و نبتعد عن الحتمية العلمية التي ننشدها. و لكن المؤلف يدعي حسب ما جاء على لسانه ” بأنه من الممكن الإجابة علي هذه الأسئلة ضمن النطاق العلمي فقط و دون الحاجة إلي تدخل الكائن القدسي “٠

فحسب فكرة الحتمية المعتمدة علي النموذج و الذي ذكرت شرحه في الفصول الماضية من هذا التلخيص و عرفة المؤلف بأن ” أدمغتنا تفسر المدخلات الملتقطة من أجهزتنا الحسية بعمل شكل أو نموذج للعالم  الخارجي.” و عليه فقوانيننا هي خاصة بنا و بعالمنا ، أو كما جاء علي لسان المؤلف أن “النموذج الجيد البناء يخلق واقع خاص به هو فقط ” . فإن كانت هنالك قوانين خارج نطاق إستيعابنا فهي غير مهمة لأنها بالنسبة لنا على الآقل غير موجوده حسب رأيي.  أما خلق الكون فيقول المؤلف بما معناه أنه قد يكون فيزيائيا بدأ من قوانين بسيطة جدا و لكنها  مع الوقت تطورت و تداخلت مع القوانين الكيميائية الآخري لتجعلها أكثر تعقيدا لدرجة ذكية . و ليشرح ما يقصد في االفقرة الماضية يضرب المؤلف لنا مثال في لعبة الحياة ، ليساعدنا أو ليحرض عقولنا علي “التفكير بواقعنا المعاش و { بمبدأ } الخلق”، فهذه اللعبة  ” تم إختراعها كما يقول المؤلف في سنة ١٩٧٠ من قبل عالم في الرياضيات، إسمه جون كونواي” لهدف عمل إختبار لعالمنا الفيزيائي . حيث ممكن من خلاله دراسة موضوع بالغ في أهميته الإنسان و هو الإجابة علي السؤال: هل الإنسان مسير أم مخير؟ أو هل من الممكن أن تتطور القوانين و تتعقد مع تغير الظروف٠

هذه اللعبة الكمبيوترية هي عبارة عن عده مربعات صغيرة متجاورة في البعد الثنائي- طول و عرض – تشبه إلى حد ما طاولة الشطرنج و لكن لا يوجد لها حدود معينة. تبدأ بوضع معين في زمن معين بشروط و قوانين محددة -إبتدائية بسيطة – لتتطور إلي قوانين أعقد و تمثل البرنامج المراد التوصل من خلاله إلي نموذج معين يتكرر حدوثه ليس على مستوى المربعات الصغيرة بالتحديد و لكن على مستوي عام و بصورة أكثر شمولية تشبه كثيرا قوانين عالمنا الفيزيائي كقوانين الدحرجة مثلا و قوانين أخرى بنينا عليها الأساسيات التطبيقية في حياتنا  كأجهزة الكمبيوتر الذكية . ليس هذا و حسب بل تم إختبار هذه اللعبة من قبل كونواي و طلبتة بإضافات يتدخل فيها عامل خارجي علي النموذج الأصلي ليتم مشاهدة كيفية تطوره و تحريضه لتكوين خلق ذكي نسبيا و ذلك بإحتفاظ المربع {الخلية الواحدة} بتاريخ لكل البرمجة السابقة. و بينت المحاولات بأنه حتي المجموعة البسيطة من القوانين {في بداية اللعبة} يمكن أن تنتج صفات معقدة تشبه {خلق} الحياة الذكية في الكون الفيزيائي ” . فأهم شيء في هذا الكون هو هذه القوانين الإبتدائية و الأخرى التي تطورت عنها . لأنه لابد من  “أن مجاميع كبيرة من القوانين في الكون تتصف بهذه الميزة” حسب ما جاء على لسان المؤلف. و لكن “ما هو {الأساس} الذي يتم عليه إختيار القوانين الأساسية {البسيطة} ( بدلا من القوانين الظاهرة {و الأكثر تعقيدا من التى تطورت عنها }) و التي تتحكم في كوننا؟

فكما هو الحال في كون كونواي {حيث قمنا نحن بوضع هذه القوانين في صيغة برنامج }،  فالقوانين في عالمنا ممكن أن تحدد إتجاه تطور النظام الكوني المستقبلي إذا عرفنا حالة هذا النظام بأي وقت معين {أي بوجود برنامج} . و لكن في عالم كونواي نحن من يخلق القوانين – أي نحن نختار الوضع الأولي للكون و ذلك بتحديد المواد و أماكنها في بداية اللعبة” من إذا يضع القوانين الإبتدائية للكون الفيزيائي ليتطور كما هو الآن و ليخلق الذكاء الطبيعي المعقد؟

يقول المؤلف “نحن نعلم أن أي مجموعة من القوانين و التي تفسر عالم مستقر {يسمح بالتطور لقوانينه}  كما هو عالمنا  {الكون بالنسبة لنا في الأرض} ستدخل حتما فيه فكرة الطاقة {كبدايات}، و التي هي كمية {في نوعها } و محافظة {علي نفسها}، و هذا يعني أنها لا تتغير مع الزمن. فالطاقة في الفضاء الخالي  {الفراغ} ستكون ثابتة، و لا تعتمد لا علي الزمان و لا علي المكان { و لا تساوي صفرا، بل هي بالتقريب صفر} ، و أن هنالك شرط واحد فقط  يجب أن يلتزم به أي قانون فيزيائي {ليتم شرط الإستقرار } و هو أن الطاقة للأجسام المعزولة و المحاطة بالفضاء الفارغ {كالأرض مثلا } يجب أن تكون موجبة لتتجاذب مع نفسها، و هذا يعني أنه لابد من بذل شغل لكي يتم بناء  هذا الجسم المعزول ” و ليبقي تقريبا في حالة إستقرار علي هيئته. أي يحتاج إلى طاقة موجبة و ليست سالبة لأنه “لو كانت طاقة الجسم المعزول سالبة، فهذا قد يعمل علي تحريك جزيئاته {بعيدا عن بعضها حيث التنافر } لكي يتعادل طاقتة السالبة بطاقة موجبة  {مساوية لها } يحدثها حركتة {الحركة هي الشغل و الشغل موجب}.  و إذا حصل ذلك { أي وجد الجسم المعزول بطاقة سالبة} ، إذا  فلا يوجد سبب يمنع الأجسام من الظهور في أي مكان. و عليه فسيكون الفضاء الفارغ غير مستقر. و إن كان خلق الأجسام المستقرة يكلف طاقه، فعدم الإستقرار يجب أن لا يحدث لأنه و كما ذكرنا، طاقة الفضاء الفارغ  يجب أن يظل ثابت. و هذا ما يتطلبه لجعل الكون مستقر محليا – و ذلك حتي لا تظهر الأشياء في كل مكان من لاشيء . {و هذا أحد أهم قوانين كوننا}٠

فإذا كان المجموع  الكلي {الجبري} للطاقة الكونية مقيد بالثبوت علي الصفر في الفضاء {من أجل الإستقرار}، و إذا كان خلق الأجسام يكلف بذل شغل أو طاقة، فكيف كان للكون بإكمله أن يخلق من لاشيء؟ هذا هو السبب في أنه لابد أن يكون هنالك قانون مثل قانون الجاذبية. لأن الجاذبية تعني الجذب و الشد {لعمل التعادل }، و طاقة الجاذبية طاقة سالبة: ذلك يعني أن علينا أن نبذل شغلا لفصل الأجسام عن بعضها البعض {الإحتفاظ بمسافات بينها }، مثل فصل القمر عن الدوران حول الأرض. و هذه الطاقة السالبة بإستطاعتها أن تعادل الطاقة الموجبة التي تتطلبها خلق المواد. فالجاذبية هي التي تشكل المكان و الزمان، وهي التي تسمح للزمكان أن يكون محليا مستقر و لكن كونيا غير مستقر. ففي المقاييس الكونية، الطاقة الموجبة المصاحبة للمواد ممكن أن تتعادل مع الطاقة السالبة للجاذبية،{ فتموت نجوم و تحيا أخرى}، و لذا فلا يوجد مانع من خلق الكون بأكمله. و لأنه يوجد قانون للجاذبية، فالكون يستطيع ، بل و يقوم بخلق نفسه من لاشيء بالصورة { الكوانتامية الذرية } ” التي تم شرحها في الفصل السادس٠

الخلاصة أن ” الخلق العشوائي هو السبب وراء كون أن هنالك شيء من لاشيء، و  {هو الجواب للسؤال الذي يقول }لماذا يوجد كون، و  {الجواب للسؤال عن } سبب وجودنا . فلا يوجد هنالك حاجة لإلاه كي يشغل { المفتاح الرئيسي} ليبديء عمل الكون و يتركه ليستكمل طريقه” بل هذا  من طبيعة الكون الفيزيائي حسب الحتمية العلمية، و عليه فأهمية إيجاد النظرية الكلية هي بمثابة معرفة القوانين الإبتدائية في لعبة الحياة، و ” النظرية الكلية {التي ننشدها } يجب أن تكون متكاملة و شاملة و قادرة على أن تتنبأ بنتائج نهائية لقيم يمكننا قياسها {للتأكد منها } . فلقد رأينا أنه يجب أن يكون هنالك قانون كالجاذبية {مد و جذب }  ، و رأينا في الفصل الخامس بأنه حتي تكون نظرية الجاذبية قادرة علي عمل تنبؤات لقيم نهائية، فهي وجب عليها أن تمثل بصورة ما سميناه  بالسوبرسيمتري أو التناظر الخارق لنظرية الجاذبية. و لهذه الأسباب فإن نظرية-م  {و التي تشملها } هي النظرية الوحيدة المرشحة لإعطاء {الصورة الصحيحة } للنظرية الكلية للكون. فإن كانت {نظرية م } نهائية- و هذا ما يجب على العلماء إثباته – فستكون هي النموذج  {المثالي} للكون  الذي يخلق نفسه بنفسه. و {نخلق نحن} كجزء منه لأنه { و حتي هذه اللحظة} لا توجد نظرية متكاملة مثل هذا النموذج” أو بالأحرى لا يوجد لها منافس بالقوة٠

فنظرية ‘م ‘ هي “النظرية الموحدة التي كان آينشتين يتمني أن يجدها {حاول حتي الساعات الآخيرة من حياته علي فراش الموت}. و حقيقة كوننا  كبشر- و الذي نعتبر مجرد مجموعة من المواد الأساسية في الطبيعة- قد أتينا إلي هذا القرب من فهم القوانين التي تتحكم فينا و في كوننا ليس فقط هو النصر العظيم للبشرية. و لكنه أيضا  هو المعجزة الحقيقية في كون الفرضيات التجريدة للمنطق قادتنا إلي نظرية فريدة من نوعها تقوم بالتنبؤ و تفسر الكون الكبير الملييء بالأشياء المدهشة العديدة التي نراها. فإذا تم التأكيد علي هذه النظرية بالمشاهدة المستقبلية، فإن هذا سيكون هو بمثابة النتيجة الناجحة لبحث بشري بدأ منذ أكثر من ٣،٠٠٠ سنة. و نكون {بالفعل} وجدنا ذلك التصميم العظيم٠

*

كان بداية الفصل بين علم الفلك الفيزيائي و التنجيم الميتافيزيائي في عهد الدولة العباسية حسب جون فريلي في كتابه” مصباح علاء الدين ” -عملت له مراجعة سابقا في هذه المدونة

إلي هنا ينتهي الكتاب و يفتح الباب للمناقشة  العلمية للمادة المعروضة حسب رغبة بعض قرائي الأعزاء، و لكن قبل أن أنهي هذا الفصل أحببت أن أعرض لكم رأي بعض رجال العلم و الفلسفه في هذا الكيب

إنتهت المراجعة و أهلا بأي نقاش

Previous Older Entries