داعش…الإبن العاق للإخوان و السلف (2)0

تابع البوست الماضي

ماذا تفعل داعش؟

 

الإسلاميون، و بالأخص الإخوان المسلمون، و هم أكبر حركة إسلامية سياسية و أكثرها تنظيماً، يجيدون الإصطياد بالماء العكر و خطف الثورات. فمن الملاحظ أنهم حصدوا جميع ثورات الربيع العربي لصالحهم. هذه الجماعة و جماعة السلف نجحوا بالسابق في توجيه الرأي العام الإسلامي، و خصوصاً بعد تحالف فروع الإخوان بالخليج مع الحكومات الخليجية و لمدة عقود. هذا التحالف الذي فتح لهم الأبواب على مصراعيها، سواء بالتدخل في المناهج الدراسية و بالمساجد و بالإعلام، لتشكيل الثقافة المجتمعية و الفكر الشمولي الموجه. و هذه الحكومات، و خاصة بالكويت حيث مقر البنك الممول لحركة الإخوان، أغدقت عليهم بأموال البترودولار و أعطت فرعهم بالكويت كل السبل لتكوين جمعياتهم الخيرية دون مراقبه منها. و الجيل الكويتي الذي تربى على يد هؤلاء و إنضم لهم كتحصيل حاصل بعد الإستفادة من خدماتهم، أصبح مدللا بعد التخرج فتبوأ أعلى المناصب و صار عاملاً أساسيا في توجيه سياسة البلد

 

 و بهذا صار الإخوان المسلمون ماردا ضخما رأسه في مصر و مركز تمويله بالكويت، و أعضاؤه منتشرون بكل دول العالم، بما في ذلك أمريكا (المفكر الفرنسي من الأصول المصرية طارق رمضان، الذي ينادي بالإسلام الوسطي هو من الإخوان، و رئيس وزراء تركيا رجب طيب أوردوغان و حزبه من الإخوان و غيرهم كثير). و صاروا هؤلاء الذين يشكلون الصف الثاني للقوة بعد الحكومات بمنطقة الشرق الأوسط متفردين في توجيه الفكر الجماعي و الرأي الشمولي فيها؛ فكان من الطبيعي أن يصعدوا للحكم بالديموقراطية الغربية التي كانوا بالأساس يزدرونها قبل أن يكتشفوا أن بإمكانهم إستغلالها، عند خلع رؤساء هذه الحكومات من قبل شعوبها، و هذا ما حصل في تونس و مصر و كان سيحصل بسوريا و جميع الدول العربية لولا عوامل كثيرة تدخلت لمنع إمتداد الربيع العربي. أي أن الإخوان كانوا قاب قوسين أو أدنى للوصول إلى الخلافة

 

و سر قوة هذه الجماعة هو تنظيمها المعتمد على السرية الشديدة. و هذا التنظيم يشبه تنظيم الماسونية بالقرن الرابع عشر و الذي أساسه يعتمد على تشكيل خلايا صغيرة تعمل بصورة إستقلالية بحيث لا يعرف معظمهم عن أفراد الخلية الأخرى. و حتى لو عرفوا فهم ينكرون أية ولاءات لها. فعلى سبيل المثال؛ لطالما أنكر الإخوان المسلمون بالكويت ولائهم لإخوان مصر، لكن كل أقنعتهم سقطت عندما تخبطوا بعد سقوط مرسي. و كذلك حماس لم تعلن أبداً ولائها الأعمى لإخوان مصر، لكن العالم شهد و بكل إستغراب و دهشة كيف أن أول تشابك لحماس مع إسرائيل تم تسويته و بصورة سلسة خلال عدة أيام فقط من تسلم مرسي لمقاليد الحكم عندما تدخلت مصر للصلح بينهما. و هو الأمر الذي إستساغته أمريكا، ضانة و بكل سذاجة أن المشكلة الأزلية بين الفلسطينيين و الإسرائيليين في طريقها للحل تحت راية الإخوان

 

بإكتسابها  فن الإدارة و التنظيم من الإخوان و القاعدة و وحشية التعامل مع الأعداء من البعث و الدروس المكتسبة من التاريخ الإسلامي في جدوى الإرهاب، و بإستغلالها للشبكات و المواقع الإليكترونية و اليوتوب، تمكنت داعش من الإنتشار الإعلامي و كسب المجاهدين و إنضمامهم لها من كل الدول بما في ذلك الدول الغربية، و زرع الهلع في قلوب كل من تغزوهم معتمدة على قوة الشائعات التي خلقت منه غودزيلا لا ينجو أي من يقف في سبيله. فشعارها هو: إزرع الإرهاب بقلوب الناس كي يسهل عليك السيطرة عليهم. فعلوا ذلك عندما إستولوا على الرقة بسوريا، كما فعلوا في الموصل بالعراق حيث قاموا بقتل أكثر من 1500 شخص و ألقوا المئات من الجثث في نهر دجلة بدون أية مراسيم دفن أسلامية  أو غيرها ثم قاموا بتسجيل كل ذلك على أشرطة الفيدو و نشرها باليوتوب ليدب الخوف في قلوب السكان (و هذا ما فعل جيوش صدام بكل من قاوم من الكويتيين إبان الغزو العراقي، حيث مثلوا بجثثهم و رموها أمام منازل الأهالى كي يزرعوا الخوف بالقلوب، و كما فعلوا بالأكراد عندما رشوا قرى بأكملها بالكيماوي). و هنا سيضطر من لا يشاركهم الدين كالمسيحيين و الأزديين الأكراد أو من لا يشاركهم المذهب كالشيعة و العلويين بالفرار تاركين لهم الأراضي و الحلال. أما العرب السنة من الذين يترجون تعاطف داعش كونها تشاركهم المذهب، فكان نصيبهم الإشتراك ببعض الغنائم أو بالأحرى الأموال المسلوبة في البداية، و مساعدتهم بتنظيف آثار الدمار و حفظ أمن المنطقة لفترة لحين أن يتمكن المفترس من الفريسة قبل أن ينقض عليها هي الأخرى بتطبيق قوانين الشريعة التي بها يفرضون سيطرتهم و يشبعون رغباتهم و يغتنون مستندين على النص القرآني و السنة. و ما فتوى إستباحة فروج نساء المنطقة من قبل المجاهدين شرعيا تحت عذر نكاح الجهاد إلا مثال واحد من عدة

 

 و من الأهمية بمكان هو فهم عقلية من يمثلون داعش، أو من خلق فكرة داعش، و ذلك لكي نعرف كيف نتعامل معهم و نتقي شرهم قبل أن يبسطوا نفوذهم على المنطقة و مقدراتها النفطية و بالتالي على العالم

 

فهناك نقطة جذرية يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار، و هي أنه حتى تحت المذهب الواحد توجد إختلافات سياسية عديدة بين الأفراد. فالسنة مثلاً لا يشكلون فريق واحد، بل عدة فرق تشكل داعش واحدة منها فقط. و هي و إن كانت لا تختلف بالأساسيات الدينية لكنها تختلف لدرجة التكفير للغير بما يخص العبادات. و إن وضعنا عامل التنافس على السلطة، و هو العامل الأهم في تفكيك الدولة الإسلامية منذ نشوئها و حتى اليوم، نكون قد عرفنا نقطة ضعف داعش. و عكس ذلك، نجد أن نقطة قوة داعش و غيرها من الحركات السياسية الإسلامية يكمن في إتحادها. و لا يوجد شئ أقوى من خلق العدو الخارجي- حتى لو كان وهمياً- لكي يغض الناس النظرعن وحشية داعش و يوجهوا الأنظار و الجهود نحو العدو الخارجي. فالمثل العربي يقول: أنا و أخي على إبن عمي و أنا و إبن عمي على العدو. فالأمور في المجتمعات القبلية و التي تشكل جذور العرب و يشرعها الدين الإسلامي (في أدبيات “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى ” ) تقاس ليس بمن يشكل الخطر الحقيقي عليها و على مصالحها و أمنها و إستقرارها، و لكن بمدى قرب أو بعد هذا العدو

 

و دعونا الآن ننظر للأحوال العامة للإخوان المسلمين، الأم الشرعية لداعش، في دول منطقة الشرق الأوسط قبل الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني الأخير. هذه الفترة كانت من أصعب الفترات التي مرت على الجماعة بالمنطقة: فلقد تمت الثورة على مرسي و إزالته من الحكم في مصر، و ثار الثوار على الحكومة الإخوانية في تركيا، و وضعت جماعات الإخوان في الخليج العربي و بالأخص بالكويت، و الذين يمثلون البئر النفطي الذين، عملياً، هم من يمول كل جماعات الإخوان بالعالم، تحت مراقبة حكومات دول مجلس التعاون الخليجي، و بعضهم تم محاكمته بتهم التخوين في الإمارات. كما تم تجميد بعض مبرات الخير التابعة لهم بالكويت، و هي التي كانوا عن طريقها يمولون الإرهاب لمدة عقود دون أن تتحرك الحكومة الكويتية. و حصل شرخ بين دول مجلس التعاون الخليجي عندما إنقلبت على أحد أعضائها، قطر، و على قناة الجزيرة التابعة رسمياً لحكومتها، و ذلك لدورالأخيرة في دعم ومساندة الإخوان المسلمين. كما إنفصلت داعش إلى خليتين، في سوريا و العراق، تحاربان بعضهما البعض على أحقية كل منهما في منصب الخليفة، بعد أن عين العراقي، أبو بكر البغدادي نفسه خليفة، و أرسل مجاهديه لإبادة أختها حزب النصرة في سوريا، كما تبرأت منها القاعدة بحجة كونها “جماعة تكفيرية” و كأنها هي غير ذلك! و الأهم من ذلك كله أن حماس فقدت التعاطف العربي/الخليجي بعد قتلها الوحشي للمصريين في سيناء قبيل خلع مرسي من الحكم و إنقلاب الشعب المصري عليها كما حصل قبل ذلك بلبنان و العراق و الكويت

 

 

خلاصة الوضع أن هذه الفترة بينت للمسلم المغيب بشعارات “الإسلام هو الحل” خداع الجماعات الإسلامية و إستغلالهم القذر لكل شئ و بالأخص الدين و خطورة تقلدهم للسلطة، و عدم ملائمة الفقه و الشريعة المستنبطة من النص الحرفي، و خصوصاً ما يتعلق منها بشئون المرأة و الرق و معاملة غير المسلمين، لكل زمان

 

شئ واحد فقط بإمكانه توحيد شتات الشارع العربي/الإسلامي ، بمن فيهم الشيعة، مرة أخرى تحت راية الإسلام، كما فطنت حماس، ذراع الإخوان الأيمن، من تجاربها السابقة، و هذا الشيئ هو الحرب المقدسة في فلسطين، حيث وجود العدو التقليدي الخارجي على أراض تعتبر مقدسة لكل الديانات الإبراهيمية. و كل حرب توحيد تاريخية ثبت بالماضي نجاحها عند إثارة النعرة الدينية و خصوصاً إن كان العدو خارجي. فتسمية الحزب بالإخوان لم تأتي عبطاً، و كلما كانت صلة القرابة أكبر كلما زادت العصبية القبلية، و هذه الحقيقة لا تخص الشعوب العربية وحدها، بل هي طبيعة البشر. لكنها تسود بين شعوب و منها الشعوب العربية و تكاد تتنحى بين أخرى. و كل ما كان على حماس فعله هو إثارة هذه النعرة القبلية بالتحرش في إسرائيل، و ذلك لكي تشتت إنتباه الشارع العربي عن الكوارث التي سببها الإسلاميون في العراق و سوريا و تتناسي جراحها من الإخوان المسلمين و حماس بالخصوص، لتركز على موضوع إنساني، لن يتردد أي كان بإعطائه الأولوية، ألا و هو قتل الطفولة، و من يحصد أكثر ضحايا يزيد التعاطف العالمي معه، فكان لابد لحماس أن تتكسب من الوضع القائم بتقديم الأضاحي من أطفال غزة. و هذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها الجماعات الإسلامية بإثارة إسرائيل لتشتيت الإنتباه عن بطشهم و زيادة جيوب شيوخ الدين المرتزقة من التابعين لهم بالبترودولار، لكنها حيلة تنجح في كل مرة، و يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني البائس و أطفاله في كل مرة، مع أن المسرحية صارت معروفة من كثر التكرار. و هذه هي خطواتها:0

 

 إثارة إسرائيل بصورة أو بأخرى مع علم حماس (و كذلك حزب الله) أن إسرائيل سترد الصاع صاعين

 

إستخدام المدنيين و الشعب الأعزل كدروع بشرية. هذا بالإضافة لكون غزة و الضفة الغربية أصلاً مكثفة بالسكان حيث يقوم الشعب الفلسطيني بالتكاثر من أجل تقديم الضحايا للأرض (هذا ليس تبلي عليهم بل موثق في خطب سياسييهم و تصريحات شعوبهم)، و أية منطقة من مناطقها لن تخلو من المدنيين و العزل

 

نشر صور الضحايا المدنيين (و خصوصاً) الأطفال، كبروباغاندا إعلامية لكسب التعاطف العالمي، و إحراج العرب/المسلمون

 

 ثم الوصول لإتفاق بوقف تراشق النيران من الجهتين بعد ملئ جيوب رؤساء حماس بأموال البترودولار و ذلك عن طريق المبرات الخيرية الشعبية و لي أذرع حكام الخليج

 

و في كل مرة تقع إسرائيل في المصيدة بقيامها بالرد العنيف على كل إثارة من قبل الإسلاميين. و يكسب الشعب الفلسطيني التأييد الشعبي، كما يقوم حكام الخليج بفتح قنواتهم المالية لحماس… إلا هذه المرة

 

فعلى الرغم من نجاح حماس بتجييش الرفض العالمي ضد وحشية الرد الإسرائيلي و كسب التعاطف الإعلامي لمدنيي و أطفال غزة، و كسب تأييد المذاهب الإسلامية المختلفة لها، لكن الشارع العربي الذي تعود على حيل الإخوان بدا متناقض المشاعر حيال غزة هذه المرة، و خصوصاً في مصر و العراق و سوريا و دول الخليج العربي. فشعوب هذه الدول هم أكثر من إكتوى بنار الإخوان، و يعرفون تماما كيف تتحايل حماس و بكل الطرق لتحرج حكومات و شعوب المنطقة و تلوى أذرعتهم، ليس من أجل الأرض المقدسة و لا من أجل الأرواح البريئة التي تتسبب هي بقتلها قبل غيرها، بل لتملئ جيوب كبار شيوخ الإخوان بالأموال بعد أن تجبر حكام المنطقة على ذلك عندما تضعهم بموقف محرج. لكن حماس لم تحسب أن ردة الفعل هذه المرة ستكون مختلفة، و هذه الردة العكسية تجلت و بصورة واضحة بخطاب الملك عبدالله، ملك المملكة العربية السعودية، بأواخر رمضان 2014 و في عز الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني. فالملك أدان فعل الإسلاميين و وصمهم بالعار على الإسلام، و عكس ما كان متوقعا، لم يذكر إسم إسرائيل أو حماس بخطابه و لا حتى بالإشارة، على الرغم من كون الصراع الأخير و أطفال غزة شكلوا الحيز الأكبر من الإعلام العالمي وقتها. فالملك لابد أنه تعلم أن ما تحاول حماس عملة هو بتحييد الأنظار عن وحشية أختها داعش و إعادة كسب الثقة بالإسلاميين و خصوصاً بعد تبري الإخوان منهم،و لابد أن ذلك شكل خيبة أمل شديدة للإخوان و الذين كانوا يتوسمون إعادة الثقة بهم عن طريق حماس، لكن الملك لم يكن الوحيد الذي قال “لا” للإخوان، فهناك أيضا مصر، و رئيسها السيسي الذي لم يتحرك قيد إنملة تحت الضغط العالمي عليه، و لم يفتح رفح للجوء المدنيين، بل و الأدهى من ذلك رفض حتى الدخول بأية تسوية تكون حماس أحد أطرافها

 

و بنفس الوقت واصلت كل من داعش السورية و العراقية أطماعهما التوسعية، غير مبالية بحماس و الإخوان فدب الرعب في قلب جماعة الإخوان المسلمين لخوفهما من إنقلاب السحر على الساحر. فصارت تركيا و التي كانت تغض الطرف عن داعش و تعارض التدخل الأجنبي بالمنطقة، تعاتب أمريكا على سكوتها. و كذلك فعلت قناة الجزيرة، و هي التي كانت أول من صلبت حكام دول الخليج و شعوبها و وصمتهم بأقبح صفات الخيانة و العهر لإستعانتهم بأمريكا في حرب تحرير الكويت!0

 

هنالك درس تاريخي واحد على الأقل ممكن أن نستنتجه من كل ما سبق و هذا الدرس يتمثل في ترك الجماعات الإسلامية لمواجهة بعضها البعض و عدم التدخل المباشر من قبل الدول الغربية في شئونها الداخلية. فهذه الجماعات يميزها الحقد و الكره التاريخي بينها، و إن تركت في مواجهة بعضها البعض فهي حتماً ستشتت بحروب إبادة، قد تطول لمدة سنوات لكن بالآخر سيصل شعوبها إلى القناعة بالعلمانية و الديموقراطية المبنية على الأساس العلماني في عدم السماح للدين و شيوخه بالتدخل في شئون الدولة السياسية و الإجتماعية و الإعلامية و التربوية و سيفقه الشارع أهمية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب للوصول إلى العدالة الإجتماعية التي تحفظ حقوق المواطنين بغض النظر عن ديانتهم أو إثنيتهم أو جنسهم. فهذه المبادئ لا تلقن من الغير و لا يمكن للغرب، و الذي تعلمها بعد تجربة حروب دينية دموية قاسية دامت أكثر من ثلاثون سنة، أن يفرضها على المنطقة. فها هي الديموقراطية تفشل في كل من فلسطين و العراق و مصر عندما فرضها الغرب بسبب قصر النظر الشعبي لخطورتها عندما تطبق على أسس غير علمانية. الديمقراطية العلمانية تكون بعدم السماح للأحزاب الدينية بالإشتراك بالسياسة، فمكان شيوخ الدين هو المسجد و المعبد و الكنيسة و ليس الحكومة و المدارس الحكومية و وسائل الإعلام الرسمى، كما أن مكان الطبيب هو المستشفى و ليس كراجات السيارات. و البرمجة الدينية في الوقت الحالي هي الطاغية على العقلية الحالية لهذه الشعوب العربية و ذلك لسيطرة الإسلاميين على الفكر الشمولي للشارع، و أيه فرصة للإختيار الديموقراطي سيكون منحازا بطبيعته لرجال الدين لكونهم يمثلون كلمة الله في مقابل كلمة البشر، و طبيعي أن تكون كلمة الله هي العليا، و الأخطر من ذلك كله هو إدراك الغرب أن أي تدخل خارجي له ردة عكسية عليها متمثلة بإتحاد جميع هذه القوى ضد العدو الخارجي و هذا سيشكل وبالا على شعوب المنطقة على المدى البعيد

 

الديموقراطية و العلمانية أمور تكتسب و تغرس كقناعات و لا توهب و لا تفرض من قبل الغير، و إلا فإنها ستشكل قوى تُسْتَغَل، كما تُسْتَغَل النصوص الدينية، في القضاء على نفسها بنفسها، و ستظل المنطقة تدور في دائرة العسكر و الحرامية و يتوارثها الدكتاتوريون سواء لبسوا البدلة المدنية أو العسكرية أو العمامة الدينية. الدولة المدنية تحتاج لإدارة مدنية علمانية مبنية على أسس الإدارة الحديثة المستقاة من تجارب البشر و ليس “بالفهلوة و لي الذراع” و لا بنصوص بالية، و إن كانت صالحة لزمنها، و على دستور علماني أساسه العدالة الإجتماعية يضعه الشعب بنفسه معتمداً على كل التجارب الإنسانية و ليس مفصلاً على دين أو إثنية أو مذهب. فالإنسان هو الإنسان أينما كان. و حتى تفهم الشعوب المنكوبة معنى ذلك فعليها أولاً أن تكتوي بنار الجماعات الإسلامية بالتجربة و الحروب و التضحيات فتغير الخطاب الديني عندما تقتنع بعدم جدوي الإعتماد على النصوص الدينية حرفياً و الإصرار على تطبيقها و فرضها في القرن الواحد و العشرين، لا بالسياسة و لا بالإعلام الموجه و لا بالمناهج الدراسية

إنتهى

داعش…الإبن العاق للإخوان و السلف (1)0

 داعش هو تصغير لإسم الدولة الإسلامية في العراق و الشام. و الشام هو إسم كان يطلق قديما على سوريا و لبنان و إسرائيل/فلسطين  و الأردن و قبرص. أما حاليا فهو يطلق على سوريا فقط. 0

من هي داعش؟

داعش عبارة عن جماعتين من الطائفة السنية التكفيرية، إنفصلتا عن أمهما القاعدة بعد قيام الحرب الأهلية بسوريا و إنتشار الفوضى التي تلتها، و شكلتا بإتحادهما قوة واحدة يجمعها أيديولوجية فكرية أساسها التمسك الحرفي بالنص الديني و   هدفها إعادة تكوين الخلافة الإسلامية و نظام الإمبراطوريات البائدة و من ثم السير على نهج السلف في غزو العالم إستكمالاً لل “الفتوحات الإسلامية” لنشر الدين الإسلامي بالسيف و الإرهاب.0

فمنذ أنحلال الإمبراطورية العثمانية في 1923 و تقسيمها برسم الحدود لدويلات أصغر من قبل الإمبريالية العالمية و وضع قوانين المواطنة لكل منها بعد أن كان أغلبها أرض واحدة تشمل قبائل لها كامل حرية التنقل فيما بينها، تاقت الشعوب العربية و الإسلامية و كذلك سياسيو المنطقة الطامعون بالسلطة لإعادة الإمبراطورية تحت راية قومية تجمع شعوبها، مستغلة كل فرصة لتكوين قوى عظمى. و خلال هذه المحاولات ظهرت على السطح أكبر أيديولوجيتين على مستوى المنطقة، أحدها كانت القومية العربية، و هي حركة تنادي بالوحدة للشعوب التي يتكلم سكانها اللغة العربية من شمال أفريقيا و غرب أسيا، و المحيط الأطلسي إلى بحر العرب. هذه الحركة كسبت تأيداً شعبيا بصورة فاقت كل التوقعات في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي بين العرب. و الحركة الآخرى كانت حركة الإخوان المسلمون، و هي حركة سياسية دينية ذات إدارة ماسونية سرية، لم يكن لها بالبداية نفس تأثير القوميون بالشعوب العربية، مع أنها ظهرت قبلها في عام 1928

 

و ظهر بالأفق أيضاً عدة حركات  أخرى أصغر بالمقارنة و أكثر محدودية. أحدها حركة أو حزب البعث العربي الإشتراكي، الذي تأسس في 1947 على يد ميشيل عفلق و صلاح الدين البيطارتحت شعار أمة عربية واحدة ذات رسالة خالده و تحت أهداف تتركز في “وحدة، حرية إشتراكية” و كانت حركة تجسد الوحدة العربية و التحرر من الإستعمار و الإمبريالية. لكن هذا الحزب لم يكن له أن ينتشر خارج حدود العراق و سوريا، و خصوصاً لكونه تميز بالطريقة الوحشية بالتعامل مع أعدائه، و تاريخه فائض بالإغتيالات الدموية السياسية. و الحركة الأخرى كانت الحركة الوهابية (معروفين كذلك بالسلفية)، و هي حركة راديكالية تتقيد بالنص القرآني الحرفي و تفسير إبن تيمية (1263-1328) . قامت على يد الجهادي المتطرف محمد عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، و الذي كان يريد من خلالها توحيد المسلمين و إرجاع الخلافة الإسلامية و فرض المذهب السلفي بإبادة كل من يخالفها. لكن عندما لم يكتب للحركة الإنتشار ظلت محدودة بجزيرة العرب، و خصوصاً بعد تحالف محمد عبدالوهاب و محمد بن سعود، أول ملك للعربية السعودية، على أن يفرض عبدالوهاب الفقه الحنبلي و طريق السلف في التخلص من البدع و الخرافات (كل ما هو حديث بالمجتمع) و نبذ الشرك في مقابل أن يستمر الملك في ذرية بن سعود. و نتج عن هذا التحالف ميلاد الدولة الملكية بجزيرة العرب و تم تسميتها بإسم عائلة بني سعود.0

 

كل هذه الأيديولوجيات حملت كرها طبيعيا للإستعمار و الإمبريالية، و لاحقا للرأسمالية. أو بمعنى أخر، كل ما يمثله العالم الغربي. و مع أفول نجم القومية العربية التي لم يكتب لها الإستمرار طويلا، و خصوصاً بعد الغزوالعراقي للكويت و إنقسام الشارع العربي، إزدهرت الحركة الإسلامية، و الأسباب كثيرة، لكن ما يهمنا هنا هو سبب جوهري يتلخص في تحالف حكام الدول النفطية مع الإسلاميين، ليس بسبب ورع هؤلاء الحكام، لكن خوفاً على مراكزهم من المد العربي القومي. فالإسلاميين كانوا وسيلة هؤلاء الحكام لوقف المد القومي، لأنهم يعلمون بأن الأيديولوجية لا تحارب إلا بالأيديولوجية. و هذا التحالف ظهر واضحاً عندما حضنت الحكومات الخليجية فوج من الإخوان المسلمين المطرودين من مصر بعهد الرئيس جمال عبدالناصر الذي أراد أن يتخلص من منافسيه فحاربهم بشراسة، فقتل البعض و ألقى بالبعض في السجون و لاذ البعض الآخر بالفرار. هذه الحكومات و بأمر من حكامها لم تكتفي بإعطاء الإخوان المسلمين المال و المأوى، بل فتحت لهم كل مؤسسات الدولة التعليمية و التثقيفية و المالية و الوقفية بدون رقابة. فكبروا و كونوا قوة الصف الثاني بهذه البلاد، تنافس قوة التجار فيها

 

لكن لحين قيام الحرب الأفغانية ضد الإتحاد السوفييتي، ظلت قوة الإسلاميون بالمنطقة من الإخوان المسلمين، و الوهابيين تحت السيطرة، و خصوصاً لأن الفريقان يعتبران أنفسهما متنافسين تقليديين من حيث الأيديولوجية الدينية السنية. و لو تركا لوحدهما لفتكا ببعضهما البعض. لكن الحرب في أفغانستان وحدتهما تحت راية واحدة ضد عدو مشترك لاشك لديهم في كفره. فإجتمع الإخواني أيمن الظواهري مع الوهابي أسامة بن لادن و شكلا قوة قامت أمريكا بتسليحها و تدريبها، و الدول الخليجية بتمويلها، و جميع العرب و المسلمون شاركوا بالمجاهدين

 

هنالك مثل يقول بأن العدو الذكي خير من الصديق الغبي. و عندما قامت أمريكا بإستغلال الشعوب الإسلامية للعب دور البروكسي بين القوتين العظمتين وقتها، و جهزت المجاهدين من العرب و المسلمين بمساعدة من حكام الخليج و تبرعات الأهالي للحرب على روسيا الكافرة بأفغانستان، لم تكن أمريكا و الحكام العرب و لا حتى الشعوب المسالمة يدركون أنهم بفعلتهم تلك إنما يخلقون فرانكنشتاين الذي سيرجع عليهم بالخراب و الدمار. فلأول مرة بالتاريخ الإسلامي تتحد جبهتا الإخوان المسلمون و الوهابيون أمام عدو خارجي مشترك، و تحاربان جنباً إلى جنب كمجاهدين، يملكون القوة و المال و العتد و العتاد و يتمتعون بالتأييد العالمي. فإذا كان بإمكان هذه القوة المستحدثة بأن تهدم هيكل الإتحاد السوفييتي و تحوله إلى دويلات في عام 1991، فما الذي سيمنعها من بلوغ حلمها في إرجاع الخلافة الإسلامية و خصوصا بعد أن حصلت على العذر الشرعي من نصوص الدين الإسلامي لمحاربة الغرب و حكام الدول النفطية عندما سمحت الأخيرة بإقامة القواعد الأجنبية على أرض الجزيرة العربية في حرب الخليج الأولى لتحرير الكويت ؟

 

هؤلاء المجاهدون المجهزون إتحدوا مرة أخرى على محاربة الغرب الكافر المتمثل بأمريكا، و التي صارت هي القوة العظمى الوحيدة العائقة لبلوغهم الخلافة الإسلامية، و ذلك بعد رجوع بعضهم لبلدانهم الأصلية و تكوين الخلايا المحلية على نهج السياسة الإخوانية و هجرة البعض الآخر للدول الغربية التي أعطتهم لجوءاً سياسياً و معونات إجتماعية بعد أن لفضتهم دولهم الأصلية خوفاً من تطرفهم، و فتح لهم ملك السعودية المدارس و المساجد بالدول الغربية ليشغلهم بالوعظ و يكفي نفسه و بلادة من شرهم، فقاموا بدورهم بتشكيل خلاياهم. و بهذا الإتحاد تم الإيذان بميلاد القاعدة، بإدارة إخوانية و فكر وهابي سلفي متمثلاً بشخصية أيمن الظواهري و بن لادن. هذه القوة صار رأسها في أفغانستان و باكستان و خلاياها في جميع الدول العربية والإسلامية و الغربية (الشباب في الصومال، بوكوحرام في نيجيريا، النصرة في سوريا كلها أمثلة لهذه الخلايا). و زاد قوة هذه الخلايا، خصوصاً بعد نهاية حرب الخليج الثانية لإنضمام أفراد من مسلمي جيش صدام البعثي السنى المنهزم للقاعدة. فجيش صدام الذي كان قوامة 100 ألف جندي وجد نفسه فجأة بلا عمل و لا مأوى بعد ثمان سنوات من الحرب العراقية/الإيرانية و إحتلال الكويت، فكان من السهل على القاعدة أن يستدرج السنة منهم لصفوفه و يساعدهم في إستعادة السلطة بالعراق بعد تفرد الشيعة بالحكم، و رد الصاع صاعين للغرب الذي شردهم، و كانت الفرصة مواتية، و خصوصاً بعد قيام الحرب الأهلية في سوريا و إنظمام بعض سوريي القاعدة التابعين للخلية العراقية في سلك المجاهدين بخلية النصرة التابعة للقاعدة ضد الثوار في سوريا و ضد العلويين

 

و بيئة الفوضى في سوريا هيئت لتشكيل داعش لطمع أفراد الخليتين بالإستفراد بالسلطة و الإستغناء عن القاعدة بعد حصولهم على القوة بالإستيلاء على الرقة و تحويلها عاصمة للدولة الإسلامية و بنهب الأموال من الموصل و التي بلغت أكثر من 500 مليون دينار . و مما ساعد على هذا الإتحاد هو كون الخلية العراقية و الخلية السورية تشتركان طبيعيا بجذور الأيديولوجية البعثية و طريقتها الدموية في التخلص من أعدائها. و عندما أحست داعش بالإكتفاء الذاتي قامت بالإنفصال عن القاعدة لتشكل قوة جديدة تستغل الدين و تعاليم الشريعة على النهج الحنبلي لتستعبد الشعوب و تغيبها لكي تستحوذ على السلطة و تبدأ منها إمبراطوريتها، متخذه لنفسها إسم داعش، و مؤخراً: الدولة الإسلامية فقط. فالهدف بالنهاية لم يكن توحيد العراق و الشام بل الإستفراد بالسلطة و إعادة الخلافة الإسلامية و جمع كل دول العالم تحت راية الخليفة السلطان

لماذا نجحت هذه الحركات؟

اليوم نرى أعلام داعش تملأ الشوارع في كل بلاد العالم، و شارات رابعة التي تمثل الإخوان المسلمين بمصر يكاد لا يخلو منها موقع بالنت، و لازالت صور صدام حسين ترتفع في بعض المظاهرات و قبلها صور جمال عبدالناصر و عبدالكريم قاسم، فما الذي يعطي هذه الرموز القوة الجماهيرية الشعبية مع أن الأغلبية يعلمون أن غالبية هؤلاء إستغلوا الإنتماء القومي و الديني الطبيعي عند الأفراد ليحققوا  أجندات سياسية و مالية؟

 

هناك عدة أسباب بنظري، و أحد هذه الأسباب و قد يكون أهمها هو أن الشعب الإسلامي و العربي يتميز بالثقافة التوتاليتيرية المكتسبة على مدى عقود، بالأخص من الدين الإسلامي المستند على الثقافة البدوية. و التاريخ الدموي، سواء كان ذلك بفترة الفتوحات الإسلامية أو الإستعمار صقل هذه الثقافة و أكسب المسلمون جلفة غير طبيعية و لا إنسانية (مثال ذلك ترفع الإعلام الغربي عن نشر صور الجثث بينما يعج الإعلام الإسلامي بها). فأصبحت مفاهيم مثل الفردية تخيف أغلبية من يعيشون بهذه المجتمعات، و حرية الفكر يعتبر كفر، و الحرية بصورة عامة مصطلح له تعريف يختلف عن المفهوم العالمي، فيعتبره البعض فلتان و كسر القوانين. بل أن الرأي الشخصي أصبح خيانه و خروج عن الملة. أما الحقوق الإنسانية و التي حارب الغرب سنينا طوال لكي يكتسبها، و تبنتها أغلب دول العالم، فعند المسلمين معكوسة بمفاهيمها بصورة حدث و لا حرج؛ فسلب المرأة لحقوقها كإنسان و ليس كمواطن درجة ثانية تحت قوانين دولة الشريعة الإسلامية صار تكريم لها، و التضحية بالدنيا من أجل وعد بحياة أخرى صار نبلاً و شهامة، و قتل النفس في سبيل قطعة أرض صار شهادة و مروءة و الأمثلة لا تعد و لا تحصى

 

تعاليم الدين و التاريخ الدموي صنعت من هذه الشعوب أفراد تعيسة لدرجة الملل، أستغلالية لدرجة الرهبة، يسود بينها ثقافة الموت و تعتبره فضيلة، تتوالد و تتكاثرفي سبيل التضحية كدروع بشرية يستغلها المرتزقة من شيوخ الدين في نمو ثرواتهم و بسط سيطرتهم، و لا يحركها صور الجثث إلا إذا كان القاتل عدو خارجي، بل عندئذٍ لا تتوانى في نشر هذه الصور المفزعة للكسب الإعلامي. هذه الشعوب يلعب بها و يستغلها و يوجهها كل من لديه حيلة، و خصوصاً إن كانت دينية. و يحركها صورة البطل المنقذ فتصنع من الإرهابي ليس فقط بطلاً مغواراً بل رمزاً و صنماً. و المرتزقه يعرفون جيداً من أين تؤكل الكتف، و لا عجب عندئذ إن تحول الفاسق-بالمفهوم الإسلامي للفسوق-أبو بكر البغدادي، البعثي سابقاً، إلى خليفة للمسلمين، يمجده أتباعه و يعتبرونه المنقذ. كل ما كان عليه أن يفعله هو تربية لحية و لبس جبة و الصعود على المنبر تحت راية لا إلاه إلا الله حتى يقنع الآخرين بضرورة الإنحناء تحت جبته، لأنه يتحدث بإسم الله، و هم عبيد الله

يتبع

هوس الأغلبية بالطاقة الكونية (3)0

تابع ما مضى :0

أما تعادل تقطيب الجسم (بصورة عامة) فهو يتم بالغذاء المتوازن للحصول على نسبة و تناسب بين كمية البوتاسيوم و الصوديوم بالجسم و ليس بحركة يد أو إسورة نحاسية

 التفكر هو عملية معقدة يقوم بها المخ كوظيفة، و هو نوع من الإشعاع الكهرومغناطيسي (أي موجات من الطاقة التي تسافر بسرعة الضوء). و الفرق بينها و بين أي موجات كهرومغناطيسية أخرى هو التردد، أو طول الموجة. أما قوة تردده فهي ضعيفة جداً بحيث لا يمكن قياسها على بعد قدم واحد خارج الجسم* (قارن ذلك بعملية رصد النجوم من خلال قياس موجاتها الرادوية). و هو و إن كان ليس كائناً مادياً ألا أنه يعتمد و بصورة حتمية على عضو مادي، و عمله محصور بالجسم الذي يخدمه. و عليه فإرسال الموجات الفكرية بالتلاباثي و التحكم بالطاقة الكونية من خلال الموجات الذهنية لا يحصل إلا في أفلام الخيال العلمي.

يقول البعض بأنه حتى لو لم تنفع البوصلة في إثبات طاقة الجسم فهنالك أجهزة مثل تلك التي تستخدم في الكشف عن الكذب تعطينا مؤشرات بوجود هذه الطاقة الواعية التي تصدر عن الجسم عند الإستجواب.

و هذا الكلام غير دقيق، فالأجهزة التي كانت تستخدم للكشف عن الكذب، و أشهر أنواعها البوليغراف، تعتمد على قياس ضربات القلب و ضغط الدم و التعرق عندما يكون الشخص معرض للإثارة النفسية بالإستجواب. فالجهاز العصبي في هذه الحالة يرسل شارات للغدد لتقوم الأخيرة بفرز الهرمونات بالدم، و تعمل عندها الهرمونات على زيادة ضغط الدم و الذي يصاحبه زيادة ضربات القلب و التعرق. أي أن العملية برمتها فيزيولوجية محلية و لا توجد طاقة واعية تصَدر لخارج الجسم. هذا مع العلم بأن المحاكم الأمريكية كانت قد توقفت و بأمر من المحكمة الكلية في عام 1998 من إستخدام هذه الأجهزة للدلالة على الكذب لأنها “غير دقيقة”. فهي تعتمد على خبرة من يقوم بالقياس و كذلك على درجة تأثر كل إنسان بالإستجواب (بينت الدراسات** بهذا المجال بأن هنالك الكثيرين ممن يصاب بالهلع من الإستجواب حتى لو كان بريئاً، و على عكس ذلك هنالك من لا يتأثر بتاتاً حتى لو كان مجرماً،  فتظهر النتيجة عكسية)، فهذه عوامل بالنهاية ليست ثابتة لكي يستند عليها.

و هناك من يقول بأن عدم وجود أجهزة قياس لا ينفي وجود هذه الطاقة الكونية لأن المشكلة هي في قصور العلم. و هذا بعيد جداً عن الحقيقة، فالعلم الذي بإمكانه اليوم أن يرصد كويكبات بالسماء و يحيد من إتجاهها إن كانت في مجال الإصطدام بالأرض ليس من الصعب عليه أن يخترع جهاز لقياس طاقة تصدر من الجسم للخارج إن كانت هذه الطاقة بالفعل موجودة. لكن المشكلة أن مثل هذه الطاقة لا يوجد حتى أساس نظري على وجودها و لا تعريف علمي لها، مع أنها معروفة منذ آلاف السنين و يعتمد عليها أغلب سكان الأرض في تكوين نظرتهم العالمية، و في تشكيل أبجديات لغتهم على شيئ غير مفهوم

أما عن معلم الريكي، فهو يعتمد على حرارة الجسم في التمويه، و حرارة الجسم كما ذكرنا قيمة موضعية لا تتحول إلى قوة كهرومغناطيسية مؤثرة كالجاذبية الأرضية بالتركيز مع حركة اليد بالقرب من الجسم، و إلا كانت النجوم ستصبح في حالة فوضى عند كل تحريكة يد

تقول إحدى معلمات الريكي: عندما أحرك يدي بمجال هالات جسم المريض فأنا بالواقع أبحث عن مناطق الحرارة المركزة، أو البرودة غير عادية، أو طاقة طاردة، أو طاقة متمركزة، أو طاقة ممغنطة، أو الإحساس بدغدغة، أو طاقة تجذب يدي لتلك المنطقة. عندها أعلم أن هذه المنطقة تحتاج لطاقة الريكي و تعادل الشي

chi

للمريض

الأن لاحظ بأن كلمات مثل “هالات”، “طاقة ريكي”، و “شي” ليس لها تعاريف علمية. أما الحرارة المركزة و البرودة غير العادية فهذا أيضاً علمياً لا تعنى شئ لأن حرارة الجسم واحدة و إن كان بها بعض الإرتفاع فنستطيع أن نقيس ذلك بدقة بإستخدام مقياس الحرارة أي الثرموميتر. أما “طاقة متمركزة” و “طاقة ممغنطة” و كذلك “طاقة جذب اليد للمنطقة العليلة” هو أقرب لعمل طبيب الشامان و السحرة من أن يكون علماً يليق بالقرن الواحد و العشرين

و لكن ما هو سر تصديق الناس لهذه الخزعبلات؟ و كيف لشعب كالشعب الأمريكي و الذي وصل علماؤه للتبحر بالكون و فك أسرار الذرة بأن يكون من أكثر شعوب العالم سذاجة أمام هذا “السحر الشرقي”؟ فالكثيرين من أمثال الهندي ديباك شوبرا و الذي كان سيكون مجهولاً لو بقي في بلده بين الملايين ممن يرَقصون الثعابيين و يتحدثون مع الأموات، أصبح أشهر من نار على علم و كوّن الملايين من الدولارات بسبب بيع هذا الوهم للسذج. و للأسف تجد المشاهير و من يعتبرون من الطبقة المثقفة من أمثال أوبرا ونفري و غيرها هم من يتبنونهم  و يشاركون في نشر علم الجلاجلا. و هناك شركات تصدرأفلام وثائقية، إشترك بها علماء و متخصصين، مثل

The Secret  و What the Bleep do we Know

 وغيرها من التي وصلت مبيعاتها أرقاما خيالية، ليس لأنها تطرح مادة علمية مفيدة، بل لأنها تبيع ما يريد الناس أن يصدقوا، و هو أن هنالك شئ آخر خلف هذه الطبيعة أو ما يسمى بالميتافيزيقيا (هل يختلف هذا الفكر عن فكر من يؤمنون بنظريات المؤامرة؟)0

قالت لي: لو لم يكن هذا علماً حقيقياً لكان إندثر من آلاف السنين

فقلت لها: لو كان “علماً” نافعاً لما تطور الطب الحديث كبديل

فقالت: ألا يدل شفاء الكثيرين من أمراض مستعصية على الطب الحديث، كالسرطان و غيره دليلاً كافياً على تفوق الطب الشرقي البديل بالعلاج بالطاقة؟

فأجبتها: لو كانت هذه المعلومات صحيحة لكان إرتفع معدل عمر الإنسان في تلك الأزمنة الغابرة و قبل التطور في علوم الطب، و لما كان الشخص يعتبر بإرذل العمر في سن الثلاثين منذ قرنين ماضيين فقط. و من يدرى، فشخص مثل ستيف جوبز كان ممكن أن يكون حياً اليوم لو أنه كان لجأ إلى الطب الحديث عند إكتشافه لمرضه بدلاً من اللجوء “للطب البديل”0

فقالت: ما هو إذا تفسيرك براحة المريض بعد جلسة ريكي أو راجا يوغا

فرددت عليها قائلة: بلاسيبو

placebo

، أي أن الراحة النفسية تؤثر على فيزيولوجية الإنسان فيشعر بأنه معافى لفترة من الزمن مع أن المرض لازال متمكن بجسمه. (مثل ذلك كمثل بلع حبة سكر ضناً بأنها بانادول فترتخي أعصاب المريض و لا يشعر بالصداع، لكن ذلك لا يزيل المرض الأساسي الذي سبب الصداع)0

فقالت: طالما هو غير ضار و يعمل على راحة المريض فلماذا نعكر المياه، لندع من يريد أن يعتقد ما يريد أن يعتقد حتى لو كان غير مستند إلى أساس علمي صحيح

و عندها سكت.

المحادثة السابقة كانت مع إحدى الصديقات، و هي إنسانة جداً مثقفة و تعمل مدرسة في إحدى الثانويات الأمريكية! أما صديقتي المهندسة الكويتية فلقد أهدتني منذ فترة قصيرة كتاب لديباك شوبراً تقول عن مزاياه ما لم يقله مالك بالخمر.

* http://www.nebraskamed.com/neuro/meg-center

** https://antipolygraph.org/articles/article-018.shtml

(1)هوس الأغلبية بالطاقة الكونية

أ- مثل العمود الفقري للجسم كمثل لوحة الكهرباء للمنزل. فكما أنه لا يعمل التكييف و لا البراد و لا المصابيح الكهربائية و لا التلفزيون أو أي جهاز كهربائي دون تشغيل المفاتيح في لوحة المفاتيح الكهربائية الموجودة في زاوية من المنزل، كذلك يصاب الجسم بالشلل التام بدون عمل الجهاز العصبي الموجود بالدماغ و على طول العمود الفقري، حيث يوجد مفاتيح التشغيل أو بالأصح العقد الرئيسية التي يمكننا أن نشغلها بتوازن الشكرات الموجودة على طوله، و ذلك لمد الجسم بالطاقة اللازمة. و كما يتم تحديد كل مفتاح في لوحة المفاتيح الكهربائية بالمنطقة التي تخدمها، كذلك يقوم العلماء بتحديد الشكرات بالألوان ليفرقوا بينها و يحددوا المناطق التي تخدمها في الجسم. و تسمي هذه الشكرات بعُقد الطاقات الكبري. كما يوجد عدد كبير من هذه العُقد بالجسم، و لكنها أصغر حجما و أقل قوة و لذا تسمى العقد الصغري أو الجانبية، و تكون وظيفتها خدمة الجزء المحلي كالأطراف، كما هو الموزع الكهربي في كل غرفة

ب- هذه العقد بالجسم تعمل، مع جريان الدم في الشرايين و العروق، على تقطيب المعادن الموجودة بالجسم لتصل للتعادل بين الأقطاب السالبة و الأقطاب الموجبة في المعادن الموجودة بسوائل الجسم و في المعادن الأخرى حولها بالكون حتى يصبح الجسم سليماً معافى. و إن إختل هذا التوازن يتأثر جهاز المناعة فيعتل الجسم

ج- حتى يصل الجسم لهذا التعادل في تقطيب أيوناته فلابد أن تكون الطاقة في معادن الجسم في إنسجام تام مع الطاقة المحيطة. فجسم الإنسان جزء لا يتجزأ مما هو حوله بالكون. أو بمعنى آخر هو جزء من الطاقةالكونية

Universal Energy

علم الكوانتوم ميكانيكس

Quantum Mechanics

أو الفيزياء الكمية، و هو العلم الذي يتعامل مع الجزيئات الدون ذرية (الذرة ليست أصغر شيء بالمادة)،  بيّن غرابة هذه الجزيئات في تحركاتها، فهي ممكن أن تختفي من مكان لتظهر بمكان آخر يبعد عنه بمئات (أو قد يكون ملايين) الأميال. و هذه الجزيئات تحمل طاقة و شحنة، و هذا إثبات كافي من العلم الحديث بأن الطاقة ممكن أن تتحرك لتصل إلى كل مكان و تؤثر على الطاقات الأخرى في طريقها. لكن الأغرب من ذلك كله هو أن هذه الجزيئات قد تغير من “فكرها” و لا تظهر بالمكان الذي نتوقعه عندما يكون هنالك من يراقب تحركاتها! و هذا دليل على أن الجزيئات في الذرة تملك نوعاً من الوعي و الذي هو جزء من الوعي الكوني

Universal Consciousness

د- بينت البحوث العلمية التجريبية أن هنالك عدة طرق للحصول على هذا الإنسجام و التعادل و التوازن في طاقة الجسم مع الطاقة الكونية. فعلى سبيل المثال و ليس الحصر

 لبس أساور معدنية (في العادة مصنوعة من النحاس) يعمل على تقطيب المعادن بالجسم لبلوغ هذا التوازن. و هناك من يعتقد أن حجر التركواز أو العقيق له ذات التأثير

 الإسترخاء برياضة الراجا يوغا يعمل على السمو بالروح للوصول إلى اليوك

yoke

و يقصد بذلك التلاحم أو التوحد مع الطاقة الكونية الطبيعة و بالتالي بلوغ الجسم لهذا التوازن المطلوب

  اللجوء لمعلم الريكي

Reiki

 و هو غورو يملك قوة تحكم، ليس فقط بطاقته الذاتية و لكن أيضاً بالطاقة الكونية، فيقوم بالإستعانة بطاقته الفكرية و تحريك يده على مسافة من جسم المريض (دون أن يلمسه) بمعرفة مواقع الخلل فيه و من ثم تسخير الطاقة الكونية لعمل التوازن المطلوب في جسم المريض فيشفى

( علم الريكي لديه اأيضاً القدرة على أن يزودك بالطاقة لتصبح أنت أيضاً معلماً و شافياً لأمراضك و أمراض الغير. فالطاقة بهذا المفهوم شيئ يوهب (و بالنتيجة يسلب

 هذا مع العلم بأن التحكم بالطاقة الكونية ليس مقتصراً على معلمي الريكي، فالطاقة الفكرية إن تم إستخدامها بصورة حِرَفية فهي ستجذب ما نريد و تبعد عنا ما لا نريد.فقانون الجذب

Law of Attraction

يخبرنا بأنه بإستطاعة أي كان أن يركز طاقتة الفكرية و لمدة من الزمن على شئ معين (كالحصول على ترقية مثلاً) كي يتحقق مطلبه دون أن يسعى هو لذلك

إن كان ما ذكر أعلاه يبدو لك منطقياً  أو علمياً، فأنت لست وحيداً في هذا، فأغلبية البشر يغدقون بالصرف سنوياً و بصورة مستمرة من بداية التاريخ البشري و حتى اليوم في شراء وهم الطاقة الكونية، سواء باللجوءإلى المنجمين (ينعتون بالعصر الحالي بالروحانيين) أو التنجيم ( “علم” الأبراج) أو الريكي أو الراجا يوغا أو مجالات البايو (نسبة للبايولوجي) أو التعادل النواتيكي

Noetic Balancing

 و دراسة الهالات و التنظيف و التشغيل و النورانية و التحسس و القوى السالبة و نظيرها الموجبة و المجال البايواليكتروني للبشر و التشي

chi

 أو قانون التجاذب أو غيرها من سلطة المصطلحات التي يستخدها من ينْعَتون بالنيو إيجرز

New Agers

وهؤلاء ليسوا إلا جماعات قامت بإحياء الفلسفات الشرقية القديمة و كسوها بلباس العلم الحديث لينتجوا “علماً” غريباً عجيباً، لا يوجد دليل مادي واحد على صحتة.. و لا تستغرب إن وجدت الكثير من المثقفين و المتعلمين و الفيزيائيين و المدرسين و الأطباء و علماء النفس و المهندسين ذوي التخصصات العلمية في أحد أشكال الطاقة (أعترف، كنت شخصياً أحدهم)، ممن إنطلى عليهم هذا الهراء، على الأقل لفترة ما في حياتهم

لكن كيف لنا و في خضم هذا الموج العاتي من المعلومات التي تكاد تغرقنا بيم الغريب و العجيب من المصطلحات التي يقع تأثير لفظها على الأذن غير المتخصصة و كأنه علماً راقياً، كلما ضغطنا على زر البحث عن معلومة ما، من أن نتأكد أن ما يصلنا هو علم حقيقي أو مزور؟ فشبكات المعلومات سماء مفتوح للجميع، و الجميع يستطيع أن يدلي بدلوه فيه حتى لو كان دلوه معكراً بخلطة السحرة و المشعوذين؟ فالكثيرين يخلطون الأساطير و حواديت الجدات و الخيالات و يتبلونها ببهارات من علوم الفيزياء الكلاسيكية و الكمية، ليقدموا لنا بالنهاية وجبة دسمة من علوم يدعون أنها معتبرة، و أنها أعلى من مستوى فهم العموم. و عندك الأمثلة أعلاه

الأغلبية تدعي بأن ما تقدمه قد تم “إثباته علميا” و مع ذلك لا تعطينا الدليل على هذا الإثبات أو مصدره، أو قد يلقي البعض لنا بصنارة يعلق عليها الأسماء الكبيرة الشهيرة، كإسم “ناسا” أو “جون هوبكنز” أو “مايو كلينيك” كطعم للتمويه، و هو يعرف أن في أغلب الأحيان لن يرجع المتلقي للمعلومة إلى المصدر الرئيسي لهذا “العلم” للتأكد الشخصي، بل على الأغلب سيقوم بعمل نسخ/لصق أو إعادة الإرسال بالبريد الإليكتروني أو يشّيره بمواقع الشبكات الإليكترونية الإجتماعية، فيكون بعمله هذا قد ساهم بنشر الجهل حتى دون أن يشعر. و كلما كثر إنتشار المعلومة أكثر كلما زادت ثقة الناس في صحتها مع أنه لو تم البحث و التدقيق عليها بعين ناقدة لإكتشف الباحث أن جميع هذه النسخ ترجع لمصدر واحد، و في الغالب لا يزيد عن كونه علم مزيف، إستخدم لغاية ما في نفس يعقوب

شخصيا لا أرى مفر من هذه المصيدة إلا بالشك بكل معلومة و البحث و التنقيب عنها و خصوصاً إن لم تبدو منطقية أو بدت مثيرة، و من ثم نشر هذه البحوث (على الأقل لمن له خلفية علمية بالمادة المطروحة) لتنبيه الآخرين، الذين سيقومون بالتالي بعمل بحوثهم الشخصية للتأكد و هكذا. و أعتقد أن العلماء (الحقيقيين) و الأطباء و المهندسين و الفيزيائيين و المدرسين و كل ذوي الإختصاص عليهم، بالإضافة لمهماتهم الأخرى، دور جديد تجاه مجتمعاتهم اليوم مما لم يكن له ضرورة بالسابق. و هذا الدور يتلخص  في نقد العلوم المزيفة و تعريتها في سماء الشبكات الإليكترونية أينما وقعت تحت أيديهم، و ذلك ليكون ما يصل إلى الباحث في الشبكة، على الأقل، متعادلاً مع كثرة العلم المزور على النت. هذا الإجراء يعطي وازعاً إضافياً للباحث بزيادة حثه على البحث عن المصادر الموثقة. و إن كانت العلوم المزيفة أو المعلومات الخاطئة منتشرة أكثر بالشبكة المعلوماتية (و هذا هو الحال بالذات في المواقع العربية و الإسلامية) فهذا دليل على تقصيرهذه الفئة بالذات عن القيام بمسئوليتها تجاه مجتمعاتها. و لا يحق لها عندئذٍ أن تتذمر من تخلف بيئتها

و أنا لا أدعي بأي شكل من الأشكال بأن هذا الإجراء سيوقف كل المعلومات الخاطئة من المرور من تحت المجهر الشكوكي لكل منا، و لا أن الناس ستأخذ بالعلوم الصحيحة و تترك الوهم لكون الأخيرلا يستند على أساس من الثقة و الحِرَفية العلمية، لكنه بالتأكيد سيقلل من نشر العلوم المزورة بالتدريج، و سيجبر كل من ينشر معلومة علمية بالشبكة من التأكد من المصادر قبل النشر، خوفاً من أن يصبح صاحبها عرضة للنقد و السخرية أو على أقل تقدير يفقد ثقة القارئ. و بإستطاعتنا أن نرى كيف أن بعض الشركات المعلوماتية، كشركة ويكيبيديا (النسخة الإنجليزية، أما العربية فلازالت تحت التنقيح من قبل المتطوعين) و هي شركة مفتوحة لمشاركات الجمهور، قد بدأت فعلياً بإتخاذ هذا الإسلوب بتنقيح المعلومة، حيث تقوم بمراجعة المعلومات في بنكها المعلوماتي بصورة دورية  للتأكد من المعلومة و من مصادرها، و عدم السماح للمعلومات المزيفة من المرور تحت إسمها من قبل المتطوعين. كل ذلك لكي تكسب جمهوراً واعياً يثق بها-هذا مع العلم بأن الجامعات الأمريكية لا تقبل حتى الآن بوكيبيديا كمصدر للبحوث مع أن الكثيرمن أساتذتها يلجأ له في طلب المعلومة بصورة سريعة

و لنرجع الآن لموضوع الطاقة الكونية. و هو الموضوع الذي يعتمد مروجيه على كونه مبهماً ليبيعوا وهماً. فلكي نتأكد من المعلومات التي تردنا من كل ركن و صوب و منها ما ذكرت أعلاه (إعمل غوغل على الطاقة الكونية أو قانون الجذب لترى بنفسك الكم الهائل من الخزعبلات) فلابد أن نضعها تحت الميكروسكوب الشكوكي و النقد العلمي و الإختبار، و لابد أن نبحث عن مصادر أخرى لعلماء بنفس المجال ممن يؤكدها أو يدحضها. فإن نجحت بإجتياز الإختبار فليس لنا عندها حجة عليها و نرضخ بكونها علماً حتى لو لم يبدو ذلك منطقياً. و إن لم نستطع لا إثباتها و لا نفيها، فستكون عندها نظرية مثل كل النظريات التي ليس لها أساس علمي أو علماً مزيفاً إلى أن يتم إثباتها بالأدلة الدامغة. و هذه هي الطريقة العلمية الصحيحة في تحليل و تأكيد أية معلومة و وصمها بالعلم

لنبدأ أولا بتسمية الأشياء بمسمياتها. يقول سقراط الحكيم أن “بداية الحكمة تكون بوضع التعاريف”  و عليه سوف أبدأ بتعريف كل من الطاقة الكونية و مجالات الطاقة الكونية علمياً. فالتعاريف ما هي إلا صفات نحن نتفق على وجودها بالأشياء كي نكون على مستوى فكري واحد فنعرف ما هو المقصود بالضبط. فليس من المعقول أن أتكلم عن التفاحة مثلاً و أنت ترى بعقلك البرتقالة؛ عندها سنفقد خيط التواصل و الفهم المشترك،و لا نصل لنتيجة مفهومة لجميع الأطراف. و قد نبدو متفقين أو مختلفين و بالواقع نكون عكس ذلك

يتبع

أثرالدين الحق في نشر ثقافة الحمق

كم هو مؤلم لكل مراقب للساحة العلمية بالدول العربية/الإسلامية ملاحظة تقهقهر العلم في مقابل إنتشار الجهل بصورة مضطرده نمطية  ومبرمجه طبيعيا. و للأسف ليس هناك أمل في تغيير هذه الحالة السائدة في هذه المجتمعات و ذلك ليس لخلوها من مقومات النبوغ العلمي  و الادوات التقنية بقدر تشبثها بالاساسيات و الاساليب الخاطئة في طلب العلم.

فهذه المجتمعات-كغيرها- كانت بداياتها بالتحصيل الفلسفي (على إعتبار أن الفلسفة تشمل جميع العلوم مجتمعة كالرياضيات و الفلك و العلوم الفيزيائية و العلوم الاجتماعية و السيكلوجية والبيولوجية و الخيميائية و غيرها) في دور العبادة والمساجد. و من الطبيعي أن تعتمد هذه الجهات على الكتب الدينية و تفاسيرها و كتب علماؤها و فلاسفتها كدساتيرعلمية  ومساطر ثابتة لقياس أية معلومة فيزيائية أو اجتماعية أو سيكولوجية أو حتى إقتصادية. وأن تتبني الإسلوب البدائي في فرض إسلوب النقل الشفهي المعتمد على الحفظ و الترديد. وأن تستخدم إسلوب العصى و الجزرة –فلقة- في تربية النشىء. وأن تفرض إحترام المعلم, لدرجة تقترب من التقديس, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة- كالتلاعب سيكلوجيا بعقل المتلقي عندما يكون جالسا بمستوي انزل من الخطيب, ذلك التأثير الذي يبدو جليا في هذا البيت الشعري لأمير الشعراء أحمد شوقي “قم للمعلم وفه التبجيلا, كاد المعلم أن يكون رسولا”.

هذ الإسلوب للاسف لم يتغير حتى بعد إنشاء المدارس النظامية. كل ما تغير كان ظاهريا و ماديا. المباني تغيرت و الكتب تغيرت و حتى الوجوه و الأزياء تغيرت, لكن الأساس المنهجي لم يتغير. فنجد كتب العلوم و الاجتماع و التاريخ و الرياضيات بل جميع الكتب المقررة لا تخلوا من الأيات الدينية و الأدعية. و نرى طريقة توزيع العلامات لا تعتمد على فهم التلميذ للمادة بل على مدي حفظ النص وترديد الإجابات النموذجية التي توزع عليهم من قبل مدرسيهم أو يشترونها منهم. و نرى الطلبة يقومون إحتراما للمدرس عندما يدخل الفصل و لا يناقشونه طوال الحصة إن لم يقم المعلم بسؤالهم. و ناهيك عن ضرب المدرسين للتلاميذ وإهانتهم لزرع الرهبة في قلوبهم و فرض الإحترام عليهم فرضا– قامت بعض الحكومات مؤخرا بمنع ذلك.

و هذا الاسلوب الذي تفرضه المدارس لنشر العلوم لا ينتهي دوره بالمساجد و دور العبادة و الحسينيات أو المدارس, بل تعدي ليدخل كل بيت عن طريق الإعلام و الشبكات الاليكترونية. فهذه المجتمعات لا تفرق بين العالم و رجل الدين, فكل من صعد منبرا لقب بالعالم. و كل من قدم برنامج ديني صار علامة حتى لو كان أمي. فما بالك إن كان هذا العالم يحمل لقب دكتور قبل إسمه! الناس هنا لن تستفسر عن تخصصه و الجامعة التي أعطته هذا اللقب لأنها لم تتعود على البحث و التأكد و الإعتراض و النقد. فهذه الأمور جميعها جديدة عليهم. يكفي أن يقدم خطبا رنانة حتى توافقه  على كل ما يقول بل حتى تردد ما يقول أو تعمل نسخ/لصق و ترسله  دون التأكد من المعلومة أو من مصادرها.

و على هذا الأساس صعد نجم علماء الدين في الاعلام العربي /الاسلامي على حساب علماء التخصصات العلمية. فنرى من يقدم المادة العلمية على شاشات التلفزيون أو عبر اليوتوب هم رجال الدين و ليس علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الاحياء أو الاجتماع أو النفس. و ضاع التخصص العلمي بين من يحمل هذا التخصص و من يدعي بمعرفة كل شيئ. و الأمثلة على ذلك كثيرة كبروز نجم د. زغلول النجار و د. محمد العوضي و غيرهم. كما أن من يحذو حذوهم و يتغلب معرفيا عليهم بإزدياد مضطرد و مثال على ذلك هو د. عدنان إبراهيم و الذي صار يشكل علامة زمانه بالنسبة للكثيرين.

هؤلاء لا يستحقون إلا لقب علماء الجهل. فهم يتبعون نفس الطريقة البدائية في نشر المعلومة العلمية . هم يوهمونك بأنهم ينشرون العلم حسب تقدمة و تعقداته الزمنية ليس ليوسعوا مدارك الملتقي و يزيدوا فهمه للظواهر الطبيعية, بل كي يضربوا العلم في مقتل و يثبتوا ما جاء في كتبهم البالية ليتأكدوا من سيطرتهم على العقول التي قد تقرأ في هذه العلوم و تشك بمنهجهم المبني على الكرامات و الخوارق و علومهم الماورائية و التي تناقض العلوم الطبيعية. و لا أجد مثالا أفضل لهؤلاء من رجال الدين الذين يستخدمون الديموقراطية ليقضوا عليها. هؤلاء يقومون بذات الشئ مع العلوم الطبيعية ليقضوا عليها, حفاظا على دينهم.

و لأبين هذا الشئ بصورة أدق سأورد هنا مثالا على فيدوكليب بعنوان,”د. عدنان ابراهيم: شرح معجزة نقل عرش بلقيس بفزياء الكم”. فهذا الفيديو وصلني بالبريد الإليكتروني و اليوتوب و الفيسبوك و من كل جهة حيث يدعي فيها الدكتور عدنان إبراهيم أنه”لأول مرة نحل المعضلة التي كرت رأس إبن سينا و إبن رشد و حامد الغزالي و العلماء الذي ما عرفوا يحلوها.”

فبعد البسملة و الحوقلة المعتادة و ترديد بعض اللأيات ليهئ الأجواء و العقول لرهبة و تعظيم المحاضرة العلمية و إلباسها القدسية. يقول الدكتور عدنان عن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي “معاجز الأنبياء و آياتهم في كتاب الله تبارك و تعالى هي وعد للبشر بأنهم بإذن الله سيبلغون مثلها بالاسباب و العلم, إعطيت للأنبياء من غير اسباب” ثم يؤكد”هكذا… كن فيكون. البشرية تبلغ هذه في قابل الأيام بالعلم و الفكر و النظر. و الآن  تقريبا كثير جدا من معاجز الأنبياء تحقق العلم منها و أحيانا ابلغ منها.”

صحيح؟ كيف ذلك يا دكتور عدنان؟ كيف تحقق العلم من المكوث في بطن الحوت-بطن الوحش في الفلوكلور البابلي- لمدة ثلاثة أيام كما كانت معجزة النبي يونس ممكن  دون أن ينهضم و يصبح طعاما لسمك الزبال؟ ما هي الميكانيكية البيولوجية التي بإمكانها أن تؤكد هذه المعجزة؟ و كيف تحقق العلم بأن وجود سفينة واحدة تستوعب عشر بليون نوع من الحيوانات هي مسألة طبيعية ممكنة في زمن نوح-و زمن جلجامش قبله- ثم ما هو التفسير العلمي لوجود بعض هذه الحيوانات في قارات دون غيرها كالكنغر في إستراليا؟

ثم يقول الدكتور عدنان, ” ألبرت أينشتاين, صاحب النظرية النسبية…يقول  ليس أعجب شيئ أن نفهم الأشياء الصعبة…أعجب شيئ أننا نفهم أي شيئ.” و فسر كلام أينشتاين بأنه يعترف بأنه مهما بلغ حجم دماغك فلن تفهم أي شيئ. ثم يقول أن النملة تفهم أشياء عديدة. فهي” موحدة و تعرف…حتى الفيروس(نصف حي نصف ميت) يتماكر على البشر فيعجزهم و يلتف على أساليبهم.”

أولا لا أعلم لماذا يصر رجال الدين, سواء مسلمين أو غيرهم بزج إسم أينشتاين في كل محاضرة دينية؟ و لماذا يغالطونه دائما؟ فعندما قال أينشتان أن “أعجب شيء أننا نفهم أي شيئ” لم يكن يقصد ما قاله دكتور عدنان بقصور الدماغ عن فهم الأشياء, بل أغلب الضن أنه كان يقصد العكس, أي أن أينشتاين منبهر بقدرة العقل على الإستيعاب و إلا ما كان قال “أكثر شيئ غير مفهوم عن العالم أنه مفهوم.” أما قصة النملة و معرفتها بالأشياء و الذي فسرها د. عدنان بأنها موحدة و تعرف – هكذا دون إبداء أي تفسير علمي- فهي بالواقع مضحكة لدرجة البكاء. و لو كان الدكتور عدنان كلف نفسه بقراءة نظرية النشور و الإرتقاء عن طريق الإختيار الطبيعي لوجد التفسير العلمي لكيفية تطور النملة و إكتسابها الوعي الخاص بنوعها في محاولاتها للبقاء. و لفهم كذلك كيف يقوم الفيروس بإعادة خلق نفسه بصورة تتغلب على المضاد الحيوي و بإستمرار . و لما فسرها بقوله “كلها هدايات و إلهامات”. فكتب العلوم لا تعترف بال”هدايات” بدون دليل مادي منطقي تجريبي واضح لهذه ال “الهدايات”. و تأخذ بالتفسيرات الأكثر إحتمالا.

 ثم يقول د. عدنان,” أحسن شيئ للفهم و العلم و النور  أن نتقي الله تبارك و تعالى. و أكثر شيئ يظلم الذهن و القلب و الروح هو المعصية و البعد عن الله و المهالك الباطنية” ثم يستند إلى حديث أخرجه أحمد يقول ” من قارف ذنبا فارقه عقله بمقدار ذنبه, لا يعود إليه.”

هنا واضح جدا كيف يقوم د. عدنان بإستخدام إسلوب العصى و الجزرة مع مستمعيه ليس ليقنعهم بالمنطق العلمي و العقلي كما يدعي و لكن لفرضه عليهم. فملخص كلامه هو أنك إن أمنت بالله و عملت واجباتك الدينة كما فرضت عليك فستفتح لك مجالات المعرفة دون تعب أو دراسة و إن لم تفعل ستصبح معتوها حتى لو درست و تخصصت بعلم الصواريخ. يا له من منطق غريب يأتي من رجل يعتبره الكثيرون عالم.

ثم يتكلم د.عدنان عن موضوع نقل عرش بلقيس و كيف ان الفيزياء الكمية أثبت بالتجربة أن ذلك ممكن. و كيف أنه من خلال العشرة أو الخمستة عشر سنة الماضية “بدأت تباشير هذه العلوم لنا” و أن “هذه المعجزات للأنبياء و الخوارق (المعلنة بالكتب الدينية) هي تحصين في كل زمان و مكان عن أن يفتتنوا (الناس) بالعلم و أن يصيروا ذوي نزعة علموية… و يجعلوه منهجهم الوحيد. فكل ما أثبته العلم يؤمنون به و كل ما أنكره العلم ينكرونه. و كل ما عجز عن تناوله العلم أيضا ينكرونه.” ثم يزيد بقوله “عجيب…بعض الناس بلغ بهم الحمق أن يجعل المقارنة لأي موضوع هو العلم. موضوع الدين, الملائكة, الجن, الآخرة , الجنة التي تتعارض مع العلم لا يستطيع أن يتعامل معها.

بل من الحمق يا دكتور أن نعتقد بكل شيئ يمليه علينا الأولون دون التفحص و التأكد بالبراهين التجريبية و التي تستند أنت بنفسك عليها بالفيديو لإثبات وجهة نظرك. الإدعاءات العظيمة تحتاج لإثباتات أعظم. و لا يمكن لأي نظرية علمية أن تنشر بالأوساط العلمية و تدرس بالجامعات العالمية دون أن تتعرض للعديد من التجارب و بأماكن و أزمنة مختلفة. و كلما تحملت النظرية تقلبات الظروف و الزمن دون أن تتغير نتائجها كلما زادت الإحتمالات بصحتها. فلماذا تتوقع منا ألا نعامل الإدعاءات الدينية مثل “كن فيكون.” أو “خلق الإنسان من طين.” بنفس الطريقة العلمية من الفحص و التجربة و البرهان؟ المسألة ليست مسألة الإفتتان بالعلم, كما تريد أن توهم الناس, المسألة مسألة إستخدام أو إلغاء العقل. فموضوع الملائكة و الجن و الأخرة و الجنة كلها مواضيع لا تخرج عن نطاق الإدعاءات. و يتحتم علي رجال الدين من أمثالك كواجب أدبي و ديني, بدلا من ضياح الوقت بالنظرية الكمية و التي لا يفهمها حتى واضعيها من العلماء, هو تقديم ما يساندها من براهين لإقناع الناس بها.

ثم يقول ” هذه المعاجز تقول لنا: على المرء ألا يفتتن بالعلم لأن العلم و إن قدر على أشياء بأسباب مدروسة فلقد قدر عليه الله قبل ألوف من السنين” ثم”يجب أن نحترم العلم و أن نخلق منه منهاجا علميا في أمتنا العربية/الأسلامية.”

لا أعلم بصراحة أي علم يدعو له الدكتور و يطالب بمنهجته في حياتنا, فهل هو العلم الديني المنقول, أم العلم الطبيعي المبني على التجربة و البرهان و الذي إزدراه بالجمل السابقة؟ بصراحة لا أرى غير تناقض.

ثم يقوم الدكتور بشرح النظرية الكمية للتيليبورتيشنTeleportation  أو النقل الآني للجزيء التحت الذري عن بعد بعد شرح سطحي للنظرية الكمية. و ذكره بأن العلم أثبت إمكانية نقل الشيئ من مكان لآخر, ليس هو بذاته و لكن بنقل معلوماته بدقة, بحيث يتم إعدام الجزيئ من مكانه الأصلي و إعادة خلقه بالمكان الآخر بنفس اللحظة.  و هلل بعد ذلك ذاكرا بأنه  قام العلماء باستراليا بعمل تجربة ناجحة في نقل رزمة أشعة ليزر من مكان إلى مكان أخر بعد إعدامها في المكان الأصلي و إعادة خلقها بالمكان الآخر. أي أن النظرية الخاصة بالنقل الآني للجزيئات تم إثباتها نظريا و عمليا. و من ثم قام بمقارنة ذلك بما قاله إبن العربي قبل سنين عن عرش بلقيس,” أصف بن برخيا أعدم العرش في مكانه في سبأ و أعاد إنجازه عند سليمان بنفس اللحظة. و زمان إعدامه هو زمان إنجازه و ليس زمانين.” و إستطرد قائلا ” هذا هو العرفان بالله…إبن العربي لم يحتاج ليدرس الفيزياء الكمية. هو كان فاهم الكلام بالمكاشفة و العرفان.

هل أنا لوحدي من يرى التناقض بكلمات الدكتور أعلاه؟ كيف يهلل بنجاح التجربة نظريا و عمليا و بنفس الوقت يطلب منا الإقتداء بإبن العربي الذي لم يدرس و لم يجرب و لكن عرف كل شيئ…هكذا…بالمكاشفة؟

أولا ما ذكره عن الفيزياء الكمية لا يمكن تسطيحه بالصورة المختزلة التي ذكرها بالفيديو و حتى علماء الفيزياء الكمية لا يتوقعون أن يفهمها أو يفهم طبيعة تصرف الجزيئات ككتل أحيانا و كموجات أحيان أخرى.و المجال العلمي لا يكتفي بتجربة واحدة أو إثنتان أو عشرة حتى يقول ” أها وجدتها” بل هو عمل مستمر محاط بالشكوك و التجارب العديدة. و هذا هو الفرق بين العقلية العلمية المتشككة و العقلية الدينة الناقلة و المرددة. فما تم تجربته حتى الآن لا يعتبر إلا أول الخطوات الطفولية في مجال التيليبورتيشن. و هي تتم بالمستوى ما تحت الذري يعني لم يتم إثبات إمكانية نقل القلم مثلا من مكان لآخر و بنفس اللحظة دون فقد المعلومات المهولة الخاصة بالقلم. نحتاج وقت كبير لعمل ذلك و قد لا يتحقق. و هذا هو جمال العلم: لا يوجد شيئ مؤكد.

فمتى يفهم علماؤنا ذلك و يريحونا من جهلهم؟

 

الفيديو:

http://www.youtube.com/watch?v=awOBmturboc

حوار الطرشان الفلسفي

في فسحة ضليلة بسوق لاإنترادا جلسا على كراسي حديدية. هو يحتسي الكابوشينو الذي يحبه ساخنا بدون سكر و يقرأ كتابه بإستخدام اللابتوب المفتوح أمامة على المنضدة الحديدية. و هي تشرب شراب الشاي الأخضر البارد كما تحبه على كومة كبيرة من الثلج و بنكهة الفاشين فروت و الياسمين و بدون سكر و تقرأ كتابها مستخدمة  الأيباد. “كم نحن متشابهان على الرغم من عظم إختلافاتنا!” فكرة سرحت بها خيالها و هي ترفع رأسها عن الكتاب ناظرة صوب محال الماركات العالمية أمامها.

قال لها بعد أن رفع عينه هو الآخر عن كتابه, و الذي يبدو أنه أحد الكتب الدينية التي يداوم على قراءتها, “أتعلمين أن الله له دلائل و شواهد بكل شيئ في الكون لكن هذه الدلائل لا يراها إلا المؤمن. و هذه هي المعجزة الحقيقية.”

فقالت له مازحة, “اللي يخاف من العفريت يطلع له.” ثم إستدركت, ” ما يشهده المؤمن هو خيال لأنه مبني على رؤية فردية و ليست رؤية جماعية.فكما…”

فرد عليها مقاطعا, “لا فرق بين الخيال و الواقع لأنه بالنهاية يعتمد على تفسير أدمغتنا لما نراه بالخارج. فالسمكة  التي تسبح في الحوض البلوري في وسط الغرفة يكون منظورها للأبعاد بالغرفة دائري المنشأ و ليس كما هو بالواقع. و هكذا هي أدمغتنا لا تفسر الأشياء بذات التطابق. فقد يكون ما نراه بالخارج ليس كما هو بالواقع”

فأجابت معترضة, “هذا صحيح عندما نقارن منظور السمكة بمنظور شخص بالغرفة. لكنه لا يطبق على منظور شخصين بالغرفة, فإن لم تفسر أدمغتهما الغرفة بذات التطابق فهذا يعني أن أحدهما على الأقل يتخيل الشيء و لا يراه.لكن إن تطابقت الرؤيتان فهذا يعني أن الشيء موجود بالفعل في الخارج.” ثم عدلت من جلستها قليلا و واجهته قائلة, ” أعطيك مثال عملى، هذه الطاولة الحديدية التي نجلس إليها, لها نقوش بشكل الباذنجان الذهبي, أنت تراها كما أراها أنا و إن إختلفنا بالوصف الدقيق فهذا مبعثه منظور كل منا أو الجهة التي ينظر كل منا إليها و إنعكاس الشمس و مقدار الظل و هكذا. لكن مع ذلك لن نختلف نحن الإثنان على وجود الطاولة. و هنا يكون ما نشهده نحن الإثنان واقعاً و حقيقة. لكن تلك القطة البنفسجية التي تراها تحت الطاولة فلا أراها أنا مهما تعبت بوصفها. فإننا لن نتفق على وجودها لأن مكانها ليست تحت الطاولة لكنه في مخيلتك.

و هنا أخذ نفس طويل يحاول أن يجد طريقة ليشرح لها وجهة نظره مستخدما العلوم التي كرس عمره لدراستها, ” لننظر إلى الأشياء بدقة أكبر و ليس بسطحية؛ أليست الطاولة و جسمي و جسمك و هذه الشجرة و كل ما حولنا ذرات و كواركات و فراغ؟ أليست عقولنا هي التي تشكل هذه الذرات بالأشكال التي نراها؟ فكما أحسبك تعلمين أن لكل منا صور تراكمية في أدمغتنا و ما نراه من صور في الخارج نقوم بتطابقها مع ما هو مخزون بذاكرتنا من صور تراكمية بثقافات و عقائد بيئية و غيرها لكي نستطيع تفسيرها. المؤمن في هذه الحالة يفسر ما يراه بالخارج بتطابق الصور مع التراكمات العقائدية التي تعب في تكوينها عن طريق العبادات فتتجلى أمامه الحقائق فيرى ما لا يراه الكافر”

فقالت له معترضة, ” كون كل الأشياء حولنا ذرات و كواركات و فراغ فهذا صحيح بالمجال الكمي أما في مجالنا فهي بالصور التي نراها بها. أو على الأقل ما نتفق على رؤيته نحن الأثنان حتى لو كان مختلفا بالواقع, فهو بالنسبة لنا هو ذات الواقع لأن المسألة نسبية. فتفسير عقولنا للصور الخارجية ليس عشوائيا بل يلتزم بالنمطية، و إن لم يكن كذلك فكل منا سيري الشيء بصورة مغايرة عن الآخر. و مهما تكن الصورة الخارجية فهي بالنهاية في مجالنا بالوسط بين الذري و الكوني ولا يطبق عليها الفيزياء الكمية.”

فقاطعها معترضا, ” و لم لا فجميع المجالات تتداخل و تكون بالنهاية العوالم التي تتصل ببعضها بأوتار من الجاذبيات تجمعها بنظرية واحدة تصلح لجميع المجالات.”ثم إردف قائلا, “من يؤمن يفتح الله قلبه فيري ببصيرته ما يقوم العلماء بإثباته نظرياً. على عكس الكافر و الذي يريد أن يرى بحواسه الخمس كل شيء حتى يصدق مع أن هذه الحواس تكون خادعة في أكثر الأحيان. فمثلما هناك أوتار لا يمكن أن ترى أو أن نشعر بها مع عظم دورها في حفظ النظام الكوني فلابد من وجود من هو خلقها و أعطاها هذه الوظيفة. و هكذا فهذا الخالق موجود في كل شيء حولنا و من السهولة رؤيته إن كان الشخص مؤمناً لأنه لا يتجلى إلا لمن يصل إلى درجات عالية من الإيمان. و هذه هي النقطة التي أردت توصيلها.”

و هنا نفذ صبرها فقالت له, ” بدأ نقاشنا علمياً و إنتهى بالسيدو ساينس -أي العلم الوهمي- فأنا لا أحسبك  كالدجال ديباك شوبرا و الذي يبيع جمهوره الفيزياء مخلوطا بالميتافيزياء للكسب السهل على أكتاف جمهور يدفع المال لمن يؤكد إيمانه و كأنه في شك من أمره و يريد المزيد من الإثباتات. فشوبرا “عيار”-دجال- و رزق العيار على المجانين. و أكون شاكرة لك لو إحترمت عقلي و إلتزمت بالنقاش العلمي كما بدأنا.”

ثم إردفت قائلة, ” أولا القلب ليس به جهاز أو ميكانيكية للرؤية و ليس من وظيفته أصلا الرؤية. فالرؤية من إختصاص العين و الأعصاب المتصلة بالمخ و هذه وظيفته.أما القلب فوظيفته ضخ الدماء بأنحاء الجسم لإستمرار الحياة.

ثانياً من يريد الدليل العلمي و خصوصاً إن كان إجنوستيا متشككا حتى بنفسه مثلي  فهو لا يلجأ للحواس فقط بل أيضاً للقياس و الإثبات, ليس فقط بالتجربة و لكن أيضاً بتكرار التجربة و الحصول على نفس النتائج بكل مرة. فكما ذكر ريتشارد داوكنز في كتابه “أعظم مسرحية على وجه الأرض”، أن النظرية “كلما إستطاعت تحدي الزمن و العراقيل كلما أصبحت أقرب للواقع”. و أنا أتعامل مع الواقع. أما الخيال فله جانب آخر في حياتي أتسامى به و أنا أحلق على الأجنحة الوهمية في عالم الأشعار و قصص الساينس فكشن، لكني لا أخلطه أبداً بالواقع و خصوصاً عندما يتعلق ذلك بالمسائل العقائدية. و ثالثاً كيف ممكن أن يكون الخالق في كل شيء حولنا و هو ليس جزءاً فيزائياً من عالمنا و مع ذلك يراه المؤمن؟ (أي أن ما هو من هذا العالم الفيزيائي يتصل بالرؤية بما هو خارج هذا العالم – ميتافيزيائي). و لم لا يكون هذا محض خيال فكما تعلم أن عقولنا لديها قابلية هائلة في عمل الأنماط في كل شيء. إنظر إلى السحاب لفترة لتري كيف يتشكل أمامك بنمط معين. و إن كان في دماغك صورة مسبقة تريد أنت أن تراها-كما هو حال المؤمن- فسوف تتشكل لك الصورة بإرادتك. ليس ذلك و حسب بل أن ما تراه بالسحاب قد أراه أنا أيضاً. أي أن العملية تصبح جماعية لكننا بالنهاية نعلم أنها تصورات و أنماط وهمية بعيدة عن واقع السحاب. “

فنظر إليها ,محاولا كظم غيظه, مستفسرا, ” و كيف تفسرين إذاً رؤية شخص لشيء و عدم رؤية الآخر له؟”

فقالت له مازحة, ” يمكن خبل-أهبل؟” ثم تداركت نفسها عندما رأت الدماء تكاد تفور في وجهه, ” أمزح معك, الناس مختلفون،فلا يوجد شخصين متطابقي الصفات و لا حتى بالتوائم المتشابهة. و كل منا له قابليات للتخيل بدرجات متفاوتة. فالفنانون مثلا يتميزون بخيال خصب يستغلونه بالإبداع في إعمالهم. والإيمان بالشيء ممكن أن يعطي هذا الخيال البيئة الخصبة للتنمية. و كلما كان خيال الشخص أكثر خصوبة بإيمان أقوى كلما إختلط هذا الخيال بالواقع أكثر حتى يصعب على الفرد التفرقة بينهما. و هذه ليست معجزة بل قد تصبح حالة مرضية إن زادت عن الحد.” ثم أخذت نفس عميق و إردفت قائلة, ” هل تذكر فيلم العقل الجميل؟ هل تذكر كم كان بطل الفلم عبقريا بالرياضيات ألا أن عقله لم يستطع التفرقة بين الخيال و الواقع.”

فقال مقاطعا, ” أنا لا أقصد الحالات المرضية.”

فردت عليه بالفور, ” و لا أنا قصدتها. فالتخيل أحد وظائف الدماغ. لكن إن إختلط الخيال بالواقع هنا يصبح الأمر مرضيا.”

صمت لفترة طويلة نسبيا و كأنه يحاول أن يجد ما يفند حجتها. و عندما لم يجد ما يقوله تمتم قائلا, ” المشكلة فيمن لا يؤمن هو أنه لا يعرف ما يراه المؤمن و لذلك يفسره تفسيراً علميا فيزيائياً بينما ما يراه المؤمن هو ميتافيزيائي. ما تصرين أنت على أنه خيال أستطيع أن أؤكد لك أنه واقع لكن ليس بيدي إثباته-بالأدوات الحسية- لأننا نتناقش عن عالمين مختلفين.”

“لا فائدة ترجى منه. خسارة السنين الطويلة التي قضاها في التعليم و خسارة للمال و الجهد المبذول عندما تقف العقيدة عائقا أمام الإنفتاح الفكري”طأطأت راسها كعادتها عندما تتخاذل أمامه و لا تتجرأ على مواجهته بما تفكر به عنه, ثم إردفت منهية للموضوع, ” لنترك النقاش إذاً و يرجع كل منا لقراءة كتابه فواضح أن عوالمنا لن تتلاقى أبدا.”

و هنا أقفل هو الموضوع واثقا بأنه كسب الجولة بالتفنيد, ” سواء تلاقت أم لم تتلاقى عوالمنا, فالله موجود، سواء إعترفنا أو تكابرنا.”

” تكابرنا؟” كلمة إستفزتها و هي تعلم أنه ممكن أن يكون بداية لنقاش طويل أو حتى حرب عشواء. لكن تعلم أن السنين التي قضتها معه بالحروب لم تأتي إلا بالدمار و قد تعبت من الحروب وعلمتها قسوة السنين معنى ” التحمل” ففتحت أيبادها و الذي كان قد أغلق من نفسه متمتمة بصوت منخفض،” Whatever “

و في كتاب ” دليل المشرك للأديان العالمية” للكاتب وليام هوبر  قرأت الجملة التالية:

في البداية عشنا كبشر في البرية و أكلنا من هو أقل سرعة و ذكاء منا. و بهذا الوقت إخترعنا شيء سميناه “الله”

ففرت منها إبتسامة خبيثة، فكم هو جميل أن يكون بهذا الكون ناس يتكلمون بمنطقها و يفهمونها و يفهمون عالمها.

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٨)٠

الفصل السابع: المعجزة الظاهرة {للعيان}٠

في الفصل السابق تساءل المؤلف عن ما يجعل من كوكبنا المكان الإستثنائي المناسب للحياة فتجعله يبدو و كأن هنالك يد تدخلت لتصميمه خصيصا لخدمتنا بقوانين شديدة الدقة لدرجة أن التحييد عنها و لو بقيد أنمله قد يقلب جميع الموازين. و في هذا الفصل يبدأ ببيان الخصائص التي جعلت من نظامنا الشمسي نظام قابل للحياة على الأرض. و أول الخصائص الإستثنائية التي ذكرها هو كون نظامنا الشمسي ذو نجم أحادي (أي يحتوي على شمس واحد ) ،  فلولا تمتع نظامنا الشمسي بهذه الميزة لما كانت هنالك فرصة للحياة أن تدب على وجه الأرض. أو كما قال بإسلوبه ” أي نظام شمسي ذو شموس متعددة ، لن يسمح، على الأرجح ، بتطور الحياة “. و السبب هو أن الكواكب التابعة له ” لن تستطيع الحفاظ على إنتظام درجات الحرارة {على سطوحها و خلال حركتها } على المدي الزمني البعيد ، و هذا كما يبدو لنا هو شرط من الشروط الضرورية {لقيام و إستمرار} الحياة ” . و لزيادة التوضيح يقوم المؤلف بضرب المثل بأبسط نظام للشموس المتعددة و هو النظام الثنائي أو الذي يحتوي على شمسين فيقول،” النظام الثنائي البسيط يستطيع أن يحافظ علي إستقرار أنواع معينة من المدارات {مختلفة عن النظام الأحادي}. و في كل واحدة من هذه المدارات سيكون  هنالك علي الأغلب فترة {ما خلال دورته} يصبح فيه سطح الكوكب إما أشد حرارة أو أشد برودة من تلك التي  تسمح بوجود الحياة. و الوضع يكون حتي أسوأ من ذلك في المجموعات الشمسية التي تحتوي علي نجوم عديدة {أي أكثر من إثنين } “٠

ليس ذلك و حسب بل نظامنا الشمسي له خاصية أخري لا يمكن أن تتطور بدونها الحياة للكائنات الراقية على الأرض، كما يؤكد المؤلف، هذه الخاصية  هي ” الدرجة التي ينطعج بها مدار الأرض البيضاوي {الإهليليجي }  حول الشمس . أو ما يسمي رياضيا بالإكسنترستي  أو درجة الإنحراف

Eccentricity

و الإكسنترستي هو ما يمثل رياضيا برقم بين الصفر و الواحد؛ فكلما كانت درجة الإنحراف تساوي رقما أقرب للصفر، كلما إقترب المدار إلي الشكل الدائري المثالي، {و في المقابل } كلما كانت درجة الإنحراف تساوي رقما أقرب للواحد كلما صار المدار أكثر تفلطحا… و بما أن درجة إنحراف المدار الأرضي هو فقط ٢ بالمئة تقريبا، فهذا يعني أن مداره حول الشمس هو تقريبا دائري.  و كما تبين لنا، فهذه الخاصية تمثل ضربة حظ كبيرة …فعلى الكواكب ذات درجة إنحراف كبيرة {مطعوجة بشدة} ، يلعب التغير الحاصل ببعد مسافات الكوكب عن الشمس { أثناء الدوران } دورا كبيرا {في التغير الكبير في درجات الحرارة على ذلك الكوكب حسب قربه أو بعده عن الشمس }…فالكواكب التي تتميز مداراتها بدرجات إنحراف عالية {قريبة من واحد } لا تسمح بوجود الحياة فيها. و لذا فنحن محظوظون لكون درجة إنحراف {مدار }الأرض {حول الشمس}  أو الإكسنترستي لمدار الأرض قريب جدا من الصفر { أو يمثل شكلا قريبا من الشكل الدائري } “٠

و لا تنتهي القضية هنا، بل ” الحظ ملازمنا أيضا في علاقة كتلة شمسنا مع بعد المسافة بيننا و بينه. و ذلك لكون كتلة النجم هي التي تحدد كمية الطاقة التي تصدر عنه…و لقد جري العرف أن يعرف العلماء الحيز القابل للحياة كالجزء الضيق حول النجم و التي تكون درجات الحرارة فيه مناسبة لتواجد الماء في الحالة السائلة بالحلقة الذهبية” أو

Goldilocks zone

و هذا الإسم في الواقع مستعار من قصة الأطفال ‘حلقة الذهب و الدببة الثلاث’ . فعندما تدخل ذات الشعر الذهبي إلى كوخ الدببة الثلاث و تستخدم أغراضهم في غيابهم فهي تقوم بإختيار الأنسب لها ،  و كذلك هو هذا المجال حول الشمس”فتطور االأحياء الذكية تتطلب أن تكون درجات الحرارة {و في جميع المواسم} في ‘الحدود المناسبة فقط’  للحياة” كما يقول المؤلف. فما هي قصة هذه الحظوظ يا ترى؟

يقول المؤلف أن نيوتن كان يعتقد أن السبب في كون نظامنا الشمسي غريب ( أو شاذ ) في نوعه هو كونه لم ” يخلق عشوائيا ( أو عبث ) بواسطة حزمة من القوانين الطبيعية” ، بل هو ” مخلوق من الله في البداية، و من ثم حافظ {الله عليه}  حتي يومنا هذا { بواسطة تلك القوانين } و بنفس الوضع و الحالة” . و لكن المؤلف يختلف مع نيوتن في هذه النقطة الجدلية، فيقول بأن “تصميم عالمنا القابل لوجود الحياة فيه كان بالفعل سيكون محيرا إذا كان نظامنا الشمسي هو الوحيد من نوعه في الكون ( أو أنه شاذ ) ” ، و لكن الأمر ليس كذلك ، ” ففي عام ١٩٩٢ تم إستكشاف و من ثم الحصول على أول مشاهدة مؤكدة بوجود كوكب (آخر ) يدور حول نجم غير شمسنا {و مشابه للأرض بالخصائص } . و اليوم نحن نعرف عن وجود المئات من تلك الكواكب { و إن كنا لا نعرف حتي الآن عن وجود الحياة عليها بسبب بعدها عنا }” و لا يوجد لدي العلماء شك “بوجود عدد لانهائي من تلك الأنظمة { و التي تتمتع بنفس المواصفات الخاصة بنظامنا تقريبا} بين البلايين من النجوم في كوننا . و هذا ما يجعل عامل الصدفة أو التزامن {في وجود هذه الخصائض مجتمعة } في نظامنا الشمسي – أي وجود شمس واحد، و بعد مناسب للأرض عن الشمس و الكتلة الشمسية المناسبة – أقل دهشة بكثير ، و أقل إلزاما كدليل علي أن الأرض مصمم بعناية فقط من أجل إرضائنا كجنس بشري. فالكواكب و بجميع أشكالها {و مواصفاتها } هي موجودة بيننا. و بعضها- أو علي أقل تقدير ، واحدة منها { هي الأرض }- تسمح بالحياة عليها”. و من  ثم يضيف بأن “وجودنا بحد ذاته يفرض قوانين تحدد من أين و في أي وقت يسمح لنا بمشاهدة الكون. أي أن، حقيقة وجودنا يفرض مواصفات نوعية البيئة التي نجد أنفسنا فيها. و هذا المبدأ له مصطلح علمي يسمى ‘مبدأ الأنثروبي الضعيف’٠

Weak Anthropic Principle

فمعرفتنا بوجودنا – أو كوننا شهودا على وجودنا – هو ما يفرض القوانين التي  يتم إختيارها ، من بين كل البيئات الإحتمالية، فقط تلك البيئات التي تتمتع بمواصفات تسمح بالحياة “٠

و يؤكد المؤلف بأنه مع أن مبدأ  الأنثروبي الضعيف أعلاه له وقع علي الأذن و كأنه من العلوم الفلسفية، ألا أنه ليس كذلك  لأن “هذا المبدأ بالإمكان أستخدامه لعمل توقعات علمية ( أو للتأكد من قياسات معينة ). فعلى سبيل المثال، {نحن نستطيع أن نستخدمه بعملية حسابية لمعرفة } عمر الكون { بصورة تقريبية تمكننا التأكد من الحسابات الرياضية و القياسات الأخري التي نحصل عليها}”٠

فعلي سبيل المثال “حتي يكون وجودنا ممكنا على سطح الأرض فلابد للكون أن يحتوي علي عناصر (معينة ) كالكربون … و الكربون عليه بالتالي أن ينتشر في الفضاء بواسطة إنفجارات السوبرنوفا

Supernova Explosion

و من ثم على الكربون أن ينكمش و يتجمع كجزء من كوكب علي مجموعة شمسية حديثة. و في عام ١٩٦١ جادل الفيزيائي روبرت دايك

Robert Dicke

بأن هذه العمليات تتطلب علي الأقل عشرة بلايين من السنين , و هذا يعني أن عمر الكون لايمكن أن يكون أقل من ذلك. و من ناحية أخري، لا يمكن أن يكون الكون أكبر من ذاك الرقم بكثير، لأنه في المستقبل البعيد ستستنفذ كل النجوم وقودها، و نحن بحاجة للنجوم المتوهجة لكي تستمر الحياة…و حسب البيانات الحالية لدينا، فالإنفجار الكبير حصل من قبل حوالي ١٣.٧ بليون سنة… و {هكذا } فالتنبؤاث الأنثروبية في العادة تعطي مجال { تقريبي} للقيم  و لا تحددها بدقة {و هذا يسمح لنا بالتأكد من حساباتنا}. فتقدير مدة  وجودنا، قد لا يتطلب قياسات دقيقة لبعض الظواهر الطبيعة و  التي غالبا ما تكون تعتمد علي المتغيرات التي لا تبتعد كثيرا مما نجدها {رياضيا أو بالقياس}. و علاوة علي ذلك فنحن نتوقع أن تكون الشروط الفعلية في عالمنا نموذجية و ضمن مجال شرعي مسموح به. فإذا كانت درجة الإنحراف المداري، علي سبيل المثال، هي ما بين ٠،٥ و صفر كشرط للسماح بوجود الحياة، فإن درجة إنحراف بمقدار   ٠،١ لا يجب أن تدهشنا لأنه إحتمال وجود هذه الدرجة من الإنحراف بين كل الكواكب في الكون،  و بنسب معقولة ، ليس غريبا. و لكن لو كان الأرض يتحرك في حركه تقريبا دائرية مطلقة، بإكسنترستي أو درجة إنحراف يساوي ٠،٠٠٠٠٠٠٠٠٠١ علي سبيل المثال، فهذا ما سيجعل الأرض بالفعل كوكب خاص جدا (أو شاذ كما ذكر نيوتن )، و { عندها } قد يحضنا ذلك الأمر علي محاولة تفسير سبب وجودنا في موقع بهذه الندرة {بصور أخرى} “٠

هذه الفكرة و التي تقول بأن الكون لم يخلق خصيصا لنا لها مصطلح علمي فلسفي يسمي ‘مبدأ ما دون المتوسط’ حسب المؤلف٠

The Principle of Mediocrity

هذا مع العلم بأن “الصدف السعيدة التي ساهمت في تشكيل مدارات الكواكب، و كتلة الشمس، و بقية الفرص السعيدة {نعزوها للبيئة } و نسميها بيئية لأنها تقوم علي مبدأ السرنديبية”٠

Serendipity

و هي في الواقع أحد الكلمات التي يصعب ترجمتها إلى أي لغة أخرى و لكن المؤلف عرفها  بالموهبة ” لإكتشاف الأشياء من حولنا ، ليس من خلال ضربة حظ في قوانيننا الأساسية في الطبيعة {أو كما يقول البعض صدفة من غير وجود إحتمال لها في الواقع}. فعمر الكون هو أيضا عامل بيئي، لأنه يوجد ما هو قبل و ما هو بعد في تاريخ كوننا، و لكننا نعيش في هذا {الحيز} من الزمن لأنه الحيز الوحيد الذي يسمح بالحياة…وجود النجوم، و الوجود في داخل هذه النجوم المكونة لعناصر نحن مصنوعين منها، ليس كافيا. فديناميكية النجوم تفرض عليها الإنفجار {بعد أن تنتهي حياتها}، ليس ذلك و حسب، بل عليها أن تنفجر بطريقة معينة تسمح لها بنشر المعادن الأثقل في الفضاء”٠

و كان أحد أوائل من تعرف علي هذه الخاصية هو فريد هويل

Fred Hoyle

في عام ١٩٥٠ حيث ” إعتقد أن كل العناصر الكيميائية في الوجود كانت أساسا مشكلة من عنصر الهيدروجين، و أنها المادة الأساسية {في تكوين كل شيء}” مع العلم بأن هنالك أشكال مختلفة من ذرات الهيدروجين ، لها نفس عدد البروتونات و لكن عدد مختلف من النيوترونات تسمي أيسوتوب أو نظير الهيدروجين ٠

Isotopes

و قد يكون  ” تطور شكل من أشكال الحياة  التي تتغذى على السيليكون و تحرك أذيالها بصورة رذمية { إيقاعية } دائرية في أحواض من الأمونيا أمرا ممكنا، و مع ذلك  فذاك النوع من الكائنات الحية الغريبة النوع لا يمكنها أن تتطور من المكونات الأساسية، لأن تلك العناصر لا يمكنها أن تشكل إلا نوعين من المركبات المستقرة؛ هيدرات الليثيوم، و التي هي كريستالات صلبة لا لون لها، و هيدرات الغاز. و كلا {المركبين } لا يمكنهما أن يعادا إنتاج نفسهما ، أو أن يتزاوجا {ليشكلا مركبات جديدة كما هو الحال مع الهيدروجين } . كما أن الحقيقة ستظل بأننا نوع من الأحياء الكربونية {نخضع لقوانين الكيمياء العضوية}، و هذا ما يجعل موضوع {أو سؤال : لماذا } الكربون و الذي يحتوي علي ستة بروتونات، و كذلك العناصر الثقيلة الأخري في أجسامنا” موضوعا دقيقا لكونه تحصيل حاصل و منطقي لأن هذه المواد بالأساس قابله للتطور و إعادة الإنتاج من مكوناتها الآساسية. فكيف إذا يتكون الكربون؟

عندما “تنتهي دورة حياة النجم، فإنه ينفجر فيما يسمي بالسوبرنوفا، و ينشر الكربون و العناصر الثقيلة الأخري في الفضاء . و من ثم تتكثف هذه العناصر مع بعضها البعض مكونة كواكب جديدة . و تسمي هذه العملية في خلق الكربون بعملية الألفا الثلاثية

The triple alpha process

و ذلك لأن’ جزيئات الألفا’ هو إسم آخر لنواة ذرة الإيسوتب {النظير } للهليوم ذو العلاقة {في العملية } ، و لأن العملية {الكيميائية } تتطلب إنصهار ثلاثة {جزيئات من نظير الهليوم} مع بعض {ليتكون الكربون}٠

و في عام ١٩٥٢ تنبأ هويل أن يكون مجموع طاقة نواة البرليوم و نواة الهيليوم مساويا لطاقة أيسوتوب من الكربون المتكون {في عملية الخلط} عندما يكون في وضع معين . و هذه الحالة تسمي حاله الرنين٠

Resonance

و هذا الخلط من شأنه أن يزيد من التفاعلات النووية. و عليه فالإنفجار بين هذه المواد و إعادة تكوينها هو أمر طبيعي٠

و عند البحث في شرعية مبدأ الأنثروبي في السنوات الأخيرة، قام الفيزيائيون بطرح أسئلة من مثل كيف كان سيكون الكون عليه إذا كانت القوانين الطبيعية مختلفة عن القوانين الحالية. و اليوم نحن بإستطاعتنا خلق نماذج آلية تخبرنا كيف تعتمد درجة تفاعل الآلفا الثلاثي علي  قوة القوى الرئيسية للطبيعة. فهذه الحسابات تبين لنا أن أي تغيير حتي لو كان بقدر ٠،٥ في المئة في القوة النووية القوية، أو ٤ في المئة في القوة الكهربية، سيحطم إما كل الكربون تقريبا أو كل الأكسجين في كل نجمة، و معه سينمحي إحتمال تواجد الحياة كما نعرفها. فالتغيير الطفيف في القوانين الخاصة بكوننا من شأنه أن يمحي شروط تواجدنا٠

و مع إختبار نموذج الأكوان التي وضعها {الفيزيائيون }عندما تتغير النظريات الفيزيائية أصبح بإستطاعتنا أن ندرس تأثير هذا التغيير علي القانون الطبيعي بطريقة نمطية. و لقد تبين لنا أنه ليس فقط قوة القوى النووية القوية في الطبيعة  و القوي الكهرومغناطيسية هي التي تحسم وجودنا بل  أن معظم الثوابت الأساسية تبدو و كأنها معيرة بدقة لدرجة أنه إذا حصل عليها تغيير طفيف، فهذا من شأنه أن يعمل تغييرات كمية كبيرة، و في حالات كثيرة تجعلها غير مناسبة للحياة٠

فحسب قوانين الجاذبية، لا يستقر المدار الإهليجي إلا في عالم الأبعاد المكانية الثلاثة. فالمدارات الدائرية ممكنه في العوالم ذات الأبعاد الأخري، و لكنها، كما تخوف نيوتن، غير مستقرة” و عليه “فالقوانين الطبيعية تشكل نظاما دقيق المعيار، و قليل جدا من القوانين الفيزيائية ممكن أن تتغير دون أن تحطم إحتمال  الحياة كما نعرفها. فلولا حدوث مجموعة من  المصادفات المثيرة و بالتفاصيل الدقيقة للقانون الفيزيائي، كما يبدو، ما كان للإنسان و غيره من الكائنات الحية أن يتواجد٠

و أكثر الصدف التي تبدوا و بصورة مذهلة أنها معيرة بدقة تخص ما يسمى ثابت النظام الكوني

Cosmological constant

المطروح في المعادلات النسبية العامة لآينشتاين. فكما ذكرنا، في عام ١٩١٥، عندما صاغ آينشتاين النظرية، فإنه كان يعتقد أن الكون ساكن، أي أنه ليس في حالة إتساع أو إنكماش. و بما أن كل المواد تجذب إليها المواد الأخري، فهو أدخل في نظريته قوة جديدة عاكسة للجاذبية سماها

Anti-gravity force

ليمنع {أو ليفسر } قابلية الكون بعدم تحطيم نفسه {بسبب الجاذبية المعاكسة}. هذه القوة، بعكس القوى الآخرى، لم تأتي من أي منبع معين، و لكنها كانت مبنية في نسج الزمكان {الذي إقترحه آينشتاين }. فالثابت الكوني يشرح قوة هذه القوى٠

و في عام ١٩٩٨ بينت المشاهدات للسوبرنوفا في المسافات البعيدة جدا عنا أن الكون في حالة إتساع بدرجات متسارعة {كما ذكرنا سابقا }، و حيث أن هذه العملية غير ممكنة إذا لم يكن هنالك نوع من القوى المضادة {للجاذبية} تعمل علي مستوي كل الفضاء. فتم إرجاع الثابت الكوني {لآينشتاين} بعد إستبعاده. و حيث إننا نعلم اليوم أن قيمة هذا الثابت ليس صفرا، فالسؤال التالي يضل مشروعا: لماذا يجب أن يكون الثابت بهذه القيمة {و ليس غيرها}؟٠

هنالك شيء واحد أكيد و هو أنه لو كانت قيمة الثابت الكوني أكبر بكثير من ما هو عليه، لإنفجر كوننا إلي قطع عديدة قبل أن يتم السماح للمجرات بالتكون، و -مره أخري- الحياة كما نعرفها كانت ستكون مستحيلة التواجد٠

فماذا عسانا أن نفعل بكل هذه الصدف { و الحظوظ السعيدة }؟

إن ‘عامل’ الحظ بالشكل و الطبيعة الدقيقة لأساسيات القانون الفيزيائي هو نوع مختلف عن الحظ الذي نجده في عوامل البيئة. فالمسألة لا يمكن أن تفسر بسهولة، و لها دلالات فيزيائية و فلسفية أعمق بكثير من {قول مجرد حظ أو صدفة كما يردد بعض السطحيين كمحمد العوضي و غيره مع أنهم لا يلامون}. فكوننا و قوانينه يبدو لنا و كأنه تم تصميمه بالصورة التفصيلية للحفاظ علينا”٠

و لكن “دقة التعيير ممكن أن يفسر { إو يدحض } بوجود الأكوان المختلفة. فالكثيرين نسبوا إلي الله جمال و تعقيد الطبيعة و التي كانت تبدو لهم في أزمانهم محيرة لعدم وجود تفاسير علمية لها. و لكن كما قام كل من دارون و والس بشرح كيف أن ما يبدو للناظرين أنه معجزة في تصميم الأشياء الحية {المعقدة} ممكن أن يكون بدون التدخل {القدسي} الخارق { أي أن التعقيد يتطور من البساطة و ليس العكس } . ففكرة الأكوان المتعددة ممكن أن تفسر موضوع التعيير الدقيق للقانون الفيزيائي دون الحاجة لخالق قادر علي كل شيء و الذي { قام إفتراضيا } بصنع الكون من أجل أن يكون في خدمتنا”٠

و من الطريف أن “آينشتاين سأل مساعده إرنست سترواس مرة هذا السؤال: ‘ هل كان الله يملك الإختيار عندما خلق الكون؟’ كما أنه في أواخر القرن السادس عشر  كان كيبلر مقتنعا بأن الله خلق الكون حسب بعض العمليات الحسابية المثالية. و نيوتن بين أن نفس القوانين التي تطبق في السماوات، تطبق علي الأرض، و طور معادلات رياضية ليعبر عن هذه القوانين و التي كانت جدا أنيقة لدرجة أنها تقريبا ألهمت حرارة دينية بين الكثيرين من علماء القرن الثامن عشر و الذين بدوا أنهم مصممين علي إستخدامها لبيان أن الله كان رياضيا”٠

و هنا  يقوم المؤلف بإعطاء نبذة مختصرة لما ذكره في السابق فيقول أنه “منذ عهد نيوتن و خصوصا بعد أينشتاين، أصبح هدف الفيزيائيين هو إيجاد مباديء رياضية بسيطة من النوع الذي تصوره كيبلر، و مع هذه المباديء أرادوا أن يخلقوا نظرية موحدة لكل شيء و يدخلوا في حساباتها كل تفاصيل المواد و القوى التي نشاهدها في الطبيعة.  و في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر و الجزء الأول من القرن العشرين أوجد آينشتاين و ماكسويل نظريات الكهرباء و المغناطيسية و الضوء. و في عام ١٩٧٠ تم عمل النموذج النمطي، و هي النظرية الموحدة للقوى النووية القوية و الضعيفة، و قوي الكهرومغناطيسية. ثم أتي بعد ذلك كل من نظرية الوتر و نظرية-م  في محاولة لإحتواء القوى المتبقية؛ الجاذبية. الهدف لم يكن فقط إيجاد نظرية واحدة تفسر كل القوى بل أيضا  كان لإيجاد تلك النظرية التي تفسر الأرقام الآساسية  {أو الثوابت } التي تحدثنا عنها، مثل قوة هذه القوى و الكتل و شحنات العناصر الأساسية { و هكذا}. و كما قال آينشتاين، الحلم أو الأمل كان أن نكون قادرين علي أن نقول  أن ‘ الطبيعة مشكلة بصورة تكون فيها القوانين قوية النفوذ بحيث تسمح  فقط للثوابت المنطقية و المقررة  بالكامل أن تظهر ( أي ليست كالثوابت التي ممكن أن تتغير قيمها الرقمية دون أن تتحطم النظرية )’ فالنظرية النادرة ستكون من غير المحتمل أن يكون لها التعيير الدقيق الذي يسمح لنا بالوجود. و لكن إذا فسرنا حلم  آينشتاين في ضوء التطورات الجديدة {في العلوم} بأن تكون تلك النظرية النادرة التي تفسر هذا الكون و الأكوان الأخرى، مع كل المجاميع المختلفة من قوانينها، فعندئذ، نظرية-م ممكن أن تكون تلك النظرية. و لكن هل نظرية-م فريدة، أو هي المطلوبة بطريقة أي مبدأ أو منطق بسيط؟ و هل بإستطاعتنا أن نجيب علي هذا السؤال: لماذا نظرية-م؟

يتبع

Previous Older Entries