أثرالدين الحق في نشر ثقافة الحمق

كم هو مؤلم لكل مراقب للساحة العلمية بالدول العربية/الإسلامية ملاحظة تقهقهر العلم في مقابل إنتشار الجهل بصورة مضطرده نمطية  ومبرمجه طبيعيا. و للأسف ليس هناك أمل في تغيير هذه الحالة السائدة في هذه المجتمعات و ذلك ليس لخلوها من مقومات النبوغ العلمي  و الادوات التقنية بقدر تشبثها بالاساسيات و الاساليب الخاطئة في طلب العلم.

فهذه المجتمعات-كغيرها- كانت بداياتها بالتحصيل الفلسفي (على إعتبار أن الفلسفة تشمل جميع العلوم مجتمعة كالرياضيات و الفلك و العلوم الفيزيائية و العلوم الاجتماعية و السيكلوجية والبيولوجية و الخيميائية و غيرها) في دور العبادة والمساجد. و من الطبيعي أن تعتمد هذه الجهات على الكتب الدينية و تفاسيرها و كتب علماؤها و فلاسفتها كدساتيرعلمية  ومساطر ثابتة لقياس أية معلومة فيزيائية أو اجتماعية أو سيكولوجية أو حتى إقتصادية. وأن تتبني الإسلوب البدائي في فرض إسلوب النقل الشفهي المعتمد على الحفظ و الترديد. وأن تستخدم إسلوب العصى و الجزرة –فلقة- في تربية النشىء. وأن تفرض إحترام المعلم, لدرجة تقترب من التقديس, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة- كالتلاعب سيكلوجيا بعقل المتلقي عندما يكون جالسا بمستوي انزل من الخطيب, ذلك التأثير الذي يبدو جليا في هذا البيت الشعري لأمير الشعراء أحمد شوقي “قم للمعلم وفه التبجيلا, كاد المعلم أن يكون رسولا”.

هذ الإسلوب للاسف لم يتغير حتى بعد إنشاء المدارس النظامية. كل ما تغير كان ظاهريا و ماديا. المباني تغيرت و الكتب تغيرت و حتى الوجوه و الأزياء تغيرت, لكن الأساس المنهجي لم يتغير. فنجد كتب العلوم و الاجتماع و التاريخ و الرياضيات بل جميع الكتب المقررة لا تخلوا من الأيات الدينية و الأدعية. و نرى طريقة توزيع العلامات لا تعتمد على فهم التلميذ للمادة بل على مدي حفظ النص وترديد الإجابات النموذجية التي توزع عليهم من قبل مدرسيهم أو يشترونها منهم. و نرى الطلبة يقومون إحتراما للمدرس عندما يدخل الفصل و لا يناقشونه طوال الحصة إن لم يقم المعلم بسؤالهم. و ناهيك عن ضرب المدرسين للتلاميذ وإهانتهم لزرع الرهبة في قلوبهم و فرض الإحترام عليهم فرضا– قامت بعض الحكومات مؤخرا بمنع ذلك.

و هذا الاسلوب الذي تفرضه المدارس لنشر العلوم لا ينتهي دوره بالمساجد و دور العبادة و الحسينيات أو المدارس, بل تعدي ليدخل كل بيت عن طريق الإعلام و الشبكات الاليكترونية. فهذه المجتمعات لا تفرق بين العالم و رجل الدين, فكل من صعد منبرا لقب بالعالم. و كل من قدم برنامج ديني صار علامة حتى لو كان أمي. فما بالك إن كان هذا العالم يحمل لقب دكتور قبل إسمه! الناس هنا لن تستفسر عن تخصصه و الجامعة التي أعطته هذا اللقب لأنها لم تتعود على البحث و التأكد و الإعتراض و النقد. فهذه الأمور جميعها جديدة عليهم. يكفي أن يقدم خطبا رنانة حتى توافقه  على كل ما يقول بل حتى تردد ما يقول أو تعمل نسخ/لصق و ترسله  دون التأكد من المعلومة أو من مصادرها.

و على هذا الأساس صعد نجم علماء الدين في الاعلام العربي /الاسلامي على حساب علماء التخصصات العلمية. فنرى من يقدم المادة العلمية على شاشات التلفزيون أو عبر اليوتوب هم رجال الدين و ليس علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الاحياء أو الاجتماع أو النفس. و ضاع التخصص العلمي بين من يحمل هذا التخصص و من يدعي بمعرفة كل شيئ. و الأمثلة على ذلك كثيرة كبروز نجم د. زغلول النجار و د. محمد العوضي و غيرهم. كما أن من يحذو حذوهم و يتغلب معرفيا عليهم بإزدياد مضطرد و مثال على ذلك هو د. عدنان إبراهيم و الذي صار يشكل علامة زمانه بالنسبة للكثيرين.

هؤلاء لا يستحقون إلا لقب علماء الجهل. فهم يتبعون نفس الطريقة البدائية في نشر المعلومة العلمية . هم يوهمونك بأنهم ينشرون العلم حسب تقدمة و تعقداته الزمنية ليس ليوسعوا مدارك الملتقي و يزيدوا فهمه للظواهر الطبيعية, بل كي يضربوا العلم في مقتل و يثبتوا ما جاء في كتبهم البالية ليتأكدوا من سيطرتهم على العقول التي قد تقرأ في هذه العلوم و تشك بمنهجهم المبني على الكرامات و الخوارق و علومهم الماورائية و التي تناقض العلوم الطبيعية. و لا أجد مثالا أفضل لهؤلاء من رجال الدين الذين يستخدمون الديموقراطية ليقضوا عليها. هؤلاء يقومون بذات الشئ مع العلوم الطبيعية ليقضوا عليها, حفاظا على دينهم.

و لأبين هذا الشئ بصورة أدق سأورد هنا مثالا على فيدوكليب بعنوان,”د. عدنان ابراهيم: شرح معجزة نقل عرش بلقيس بفزياء الكم”. فهذا الفيديو وصلني بالبريد الإليكتروني و اليوتوب و الفيسبوك و من كل جهة حيث يدعي فيها الدكتور عدنان إبراهيم أنه”لأول مرة نحل المعضلة التي كرت رأس إبن سينا و إبن رشد و حامد الغزالي و العلماء الذي ما عرفوا يحلوها.”

فبعد البسملة و الحوقلة المعتادة و ترديد بعض اللأيات ليهئ الأجواء و العقول لرهبة و تعظيم المحاضرة العلمية و إلباسها القدسية. يقول الدكتور عدنان عن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي “معاجز الأنبياء و آياتهم في كتاب الله تبارك و تعالى هي وعد للبشر بأنهم بإذن الله سيبلغون مثلها بالاسباب و العلم, إعطيت للأنبياء من غير اسباب” ثم يؤكد”هكذا… كن فيكون. البشرية تبلغ هذه في قابل الأيام بالعلم و الفكر و النظر. و الآن  تقريبا كثير جدا من معاجز الأنبياء تحقق العلم منها و أحيانا ابلغ منها.”

صحيح؟ كيف ذلك يا دكتور عدنان؟ كيف تحقق العلم من المكوث في بطن الحوت-بطن الوحش في الفلوكلور البابلي- لمدة ثلاثة أيام كما كانت معجزة النبي يونس ممكن  دون أن ينهضم و يصبح طعاما لسمك الزبال؟ ما هي الميكانيكية البيولوجية التي بإمكانها أن تؤكد هذه المعجزة؟ و كيف تحقق العلم بأن وجود سفينة واحدة تستوعب عشر بليون نوع من الحيوانات هي مسألة طبيعية ممكنة في زمن نوح-و زمن جلجامش قبله- ثم ما هو التفسير العلمي لوجود بعض هذه الحيوانات في قارات دون غيرها كالكنغر في إستراليا؟

ثم يقول الدكتور عدنان, ” ألبرت أينشتاين, صاحب النظرية النسبية…يقول  ليس أعجب شيئ أن نفهم الأشياء الصعبة…أعجب شيئ أننا نفهم أي شيئ.” و فسر كلام أينشتاين بأنه يعترف بأنه مهما بلغ حجم دماغك فلن تفهم أي شيئ. ثم يقول أن النملة تفهم أشياء عديدة. فهي” موحدة و تعرف…حتى الفيروس(نصف حي نصف ميت) يتماكر على البشر فيعجزهم و يلتف على أساليبهم.”

أولا لا أعلم لماذا يصر رجال الدين, سواء مسلمين أو غيرهم بزج إسم أينشتاين في كل محاضرة دينية؟ و لماذا يغالطونه دائما؟ فعندما قال أينشتان أن “أعجب شيء أننا نفهم أي شيئ” لم يكن يقصد ما قاله دكتور عدنان بقصور الدماغ عن فهم الأشياء, بل أغلب الضن أنه كان يقصد العكس, أي أن أينشتاين منبهر بقدرة العقل على الإستيعاب و إلا ما كان قال “أكثر شيئ غير مفهوم عن العالم أنه مفهوم.” أما قصة النملة و معرفتها بالأشياء و الذي فسرها د. عدنان بأنها موحدة و تعرف – هكذا دون إبداء أي تفسير علمي- فهي بالواقع مضحكة لدرجة البكاء. و لو كان الدكتور عدنان كلف نفسه بقراءة نظرية النشور و الإرتقاء عن طريق الإختيار الطبيعي لوجد التفسير العلمي لكيفية تطور النملة و إكتسابها الوعي الخاص بنوعها في محاولاتها للبقاء. و لفهم كذلك كيف يقوم الفيروس بإعادة خلق نفسه بصورة تتغلب على المضاد الحيوي و بإستمرار . و لما فسرها بقوله “كلها هدايات و إلهامات”. فكتب العلوم لا تعترف بال”هدايات” بدون دليل مادي منطقي تجريبي واضح لهذه ال “الهدايات”. و تأخذ بالتفسيرات الأكثر إحتمالا.

 ثم يقول د. عدنان,” أحسن شيئ للفهم و العلم و النور  أن نتقي الله تبارك و تعالى. و أكثر شيئ يظلم الذهن و القلب و الروح هو المعصية و البعد عن الله و المهالك الباطنية” ثم يستند إلى حديث أخرجه أحمد يقول ” من قارف ذنبا فارقه عقله بمقدار ذنبه, لا يعود إليه.”

هنا واضح جدا كيف يقوم د. عدنان بإستخدام إسلوب العصى و الجزرة مع مستمعيه ليس ليقنعهم بالمنطق العلمي و العقلي كما يدعي و لكن لفرضه عليهم. فملخص كلامه هو أنك إن أمنت بالله و عملت واجباتك الدينة كما فرضت عليك فستفتح لك مجالات المعرفة دون تعب أو دراسة و إن لم تفعل ستصبح معتوها حتى لو درست و تخصصت بعلم الصواريخ. يا له من منطق غريب يأتي من رجل يعتبره الكثيرون عالم.

ثم يتكلم د.عدنان عن موضوع نقل عرش بلقيس و كيف ان الفيزياء الكمية أثبت بالتجربة أن ذلك ممكن. و كيف أنه من خلال العشرة أو الخمستة عشر سنة الماضية “بدأت تباشير هذه العلوم لنا” و أن “هذه المعجزات للأنبياء و الخوارق (المعلنة بالكتب الدينية) هي تحصين في كل زمان و مكان عن أن يفتتنوا (الناس) بالعلم و أن يصيروا ذوي نزعة علموية… و يجعلوه منهجهم الوحيد. فكل ما أثبته العلم يؤمنون به و كل ما أنكره العلم ينكرونه. و كل ما عجز عن تناوله العلم أيضا ينكرونه.” ثم يزيد بقوله “عجيب…بعض الناس بلغ بهم الحمق أن يجعل المقارنة لأي موضوع هو العلم. موضوع الدين, الملائكة, الجن, الآخرة , الجنة التي تتعارض مع العلم لا يستطيع أن يتعامل معها.

بل من الحمق يا دكتور أن نعتقد بكل شيئ يمليه علينا الأولون دون التفحص و التأكد بالبراهين التجريبية و التي تستند أنت بنفسك عليها بالفيديو لإثبات وجهة نظرك. الإدعاءات العظيمة تحتاج لإثباتات أعظم. و لا يمكن لأي نظرية علمية أن تنشر بالأوساط العلمية و تدرس بالجامعات العالمية دون أن تتعرض للعديد من التجارب و بأماكن و أزمنة مختلفة. و كلما تحملت النظرية تقلبات الظروف و الزمن دون أن تتغير نتائجها كلما زادت الإحتمالات بصحتها. فلماذا تتوقع منا ألا نعامل الإدعاءات الدينية مثل “كن فيكون.” أو “خلق الإنسان من طين.” بنفس الطريقة العلمية من الفحص و التجربة و البرهان؟ المسألة ليست مسألة الإفتتان بالعلم, كما تريد أن توهم الناس, المسألة مسألة إستخدام أو إلغاء العقل. فموضوع الملائكة و الجن و الأخرة و الجنة كلها مواضيع لا تخرج عن نطاق الإدعاءات. و يتحتم علي رجال الدين من أمثالك كواجب أدبي و ديني, بدلا من ضياح الوقت بالنظرية الكمية و التي لا يفهمها حتى واضعيها من العلماء, هو تقديم ما يساندها من براهين لإقناع الناس بها.

ثم يقول ” هذه المعاجز تقول لنا: على المرء ألا يفتتن بالعلم لأن العلم و إن قدر على أشياء بأسباب مدروسة فلقد قدر عليه الله قبل ألوف من السنين” ثم”يجب أن نحترم العلم و أن نخلق منه منهاجا علميا في أمتنا العربية/الأسلامية.”

لا أعلم بصراحة أي علم يدعو له الدكتور و يطالب بمنهجته في حياتنا, فهل هو العلم الديني المنقول, أم العلم الطبيعي المبني على التجربة و البرهان و الذي إزدراه بالجمل السابقة؟ بصراحة لا أرى غير تناقض.

ثم يقوم الدكتور بشرح النظرية الكمية للتيليبورتيشنTeleportation  أو النقل الآني للجزيء التحت الذري عن بعد بعد شرح سطحي للنظرية الكمية. و ذكره بأن العلم أثبت إمكانية نقل الشيئ من مكان لآخر, ليس هو بذاته و لكن بنقل معلوماته بدقة, بحيث يتم إعدام الجزيئ من مكانه الأصلي و إعادة خلقه بالمكان الآخر بنفس اللحظة.  و هلل بعد ذلك ذاكرا بأنه  قام العلماء باستراليا بعمل تجربة ناجحة في نقل رزمة أشعة ليزر من مكان إلى مكان أخر بعد إعدامها في المكان الأصلي و إعادة خلقها بالمكان الآخر. أي أن النظرية الخاصة بالنقل الآني للجزيئات تم إثباتها نظريا و عمليا. و من ثم قام بمقارنة ذلك بما قاله إبن العربي قبل سنين عن عرش بلقيس,” أصف بن برخيا أعدم العرش في مكانه في سبأ و أعاد إنجازه عند سليمان بنفس اللحظة. و زمان إعدامه هو زمان إنجازه و ليس زمانين.” و إستطرد قائلا ” هذا هو العرفان بالله…إبن العربي لم يحتاج ليدرس الفيزياء الكمية. هو كان فاهم الكلام بالمكاشفة و العرفان.

هل أنا لوحدي من يرى التناقض بكلمات الدكتور أعلاه؟ كيف يهلل بنجاح التجربة نظريا و عمليا و بنفس الوقت يطلب منا الإقتداء بإبن العربي الذي لم يدرس و لم يجرب و لكن عرف كل شيئ…هكذا…بالمكاشفة؟

أولا ما ذكره عن الفيزياء الكمية لا يمكن تسطيحه بالصورة المختزلة التي ذكرها بالفيديو و حتى علماء الفيزياء الكمية لا يتوقعون أن يفهمها أو يفهم طبيعة تصرف الجزيئات ككتل أحيانا و كموجات أحيان أخرى.و المجال العلمي لا يكتفي بتجربة واحدة أو إثنتان أو عشرة حتى يقول ” أها وجدتها” بل هو عمل مستمر محاط بالشكوك و التجارب العديدة. و هذا هو الفرق بين العقلية العلمية المتشككة و العقلية الدينة الناقلة و المرددة. فما تم تجربته حتى الآن لا يعتبر إلا أول الخطوات الطفولية في مجال التيليبورتيشن. و هي تتم بالمستوى ما تحت الذري يعني لم يتم إثبات إمكانية نقل القلم مثلا من مكان لآخر و بنفس اللحظة دون فقد المعلومات المهولة الخاصة بالقلم. نحتاج وقت كبير لعمل ذلك و قد لا يتحقق. و هذا هو جمال العلم: لا يوجد شيئ مؤكد.

فمتى يفهم علماؤنا ذلك و يريحونا من جهلهم؟

 

الفيديو:

http://www.youtube.com/watch?v=awOBmturboc

Advertisements