كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٩)٠

الفصل الثامن: التصميم العظيم

في هذا الفصل و هو الأخير يلخص المؤلف كل ما قام بشرحه بالتفصيل في الفصول الماضيه و يستعرض الخلاصة و الهدف في نشر الكتاب فيقول “في هذا الكتاب قمنا بعرض كيف يمكن للحركة الإعتيادية للأجسام الهائلة، كالشمس و القمر و الكواكب أن تكون محكومة بقوانين ثابتة بدلا من كونها خاضعة للأهواء و النزوات الإعتباطية للآلهة و الشياطين  . ففي البداية ظهرت هذه القوانين {أو الفكرة بتنظيم معين للنجوم }  في علم الفلك ( أو التنجيم {معرفة الطالع من النجوم}، و الذي كان يعتبر وقتها نفس الشيء  تقريبا *. فتصرف الطبيعة {بالنظر إليها من } علي سطح الأرض معقد للغاية و خاضع لعدة مؤثرات {متداخلة} لدرجة أنها { أذهلت الإنسان في } الحضارات القديمة فلم يستطع أن يصيغ لها أية قوالب فكرية واضحة أو قوانين {تنظيمية } ممكن أن تخضع لها هذه الظواهر التي يشهدها. و لكن و بالتدريج { و خصوصا بعد تكرار حدوث الظواهر تحت ظروف نمطية } تم إكتشاف قوانين جديدة في نواحي  {أخري من الحياة } مختلفة عن علم الفلك، و هذا ما قاد إلي { بروز } فكرة الحتمية العلمية: و التي تقول أنه لابد من وجود مجموعة متكاملة من القوانين {الإبتدائية }  التي حددت كيف ممكن أن يتطور { أو يرتقي } الكون {على المدى البعيد } . و إمكانية معرفة هذه الصورة ، أو هذا التطور، من زمن يتم تحديد وضعه الأساسي فيه. و لكن يشترط على هذه القوانين أن تكون { صارمة في طبيعتها، أي } قابلة للتطبيق في أي مكان و أي زمان {دون إستثناء} ؛ {فمنطقيا } إذا لم تكن صارمة فهي ليست قوانين . فلا يجوز أن يكون هنالك إستثناءات لهذه القوانين و لا معجزات. {أي أن الحتمية العلمية تفرض علينا شرط بأن } الآلهة و الشياطين لا يجب أن تتدخل في إدارة الكون {أي بمعني آخر لا يجوز خلط العلوم الفيزيائية بالغيبيات}٠

ففي الوقت الذي ظهرت فيه فكرة الحتمية العلمية لأول مرة في التاريخ، كانت قوانين نيوتن للحركة و الجاذبية هي القوانين الوحيدة المعروفة. و لقد شرحنا كيف قام آينشتاين بتمديد و تطوير هذه القوانين بقوانين قدمها في نظريته النسبية العامة، و كيف تم إكتشاف قوانين أخري و التي تتحكم في شئون أخري في الكون٠

فقوانين الطبيعة  يجب أن {تقول لنا} كيف تتصرف الطبيعة و لماذا.”  و هي أسئلة مشروعه و ملحة كما ” قمنا بطرحها في بداية هذا الكتاب حيث تتلخص في:٠

لماذا يوجد شيء بدلا من لاشيء؟

لماذا نحن بالأساس موجودون؟

لماذا هذه المجموعة بالذات من القوانين في عالمنا و ليس غيرها؟

و من المنطقي { أيضا } أن نسأل من خلق الكون ، أو ما هو الشيء الذي خلق الكون . و لكن إذا كانت الإجابة بأن  ‘الله ‘ هو من خلق الكون، فهذا {لن يجيب على سؤالنا بصورة شافية لأنه } سيحرض علي سؤال آخر { أعقد } هو: من خلق الله . و من هذا المنظور { و الذي يفرض الإستسلام } يصبح مقبولا لدينا أن نفترض أن هنالك كائن ما موجود بدون خلق، و أن هذا الكائن إسمه الله .” و هكذا ندخل في نقاش عقيم ، فهذا النقاش أزلي  و له إصطلاح في علم الفلسفة بإسم  ” السببية الأولية لوجود الله ” . أي أنه سيضيع الموضوع و نبتعد عن الحتمية العلمية التي ننشدها. و لكن المؤلف يدعي حسب ما جاء على لسانه ” بأنه من الممكن الإجابة علي هذه الأسئلة ضمن النطاق العلمي فقط و دون الحاجة إلي تدخل الكائن القدسي “٠

فحسب فكرة الحتمية المعتمدة علي النموذج و الذي ذكرت شرحه في الفصول الماضية من هذا التلخيص و عرفة المؤلف بأن ” أدمغتنا تفسر المدخلات الملتقطة من أجهزتنا الحسية بعمل شكل أو نموذج للعالم  الخارجي.” و عليه فقوانيننا هي خاصة بنا و بعالمنا ، أو كما جاء علي لسان المؤلف أن “النموذج الجيد البناء يخلق واقع خاص به هو فقط ” . فإن كانت هنالك قوانين خارج نطاق إستيعابنا فهي غير مهمة لأنها بالنسبة لنا على الآقل غير موجوده حسب رأيي.  أما خلق الكون فيقول المؤلف بما معناه أنه قد يكون فيزيائيا بدأ من قوانين بسيطة جدا و لكنها  مع الوقت تطورت و تداخلت مع القوانين الكيميائية الآخري لتجعلها أكثر تعقيدا لدرجة ذكية . و ليشرح ما يقصد في االفقرة الماضية يضرب المؤلف لنا مثال في لعبة الحياة ، ليساعدنا أو ليحرض عقولنا علي “التفكير بواقعنا المعاش و { بمبدأ } الخلق”، فهذه اللعبة  ” تم إختراعها كما يقول المؤلف في سنة ١٩٧٠ من قبل عالم في الرياضيات، إسمه جون كونواي” لهدف عمل إختبار لعالمنا الفيزيائي . حيث ممكن من خلاله دراسة موضوع بالغ في أهميته الإنسان و هو الإجابة علي السؤال: هل الإنسان مسير أم مخير؟ أو هل من الممكن أن تتطور القوانين و تتعقد مع تغير الظروف٠

هذه اللعبة الكمبيوترية هي عبارة عن عده مربعات صغيرة متجاورة في البعد الثنائي- طول و عرض – تشبه إلى حد ما طاولة الشطرنج و لكن لا يوجد لها حدود معينة. تبدأ بوضع معين في زمن معين بشروط و قوانين محددة -إبتدائية بسيطة – لتتطور إلي قوانين أعقد و تمثل البرنامج المراد التوصل من خلاله إلي نموذج معين يتكرر حدوثه ليس على مستوى المربعات الصغيرة بالتحديد و لكن على مستوي عام و بصورة أكثر شمولية تشبه كثيرا قوانين عالمنا الفيزيائي كقوانين الدحرجة مثلا و قوانين أخرى بنينا عليها الأساسيات التطبيقية في حياتنا  كأجهزة الكمبيوتر الذكية . ليس هذا و حسب بل تم إختبار هذه اللعبة من قبل كونواي و طلبتة بإضافات يتدخل فيها عامل خارجي علي النموذج الأصلي ليتم مشاهدة كيفية تطوره و تحريضه لتكوين خلق ذكي نسبيا و ذلك بإحتفاظ المربع {الخلية الواحدة} بتاريخ لكل البرمجة السابقة. و بينت المحاولات بأنه حتي المجموعة البسيطة من القوانين {في بداية اللعبة} يمكن أن تنتج صفات معقدة تشبه {خلق} الحياة الذكية في الكون الفيزيائي ” . فأهم شيء في هذا الكون هو هذه القوانين الإبتدائية و الأخرى التي تطورت عنها . لأنه لابد من  “أن مجاميع كبيرة من القوانين في الكون تتصف بهذه الميزة” حسب ما جاء على لسان المؤلف. و لكن “ما هو {الأساس} الذي يتم عليه إختيار القوانين الأساسية {البسيطة} ( بدلا من القوانين الظاهرة {و الأكثر تعقيدا من التى تطورت عنها }) و التي تتحكم في كوننا؟

فكما هو الحال في كون كونواي {حيث قمنا نحن بوضع هذه القوانين في صيغة برنامج }،  فالقوانين في عالمنا ممكن أن تحدد إتجاه تطور النظام الكوني المستقبلي إذا عرفنا حالة هذا النظام بأي وقت معين {أي بوجود برنامج} . و لكن في عالم كونواي نحن من يخلق القوانين – أي نحن نختار الوضع الأولي للكون و ذلك بتحديد المواد و أماكنها في بداية اللعبة” من إذا يضع القوانين الإبتدائية للكون الفيزيائي ليتطور كما هو الآن و ليخلق الذكاء الطبيعي المعقد؟

يقول المؤلف “نحن نعلم أن أي مجموعة من القوانين و التي تفسر عالم مستقر {يسمح بالتطور لقوانينه}  كما هو عالمنا  {الكون بالنسبة لنا في الأرض} ستدخل حتما فيه فكرة الطاقة {كبدايات}، و التي هي كمية {في نوعها } و محافظة {علي نفسها}، و هذا يعني أنها لا تتغير مع الزمن. فالطاقة في الفضاء الخالي  {الفراغ} ستكون ثابتة، و لا تعتمد لا علي الزمان و لا علي المكان { و لا تساوي صفرا، بل هي بالتقريب صفر} ، و أن هنالك شرط واحد فقط  يجب أن يلتزم به أي قانون فيزيائي {ليتم شرط الإستقرار } و هو أن الطاقة للأجسام المعزولة و المحاطة بالفضاء الفارغ {كالأرض مثلا } يجب أن تكون موجبة لتتجاذب مع نفسها، و هذا يعني أنه لابد من بذل شغل لكي يتم بناء  هذا الجسم المعزول ” و ليبقي تقريبا في حالة إستقرار علي هيئته. أي يحتاج إلى طاقة موجبة و ليست سالبة لأنه “لو كانت طاقة الجسم المعزول سالبة، فهذا قد يعمل علي تحريك جزيئاته {بعيدا عن بعضها حيث التنافر } لكي يتعادل طاقتة السالبة بطاقة موجبة  {مساوية لها } يحدثها حركتة {الحركة هي الشغل و الشغل موجب}.  و إذا حصل ذلك { أي وجد الجسم المعزول بطاقة سالبة} ، إذا  فلا يوجد سبب يمنع الأجسام من الظهور في أي مكان. و عليه فسيكون الفضاء الفارغ غير مستقر. و إن كان خلق الأجسام المستقرة يكلف طاقه، فعدم الإستقرار يجب أن لا يحدث لأنه و كما ذكرنا، طاقة الفضاء الفارغ  يجب أن يظل ثابت. و هذا ما يتطلبه لجعل الكون مستقر محليا – و ذلك حتي لا تظهر الأشياء في كل مكان من لاشيء . {و هذا أحد أهم قوانين كوننا}٠

فإذا كان المجموع  الكلي {الجبري} للطاقة الكونية مقيد بالثبوت علي الصفر في الفضاء {من أجل الإستقرار}، و إذا كان خلق الأجسام يكلف بذل شغل أو طاقة، فكيف كان للكون بإكمله أن يخلق من لاشيء؟ هذا هو السبب في أنه لابد أن يكون هنالك قانون مثل قانون الجاذبية. لأن الجاذبية تعني الجذب و الشد {لعمل التعادل }، و طاقة الجاذبية طاقة سالبة: ذلك يعني أن علينا أن نبذل شغلا لفصل الأجسام عن بعضها البعض {الإحتفاظ بمسافات بينها }، مثل فصل القمر عن الدوران حول الأرض. و هذه الطاقة السالبة بإستطاعتها أن تعادل الطاقة الموجبة التي تتطلبها خلق المواد. فالجاذبية هي التي تشكل المكان و الزمان، وهي التي تسمح للزمكان أن يكون محليا مستقر و لكن كونيا غير مستقر. ففي المقاييس الكونية، الطاقة الموجبة المصاحبة للمواد ممكن أن تتعادل مع الطاقة السالبة للجاذبية،{ فتموت نجوم و تحيا أخرى}، و لذا فلا يوجد مانع من خلق الكون بأكمله. و لأنه يوجد قانون للجاذبية، فالكون يستطيع ، بل و يقوم بخلق نفسه من لاشيء بالصورة { الكوانتامية الذرية } ” التي تم شرحها في الفصل السادس٠

الخلاصة أن ” الخلق العشوائي هو السبب وراء كون أن هنالك شيء من لاشيء، و  {هو الجواب للسؤال الذي يقول }لماذا يوجد كون، و  {الجواب للسؤال عن } سبب وجودنا . فلا يوجد هنالك حاجة لإلاه كي يشغل { المفتاح الرئيسي} ليبديء عمل الكون و يتركه ليستكمل طريقه” بل هذا  من طبيعة الكون الفيزيائي حسب الحتمية العلمية، و عليه فأهمية إيجاد النظرية الكلية هي بمثابة معرفة القوانين الإبتدائية في لعبة الحياة، و ” النظرية الكلية {التي ننشدها } يجب أن تكون متكاملة و شاملة و قادرة على أن تتنبأ بنتائج نهائية لقيم يمكننا قياسها {للتأكد منها } . فلقد رأينا أنه يجب أن يكون هنالك قانون كالجاذبية {مد و جذب }  ، و رأينا في الفصل الخامس بأنه حتي تكون نظرية الجاذبية قادرة علي عمل تنبؤات لقيم نهائية، فهي وجب عليها أن تمثل بصورة ما سميناه  بالسوبرسيمتري أو التناظر الخارق لنظرية الجاذبية. و لهذه الأسباب فإن نظرية-م  {و التي تشملها } هي النظرية الوحيدة المرشحة لإعطاء {الصورة الصحيحة } للنظرية الكلية للكون. فإن كانت {نظرية م } نهائية- و هذا ما يجب على العلماء إثباته – فستكون هي النموذج  {المثالي} للكون  الذي يخلق نفسه بنفسه. و {نخلق نحن} كجزء منه لأنه { و حتي هذه اللحظة} لا توجد نظرية متكاملة مثل هذا النموذج” أو بالأحرى لا يوجد لها منافس بالقوة٠

فنظرية ‘م ‘ هي “النظرية الموحدة التي كان آينشتين يتمني أن يجدها {حاول حتي الساعات الآخيرة من حياته علي فراش الموت}. و حقيقة كوننا  كبشر- و الذي نعتبر مجرد مجموعة من المواد الأساسية في الطبيعة- قد أتينا إلي هذا القرب من فهم القوانين التي تتحكم فينا و في كوننا ليس فقط هو النصر العظيم للبشرية. و لكنه أيضا  هو المعجزة الحقيقية في كون الفرضيات التجريدة للمنطق قادتنا إلي نظرية فريدة من نوعها تقوم بالتنبؤ و تفسر الكون الكبير الملييء بالأشياء المدهشة العديدة التي نراها. فإذا تم التأكيد علي هذه النظرية بالمشاهدة المستقبلية، فإن هذا سيكون هو بمثابة النتيجة الناجحة لبحث بشري بدأ منذ أكثر من ٣،٠٠٠ سنة. و نكون {بالفعل} وجدنا ذلك التصميم العظيم٠

*

كان بداية الفصل بين علم الفلك الفيزيائي و التنجيم الميتافيزيائي في عهد الدولة العباسية حسب جون فريلي في كتابه” مصباح علاء الدين ” -عملت له مراجعة سابقا في هذه المدونة

إلي هنا ينتهي الكتاب و يفتح الباب للمناقشة  العلمية للمادة المعروضة حسب رغبة بعض قرائي الأعزاء، و لكن قبل أن أنهي هذا الفصل أحببت أن أعرض لكم رأي بعض رجال العلم و الفلسفه في هذا الكيب

إنتهت المراجعة و أهلا بأي نقاش

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٨)٠

الفصل السابع: المعجزة الظاهرة {للعيان}٠

في الفصل السابق تساءل المؤلف عن ما يجعل من كوكبنا المكان الإستثنائي المناسب للحياة فتجعله يبدو و كأن هنالك يد تدخلت لتصميمه خصيصا لخدمتنا بقوانين شديدة الدقة لدرجة أن التحييد عنها و لو بقيد أنمله قد يقلب جميع الموازين. و في هذا الفصل يبدأ ببيان الخصائص التي جعلت من نظامنا الشمسي نظام قابل للحياة على الأرض. و أول الخصائص الإستثنائية التي ذكرها هو كون نظامنا الشمسي ذو نجم أحادي (أي يحتوي على شمس واحد ) ،  فلولا تمتع نظامنا الشمسي بهذه الميزة لما كانت هنالك فرصة للحياة أن تدب على وجه الأرض. أو كما قال بإسلوبه ” أي نظام شمسي ذو شموس متعددة ، لن يسمح، على الأرجح ، بتطور الحياة “. و السبب هو أن الكواكب التابعة له ” لن تستطيع الحفاظ على إنتظام درجات الحرارة {على سطوحها و خلال حركتها } على المدي الزمني البعيد ، و هذا كما يبدو لنا هو شرط من الشروط الضرورية {لقيام و إستمرار} الحياة ” . و لزيادة التوضيح يقوم المؤلف بضرب المثل بأبسط نظام للشموس المتعددة و هو النظام الثنائي أو الذي يحتوي على شمسين فيقول،” النظام الثنائي البسيط يستطيع أن يحافظ علي إستقرار أنواع معينة من المدارات {مختلفة عن النظام الأحادي}. و في كل واحدة من هذه المدارات سيكون  هنالك علي الأغلب فترة {ما خلال دورته} يصبح فيه سطح الكوكب إما أشد حرارة أو أشد برودة من تلك التي  تسمح بوجود الحياة. و الوضع يكون حتي أسوأ من ذلك في المجموعات الشمسية التي تحتوي علي نجوم عديدة {أي أكثر من إثنين } “٠

ليس ذلك و حسب بل نظامنا الشمسي له خاصية أخري لا يمكن أن تتطور بدونها الحياة للكائنات الراقية على الأرض، كما يؤكد المؤلف، هذه الخاصية  هي ” الدرجة التي ينطعج بها مدار الأرض البيضاوي {الإهليليجي }  حول الشمس . أو ما يسمي رياضيا بالإكسنترستي  أو درجة الإنحراف

Eccentricity

و الإكسنترستي هو ما يمثل رياضيا برقم بين الصفر و الواحد؛ فكلما كانت درجة الإنحراف تساوي رقما أقرب للصفر، كلما إقترب المدار إلي الشكل الدائري المثالي، {و في المقابل } كلما كانت درجة الإنحراف تساوي رقما أقرب للواحد كلما صار المدار أكثر تفلطحا… و بما أن درجة إنحراف المدار الأرضي هو فقط ٢ بالمئة تقريبا، فهذا يعني أن مداره حول الشمس هو تقريبا دائري.  و كما تبين لنا، فهذه الخاصية تمثل ضربة حظ كبيرة …فعلى الكواكب ذات درجة إنحراف كبيرة {مطعوجة بشدة} ، يلعب التغير الحاصل ببعد مسافات الكوكب عن الشمس { أثناء الدوران } دورا كبيرا {في التغير الكبير في درجات الحرارة على ذلك الكوكب حسب قربه أو بعده عن الشمس }…فالكواكب التي تتميز مداراتها بدرجات إنحراف عالية {قريبة من واحد } لا تسمح بوجود الحياة فيها. و لذا فنحن محظوظون لكون درجة إنحراف {مدار }الأرض {حول الشمس}  أو الإكسنترستي لمدار الأرض قريب جدا من الصفر { أو يمثل شكلا قريبا من الشكل الدائري } “٠

و لا تنتهي القضية هنا، بل ” الحظ ملازمنا أيضا في علاقة كتلة شمسنا مع بعد المسافة بيننا و بينه. و ذلك لكون كتلة النجم هي التي تحدد كمية الطاقة التي تصدر عنه…و لقد جري العرف أن يعرف العلماء الحيز القابل للحياة كالجزء الضيق حول النجم و التي تكون درجات الحرارة فيه مناسبة لتواجد الماء في الحالة السائلة بالحلقة الذهبية” أو

Goldilocks zone

و هذا الإسم في الواقع مستعار من قصة الأطفال ‘حلقة الذهب و الدببة الثلاث’ . فعندما تدخل ذات الشعر الذهبي إلى كوخ الدببة الثلاث و تستخدم أغراضهم في غيابهم فهي تقوم بإختيار الأنسب لها ،  و كذلك هو هذا المجال حول الشمس”فتطور االأحياء الذكية تتطلب أن تكون درجات الحرارة {و في جميع المواسم} في ‘الحدود المناسبة فقط’  للحياة” كما يقول المؤلف. فما هي قصة هذه الحظوظ يا ترى؟

يقول المؤلف أن نيوتن كان يعتقد أن السبب في كون نظامنا الشمسي غريب ( أو شاذ ) في نوعه هو كونه لم ” يخلق عشوائيا ( أو عبث ) بواسطة حزمة من القوانين الطبيعية” ، بل هو ” مخلوق من الله في البداية، و من ثم حافظ {الله عليه}  حتي يومنا هذا { بواسطة تلك القوانين } و بنفس الوضع و الحالة” . و لكن المؤلف يختلف مع نيوتن في هذه النقطة الجدلية، فيقول بأن “تصميم عالمنا القابل لوجود الحياة فيه كان بالفعل سيكون محيرا إذا كان نظامنا الشمسي هو الوحيد من نوعه في الكون ( أو أنه شاذ ) ” ، و لكن الأمر ليس كذلك ، ” ففي عام ١٩٩٢ تم إستكشاف و من ثم الحصول على أول مشاهدة مؤكدة بوجود كوكب (آخر ) يدور حول نجم غير شمسنا {و مشابه للأرض بالخصائص } . و اليوم نحن نعرف عن وجود المئات من تلك الكواكب { و إن كنا لا نعرف حتي الآن عن وجود الحياة عليها بسبب بعدها عنا }” و لا يوجد لدي العلماء شك “بوجود عدد لانهائي من تلك الأنظمة { و التي تتمتع بنفس المواصفات الخاصة بنظامنا تقريبا} بين البلايين من النجوم في كوننا . و هذا ما يجعل عامل الصدفة أو التزامن {في وجود هذه الخصائض مجتمعة } في نظامنا الشمسي – أي وجود شمس واحد، و بعد مناسب للأرض عن الشمس و الكتلة الشمسية المناسبة – أقل دهشة بكثير ، و أقل إلزاما كدليل علي أن الأرض مصمم بعناية فقط من أجل إرضائنا كجنس بشري. فالكواكب و بجميع أشكالها {و مواصفاتها } هي موجودة بيننا. و بعضها- أو علي أقل تقدير ، واحدة منها { هي الأرض }- تسمح بالحياة عليها”. و من  ثم يضيف بأن “وجودنا بحد ذاته يفرض قوانين تحدد من أين و في أي وقت يسمح لنا بمشاهدة الكون. أي أن، حقيقة وجودنا يفرض مواصفات نوعية البيئة التي نجد أنفسنا فيها. و هذا المبدأ له مصطلح علمي يسمى ‘مبدأ الأنثروبي الضعيف’٠

Weak Anthropic Principle

فمعرفتنا بوجودنا – أو كوننا شهودا على وجودنا – هو ما يفرض القوانين التي  يتم إختيارها ، من بين كل البيئات الإحتمالية، فقط تلك البيئات التي تتمتع بمواصفات تسمح بالحياة “٠

و يؤكد المؤلف بأنه مع أن مبدأ  الأنثروبي الضعيف أعلاه له وقع علي الأذن و كأنه من العلوم الفلسفية، ألا أنه ليس كذلك  لأن “هذا المبدأ بالإمكان أستخدامه لعمل توقعات علمية ( أو للتأكد من قياسات معينة ). فعلى سبيل المثال، {نحن نستطيع أن نستخدمه بعملية حسابية لمعرفة } عمر الكون { بصورة تقريبية تمكننا التأكد من الحسابات الرياضية و القياسات الأخري التي نحصل عليها}”٠

فعلي سبيل المثال “حتي يكون وجودنا ممكنا على سطح الأرض فلابد للكون أن يحتوي علي عناصر (معينة ) كالكربون … و الكربون عليه بالتالي أن ينتشر في الفضاء بواسطة إنفجارات السوبرنوفا

Supernova Explosion

و من ثم على الكربون أن ينكمش و يتجمع كجزء من كوكب علي مجموعة شمسية حديثة. و في عام ١٩٦١ جادل الفيزيائي روبرت دايك

Robert Dicke

بأن هذه العمليات تتطلب علي الأقل عشرة بلايين من السنين , و هذا يعني أن عمر الكون لايمكن أن يكون أقل من ذلك. و من ناحية أخري، لا يمكن أن يكون الكون أكبر من ذاك الرقم بكثير، لأنه في المستقبل البعيد ستستنفذ كل النجوم وقودها، و نحن بحاجة للنجوم المتوهجة لكي تستمر الحياة…و حسب البيانات الحالية لدينا، فالإنفجار الكبير حصل من قبل حوالي ١٣.٧ بليون سنة… و {هكذا } فالتنبؤاث الأنثروبية في العادة تعطي مجال { تقريبي} للقيم  و لا تحددها بدقة {و هذا يسمح لنا بالتأكد من حساباتنا}. فتقدير مدة  وجودنا، قد لا يتطلب قياسات دقيقة لبعض الظواهر الطبيعة و  التي غالبا ما تكون تعتمد علي المتغيرات التي لا تبتعد كثيرا مما نجدها {رياضيا أو بالقياس}. و علاوة علي ذلك فنحن نتوقع أن تكون الشروط الفعلية في عالمنا نموذجية و ضمن مجال شرعي مسموح به. فإذا كانت درجة الإنحراف المداري، علي سبيل المثال، هي ما بين ٠،٥ و صفر كشرط للسماح بوجود الحياة، فإن درجة إنحراف بمقدار   ٠،١ لا يجب أن تدهشنا لأنه إحتمال وجود هذه الدرجة من الإنحراف بين كل الكواكب في الكون،  و بنسب معقولة ، ليس غريبا. و لكن لو كان الأرض يتحرك في حركه تقريبا دائرية مطلقة، بإكسنترستي أو درجة إنحراف يساوي ٠،٠٠٠٠٠٠٠٠٠١ علي سبيل المثال، فهذا ما سيجعل الأرض بالفعل كوكب خاص جدا (أو شاذ كما ذكر نيوتن )، و { عندها } قد يحضنا ذلك الأمر علي محاولة تفسير سبب وجودنا في موقع بهذه الندرة {بصور أخرى} “٠

هذه الفكرة و التي تقول بأن الكون لم يخلق خصيصا لنا لها مصطلح علمي فلسفي يسمي ‘مبدأ ما دون المتوسط’ حسب المؤلف٠

The Principle of Mediocrity

هذا مع العلم بأن “الصدف السعيدة التي ساهمت في تشكيل مدارات الكواكب، و كتلة الشمس، و بقية الفرص السعيدة {نعزوها للبيئة } و نسميها بيئية لأنها تقوم علي مبدأ السرنديبية”٠

Serendipity

و هي في الواقع أحد الكلمات التي يصعب ترجمتها إلى أي لغة أخرى و لكن المؤلف عرفها  بالموهبة ” لإكتشاف الأشياء من حولنا ، ليس من خلال ضربة حظ في قوانيننا الأساسية في الطبيعة {أو كما يقول البعض صدفة من غير وجود إحتمال لها في الواقع}. فعمر الكون هو أيضا عامل بيئي، لأنه يوجد ما هو قبل و ما هو بعد في تاريخ كوننا، و لكننا نعيش في هذا {الحيز} من الزمن لأنه الحيز الوحيد الذي يسمح بالحياة…وجود النجوم، و الوجود في داخل هذه النجوم المكونة لعناصر نحن مصنوعين منها، ليس كافيا. فديناميكية النجوم تفرض عليها الإنفجار {بعد أن تنتهي حياتها}، ليس ذلك و حسب، بل عليها أن تنفجر بطريقة معينة تسمح لها بنشر المعادن الأثقل في الفضاء”٠

و كان أحد أوائل من تعرف علي هذه الخاصية هو فريد هويل

Fred Hoyle

في عام ١٩٥٠ حيث ” إعتقد أن كل العناصر الكيميائية في الوجود كانت أساسا مشكلة من عنصر الهيدروجين، و أنها المادة الأساسية {في تكوين كل شيء}” مع العلم بأن هنالك أشكال مختلفة من ذرات الهيدروجين ، لها نفس عدد البروتونات و لكن عدد مختلف من النيوترونات تسمي أيسوتوب أو نظير الهيدروجين ٠

Isotopes

و قد يكون  ” تطور شكل من أشكال الحياة  التي تتغذى على السيليكون و تحرك أذيالها بصورة رذمية { إيقاعية } دائرية في أحواض من الأمونيا أمرا ممكنا، و مع ذلك  فذاك النوع من الكائنات الحية الغريبة النوع لا يمكنها أن تتطور من المكونات الأساسية، لأن تلك العناصر لا يمكنها أن تشكل إلا نوعين من المركبات المستقرة؛ هيدرات الليثيوم، و التي هي كريستالات صلبة لا لون لها، و هيدرات الغاز. و كلا {المركبين } لا يمكنهما أن يعادا إنتاج نفسهما ، أو أن يتزاوجا {ليشكلا مركبات جديدة كما هو الحال مع الهيدروجين } . كما أن الحقيقة ستظل بأننا نوع من الأحياء الكربونية {نخضع لقوانين الكيمياء العضوية}، و هذا ما يجعل موضوع {أو سؤال : لماذا } الكربون و الذي يحتوي علي ستة بروتونات، و كذلك العناصر الثقيلة الأخري في أجسامنا” موضوعا دقيقا لكونه تحصيل حاصل و منطقي لأن هذه المواد بالأساس قابله للتطور و إعادة الإنتاج من مكوناتها الآساسية. فكيف إذا يتكون الكربون؟

عندما “تنتهي دورة حياة النجم، فإنه ينفجر فيما يسمي بالسوبرنوفا، و ينشر الكربون و العناصر الثقيلة الأخري في الفضاء . و من ثم تتكثف هذه العناصر مع بعضها البعض مكونة كواكب جديدة . و تسمي هذه العملية في خلق الكربون بعملية الألفا الثلاثية

The triple alpha process

و ذلك لأن’ جزيئات الألفا’ هو إسم آخر لنواة ذرة الإيسوتب {النظير } للهليوم ذو العلاقة {في العملية } ، و لأن العملية {الكيميائية } تتطلب إنصهار ثلاثة {جزيئات من نظير الهليوم} مع بعض {ليتكون الكربون}٠

و في عام ١٩٥٢ تنبأ هويل أن يكون مجموع طاقة نواة البرليوم و نواة الهيليوم مساويا لطاقة أيسوتوب من الكربون المتكون {في عملية الخلط} عندما يكون في وضع معين . و هذه الحالة تسمي حاله الرنين٠

Resonance

و هذا الخلط من شأنه أن يزيد من التفاعلات النووية. و عليه فالإنفجار بين هذه المواد و إعادة تكوينها هو أمر طبيعي٠

و عند البحث في شرعية مبدأ الأنثروبي في السنوات الأخيرة، قام الفيزيائيون بطرح أسئلة من مثل كيف كان سيكون الكون عليه إذا كانت القوانين الطبيعية مختلفة عن القوانين الحالية. و اليوم نحن بإستطاعتنا خلق نماذج آلية تخبرنا كيف تعتمد درجة تفاعل الآلفا الثلاثي علي  قوة القوى الرئيسية للطبيعة. فهذه الحسابات تبين لنا أن أي تغيير حتي لو كان بقدر ٠،٥ في المئة في القوة النووية القوية، أو ٤ في المئة في القوة الكهربية، سيحطم إما كل الكربون تقريبا أو كل الأكسجين في كل نجمة، و معه سينمحي إحتمال تواجد الحياة كما نعرفها. فالتغيير الطفيف في القوانين الخاصة بكوننا من شأنه أن يمحي شروط تواجدنا٠

و مع إختبار نموذج الأكوان التي وضعها {الفيزيائيون }عندما تتغير النظريات الفيزيائية أصبح بإستطاعتنا أن ندرس تأثير هذا التغيير علي القانون الطبيعي بطريقة نمطية. و لقد تبين لنا أنه ليس فقط قوة القوى النووية القوية في الطبيعة  و القوي الكهرومغناطيسية هي التي تحسم وجودنا بل  أن معظم الثوابت الأساسية تبدو و كأنها معيرة بدقة لدرجة أنه إذا حصل عليها تغيير طفيف، فهذا من شأنه أن يعمل تغييرات كمية كبيرة، و في حالات كثيرة تجعلها غير مناسبة للحياة٠

فحسب قوانين الجاذبية، لا يستقر المدار الإهليجي إلا في عالم الأبعاد المكانية الثلاثة. فالمدارات الدائرية ممكنه في العوالم ذات الأبعاد الأخري، و لكنها، كما تخوف نيوتن، غير مستقرة” و عليه “فالقوانين الطبيعية تشكل نظاما دقيق المعيار، و قليل جدا من القوانين الفيزيائية ممكن أن تتغير دون أن تحطم إحتمال  الحياة كما نعرفها. فلولا حدوث مجموعة من  المصادفات المثيرة و بالتفاصيل الدقيقة للقانون الفيزيائي، كما يبدو، ما كان للإنسان و غيره من الكائنات الحية أن يتواجد٠

و أكثر الصدف التي تبدوا و بصورة مذهلة أنها معيرة بدقة تخص ما يسمى ثابت النظام الكوني

Cosmological constant

المطروح في المعادلات النسبية العامة لآينشتاين. فكما ذكرنا، في عام ١٩١٥، عندما صاغ آينشتاين النظرية، فإنه كان يعتقد أن الكون ساكن، أي أنه ليس في حالة إتساع أو إنكماش. و بما أن كل المواد تجذب إليها المواد الأخري، فهو أدخل في نظريته قوة جديدة عاكسة للجاذبية سماها

Anti-gravity force

ليمنع {أو ليفسر } قابلية الكون بعدم تحطيم نفسه {بسبب الجاذبية المعاكسة}. هذه القوة، بعكس القوى الآخرى، لم تأتي من أي منبع معين، و لكنها كانت مبنية في نسج الزمكان {الذي إقترحه آينشتاين }. فالثابت الكوني يشرح قوة هذه القوى٠

و في عام ١٩٩٨ بينت المشاهدات للسوبرنوفا في المسافات البعيدة جدا عنا أن الكون في حالة إتساع بدرجات متسارعة {كما ذكرنا سابقا }، و حيث أن هذه العملية غير ممكنة إذا لم يكن هنالك نوع من القوى المضادة {للجاذبية} تعمل علي مستوي كل الفضاء. فتم إرجاع الثابت الكوني {لآينشتاين} بعد إستبعاده. و حيث إننا نعلم اليوم أن قيمة هذا الثابت ليس صفرا، فالسؤال التالي يضل مشروعا: لماذا يجب أن يكون الثابت بهذه القيمة {و ليس غيرها}؟٠

هنالك شيء واحد أكيد و هو أنه لو كانت قيمة الثابت الكوني أكبر بكثير من ما هو عليه، لإنفجر كوننا إلي قطع عديدة قبل أن يتم السماح للمجرات بالتكون، و -مره أخري- الحياة كما نعرفها كانت ستكون مستحيلة التواجد٠

فماذا عسانا أن نفعل بكل هذه الصدف { و الحظوظ السعيدة }؟

إن ‘عامل’ الحظ بالشكل و الطبيعة الدقيقة لأساسيات القانون الفيزيائي هو نوع مختلف عن الحظ الذي نجده في عوامل البيئة. فالمسألة لا يمكن أن تفسر بسهولة، و لها دلالات فيزيائية و فلسفية أعمق بكثير من {قول مجرد حظ أو صدفة كما يردد بعض السطحيين كمحمد العوضي و غيره مع أنهم لا يلامون}. فكوننا و قوانينه يبدو لنا و كأنه تم تصميمه بالصورة التفصيلية للحفاظ علينا”٠

و لكن “دقة التعيير ممكن أن يفسر { إو يدحض } بوجود الأكوان المختلفة. فالكثيرين نسبوا إلي الله جمال و تعقيد الطبيعة و التي كانت تبدو لهم في أزمانهم محيرة لعدم وجود تفاسير علمية لها. و لكن كما قام كل من دارون و والس بشرح كيف أن ما يبدو للناظرين أنه معجزة في تصميم الأشياء الحية {المعقدة} ممكن أن يكون بدون التدخل {القدسي} الخارق { أي أن التعقيد يتطور من البساطة و ليس العكس } . ففكرة الأكوان المتعددة ممكن أن تفسر موضوع التعيير الدقيق للقانون الفيزيائي دون الحاجة لخالق قادر علي كل شيء و الذي { قام إفتراضيا } بصنع الكون من أجل أن يكون في خدمتنا”٠

و من الطريف أن “آينشتاين سأل مساعده إرنست سترواس مرة هذا السؤال: ‘ هل كان الله يملك الإختيار عندما خلق الكون؟’ كما أنه في أواخر القرن السادس عشر  كان كيبلر مقتنعا بأن الله خلق الكون حسب بعض العمليات الحسابية المثالية. و نيوتن بين أن نفس القوانين التي تطبق في السماوات، تطبق علي الأرض، و طور معادلات رياضية ليعبر عن هذه القوانين و التي كانت جدا أنيقة لدرجة أنها تقريبا ألهمت حرارة دينية بين الكثيرين من علماء القرن الثامن عشر و الذين بدوا أنهم مصممين علي إستخدامها لبيان أن الله كان رياضيا”٠

و هنا  يقوم المؤلف بإعطاء نبذة مختصرة لما ذكره في السابق فيقول أنه “منذ عهد نيوتن و خصوصا بعد أينشتاين، أصبح هدف الفيزيائيين هو إيجاد مباديء رياضية بسيطة من النوع الذي تصوره كيبلر، و مع هذه المباديء أرادوا أن يخلقوا نظرية موحدة لكل شيء و يدخلوا في حساباتها كل تفاصيل المواد و القوى التي نشاهدها في الطبيعة.  و في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر و الجزء الأول من القرن العشرين أوجد آينشتاين و ماكسويل نظريات الكهرباء و المغناطيسية و الضوء. و في عام ١٩٧٠ تم عمل النموذج النمطي، و هي النظرية الموحدة للقوى النووية القوية و الضعيفة، و قوي الكهرومغناطيسية. ثم أتي بعد ذلك كل من نظرية الوتر و نظرية-م  في محاولة لإحتواء القوى المتبقية؛ الجاذبية. الهدف لم يكن فقط إيجاد نظرية واحدة تفسر كل القوى بل أيضا  كان لإيجاد تلك النظرية التي تفسر الأرقام الآساسية  {أو الثوابت } التي تحدثنا عنها، مثل قوة هذه القوى و الكتل و شحنات العناصر الأساسية { و هكذا}. و كما قال آينشتاين، الحلم أو الأمل كان أن نكون قادرين علي أن نقول  أن ‘ الطبيعة مشكلة بصورة تكون فيها القوانين قوية النفوذ بحيث تسمح  فقط للثوابت المنطقية و المقررة  بالكامل أن تظهر ( أي ليست كالثوابت التي ممكن أن تتغير قيمها الرقمية دون أن تتحطم النظرية )’ فالنظرية النادرة ستكون من غير المحتمل أن يكون لها التعيير الدقيق الذي يسمح لنا بالوجود. و لكن إذا فسرنا حلم  آينشتاين في ضوء التطورات الجديدة {في العلوم} بأن تكون تلك النظرية النادرة التي تفسر هذا الكون و الأكوان الأخرى، مع كل المجاميع المختلفة من قوانينها، فعندئذ، نظرية-م ممكن أن تكون تلك النظرية. و لكن هل نظرية-م فريدة، أو هي المطلوبة بطريقة أي مبدأ أو منطق بسيط؟ و هل بإستطاعتنا أن نجيب علي هذا السؤال: لماذا نظرية-م؟

يتبع

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٧)٠

الفصل السادس: إختيارنا للكون الخاص بنا

لماذا يوجد هذا العالم؟ و لماذا هو بهذه الصورة التي نراها بها؟ أسئلة يتفكر من خلالها المؤلف قائلا “إن مقدرتنا اليوم لطرح { و مناقشة} مثل هذه الأسئلة قد تنامت و بصورة طردية سريعة في القرون السابقة، إبتداء من أيام الإغريق القدماء {حيث كانت بدايات فلسفة سر الوجود}. و  إزدادت {بإزدياد الصورة وضوحا } كلما إزدادت معارفنا و تجاربنا مع مرور الزمن ، { و بالذات} تلك المعارف التي إكتسبناها خلال القرن الماضي ” حسب رأي المؤلف. و هذا قد يكون  السبب وراء ثقة ستيفن هاوكنغ بالنتائج التي توصل إليها من خلال بحوثه من أجل الإجابة على الأسئلة الكبيرة في ذهنه و التي حرص علي التأكيد عليها و بكل وضوح في هذا الكتاب – على عكس كتبه السابقة، و التي كان يتطرق لهذه المسائل بشيء من الحذر- فكما يبدو لي أن أفكاره تبلورت مع الزمن و البحث الدائب عن كل مستجد على الساحة، حتى أصبحت الصورة أكثر وضوحا في ذهنه و هو لا يري غضاضة في أن يقول خلاصة فكره اليوم ، و يبدؤها بهذه الأسئلة في الفصل السادس . أما الفصول السابقة فلقد كانت فصول تعريفية و تثقيفية بالمباديء العلمية الأساسية التي إستند عليها المؤلف ليقدم إستنتاجاته٠

و هكذا يبدأ بالقول بأنه  ” بالتسلح بالخلفية {العلمية} المطروحة في الفصول السابقة” فنحن “الآن مستعدون لتوفير أجوبة إحتماليه لهذه الأسئلة”، و ذلك حسب إعتقاده بأن الإنسان الحديث قد وصل إلي مرحلة من العلم كافيا ليخوله بالإجابة على تلك الأسئلة، فيقول ” أحد الأشياء الواضحة لنا حتى من قديم الزمان هو إما أن يكون الكون { و من ضمنه الإنسان} حديث الخلق، أو أن الإنسان هو من خلق حديثا بالنسبة إلي التاريخ الكوني. و ذلك لأن ” الجنس البشري قد تطور بصورة كبيرة من الناحية المعرفية و التكنولوجية لدرجة أنه لو كان الإنسان موجودا منذ ملايين السنين لكان الجنس البشري اليوم أكثر تقدما مما هو عليه الآن {قياسا بمعامل تغيرة مع الزمن} “، ماذا إذا عن تاريخ وجود الإنسان على سطح الأرض؟

إستنادا إلى ” كتاب العهد القديم فلقد خلق الله آدم و حواء في ستة أيام فقط كجزء من عملية الخلق الكلية”، و هذا كان “الإعتقاد السائد و لسنوات طويلة {لمعتنقي الديانات الإبراهيمية}”. أما عن تاريخ وجود الكون فلقد حدده  “الأسقف آشير

Bishop Ussher

كبير أساقفة إيرلندا من سنة ١٦٢٥ م إلي سنة  ١٦٥٦ م ،  و الذي لم يكتفي بذلك {ما جاء في العهد القديم } و حسب، بل ذهب أبعد من ذلك حين إدعى أنه قام بتحديد بداية العالم بكل دقة، ليكون في الساعة التاسعة من صباح يوم ٢٧ أكتوبر ٤٠٠٤ قبل الميلاد”٠

أما “نحن {العلماء} فإن نظرتنا للكون و بداية الإنسان مختلفة تماما ، فنحن نعتقد أن الجنس البشري هو جنس مستحدث في خلق الكون ، هذا لأن الكون بالمقارنة عمره ما يعادل ١٣.٧ بليون سنة { حسب الرزنامة الفلكية التى وضعها الفلكي السابق كارل ساجان فإن عمر الإنسان الحديث، بجميع حضاراته، بالنسبة لعمر الكون لا يتعدى بضع ساعات أخيرة من السنة الكونية إذا ما تصورنا بداية خلق الكون مع بداية السنة كقياس تناظري}٠

و كان الإعتقاد السائد بأن الكون ساكن منذ بداية الخلق و الموجات الضوئية و الصوتية و غيرها تسبح فيه عبر مادة -تم إفتراضها منذ أيام الإغريق دون التأكد من وجودها- سميت ب ‘الأثير’ ، إلى أن جاء إدوين هابل

Edwin Hubble

و غير هذه الصورة، فبناء علي مشاهداته “و التي إستخدم فيها تلسكوبا بقياس ١٠٠ إنش في مونت ويلسون علي التلال التي تعلو مدينة باسدينا في كاليفورنيا، حيث قام بتحليل الضوء الواصل إلينا من النجوم و دراستها ” تبين لنا أن جميع الأجرام السماوية تقريبا في حالة إبتعاد عنا، و كذلك تبين لنا أنه كلما كانت هذه النجوم أبعد عنا كلما كانت سرعة حركتها بالإبتعاد أكبر. هذا و “في عام ١٩٢٩ م  قام {هابل} بنشر  قانون وضع فيه علاقة درجة إرتداد هذه النجوم مع طول المسافة بينها و بين الأرض و إستنتج بذلك أن الكون في حالة إتساع {المسافات  تتمغط بين الأجرام}. و إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن العالم لابد و أنه كان أصغر { بكثير } في الماضي…و أن المادة و الطاقة في الكون لابد و أنها جميعا كانت متمركزة في حيز صغير جدا ذو كثافة و حرارة يصعب تخيلها {أسترونومية ، هائله}، و إذا رجعنا إلي الماضي إلي وقت  ما من الزمن، فإننا سنصل إلى الوقت الذي بدأ فيه كل شيء – و هو زمن الحدث الذي نسمية اليوم {جوازا } بالإنفجار العظيم”٠

و أحد ” أفضل الطرق لتخيل توسع الكون هو تشبيه قدمه فلكي في جامعة كيمبرج في سنه ١٩٣١م إسمه آرثر إدينغتون

Arthur Eddington

حيث تصور الكون و كأنه سطح بالون ينتفخ، و كل الأجرام هي نقاط علي هذا السطح {و لكنها لا تتمدد بتمدده } . و هذه الصورة تفسر و بوضوح لماذا ترتد الإجرام البعيدة بسرعة أكبر من تلك الأقرب لنا” و هذا بالضبط ما وجده هابل ؛ ” فكلما كانت الأجرام أبعد ، كلما زادت سرعة إبتعادها عنا… و لكن لأن الأجرام محكومة بجاذبية بينها فالدائرة و المجرات التي تحتويها تحتفظ بحجمها و ترتيب النجوم و الكواكب فيها مع إتساع البالون” . و هذه {المعلومة الأخيرة } مهمة لأننا لن نستطيع إلا  بواسطتها ، أي عندما تكون إجهزة القياس لدينا ثابتة الحجم ، أن نقيس درجة الإتساع  {الذي يحدث ،فتحدث الأجرام فرقا  مكانيا بينها يمكن قياسه}” ٠

و “إتساع الكون كان خبرا مفاجئا لآينشتاين  { و الذي كان يعتقد بثبوت الكون أو سكونه}، مع أن “إحتمالات كون الأجرام تبتعد عن بعضها  كان قد تم نشره في الأوساط العلمية بسنوات قبل تأكيد هابل عليه {عمليا } . و من سخرية القدر أن هذه الإحتمالات كانت مبنية على معادلات آينشتين “٠

ففي عام ١٩٢٢ ، “تحري  الفيزيائي و الرياضي الروسي أليكساندر فريدمان

Alexander Friedmann

عما ممكن أن يحدث لنموذج الكون عندما يكون مبنيا على إفتراضين ليسهل العمليات الرياضية بصورة مذهلة؛ كان الإفتراض الأول أن العالم يبدو متطابقا في كل إتجاه {إذا نظرنا إليه من مسافة كما هو الحال عندما ننظر إلى الغابة من مستوى عالي مثلا فلا نرى إلا سطوح الأشجار دون التفاصيل} و {الإفتراض الثاني} أن الكون يبدو هكذا {متطابق} من كل منظور و واجهه {شرق غرب ، أسفل أعلي، إلخ}. و بناء على هذه الإفتراضات إستطاع فريدمان أن يكتشف الحل لمعادلات آينشتاين عندما تكون الصورة هي تلك التي يتمدد فيها الكون {كمشاهدة هابل بعد ذلك}. حيث صور فريدمان نموذج للكون مبتدءا من الحجم صفر و متسعا إلي أن تعمل قوى الجاذبية بين الأجسام المادية فيه بتقليل سرعة إتساعها حتى المحصلة الأخيرة و التي يقوم فيه الكون بتدمير نفسة بنفسه” و بذلك جمع بين معادلات آينشتين و الصورة الكمية لها٠

و وقتها “لم تكن فكرة الإنفجار الكبير مستساغه من قبل الجميع، بل حتى مصطلح ‘ البيغ بانغ ‘ كان قد ألفه أستاذ في علم الفلك\ الفيزياء في كمبرج عام ١٩٤٩م ، يكنى بفريد هويل

Fred Hoyle

كنوع من التهكم أو السخرية على بعض التقارير العلمية ، حيث كان هذا العالم أصلا يعتقد بالوجود الأزلى للكون”٠

و في عام ١٩٢٧م ، ظهر  بروفيسور للفيزياء و قسيس كاثوليكي إسمه جورج ليميتر

Georges Lemaitre

بنموذج مشابه لفكرة البيغ بانغ حيث قال أنه ” إذا تتبعنا أثر تاريخ العالم أو الكون من الوراء في الماضي، فسوف نراه يصغر حتي يصل إلي مرحلة بدء الخلق – و هذا  هو ما نسميه اليوم بالإنفجار الكبير”٠

علميا، كانت  أول مشاهده مباشرة لتأكيد فكرة الإنفجار الكبير في الواقع مصادفة حصلت في عام ١٩٦٥، عندما تم إكتشاف خلفية ضبابية من أشعاعات رادوية أو مايكرويفيه {كأشعة فرن المايكروويف و لكن أضعف منها بكثير } منتشرة في الفضاء. و هذا الضباب الإشعاعي الميكرويفي يطلق عليه المصطلح العلمي سي إم بي أر

CMBR (Cosmic Microwave Background Radiation)

و يمكن مشاهدته عندما نعير التلفزيون علي قناة غير مستخدمة- لنجد هنالك نسبة من النقاط بيضاء ثلجية {تلتقطها الرسيفرات و } تظهر علي شاشات التلفاز  بسبب وجود هذه الخلفية الإشعاعية”. و {يعتقد – بضم الياء و سكون العين – بأن } هذا الضباب الإشعاعي هو بقايا التفاعلات النووية الإبتدائية بعد إنفجار كبير. ” ففي الدقيقة الأولي من تكوين الكون تقريبا، لابد أن الكون كان أكثر حرارة من مركز أية نجمة. و في تلك الفترة فالكون بمجملة كان يشبه مفاعل نووي “. و هذا ما تقوله النظرية. و لكن على الرغم من أننا بإمكاننا تصور الإنفجار الكبير كتفسير شرعي جيد لوصف الوقت الذي إبتدأ فيه كل شيء ، و لكن من الخطأ بأن نقبل بهذه النظرية بصورة حرفية {هذه قد تكون رسالة جيدة لعلماء المسلمين من أمثال د. صبري الدمرداش و زغلول النجار  و الذين في الواقع حملوا كلمات القرآن فوق طاقاتها، و أولوها لإثبات الإعجاز العلمي في القرآن لأمور حتى العلماء لم يجزموا تماما بآليتها  } . و لا نستطيع حتى أن نعتقد أن نظرية آينشتاين ممكن أن تفسر لنا الصورة الصحيحة أو الحقيقية عن أصل الكون {أو بدايته } . و ذلك لأن النظرية النسبية العامة تتنبأ بوجود وقت معين كانت فيه درجات الحرارة و الكثافة و الإنحناء للكون كلها قيم لانهائية، و هو الوضع الذي يطلق عليه الرياضيون مصطلح الوضع التفردي

Singularity

و للفيزيائين ذلك يعني أن نظرية آينشتاين تتكسر في تلك النقطة {البداية}  و عليه لا يمكن إستخدامها في عمل التنبؤات عن كيفية بدء الكون، مع أنه يعطينا تفسيرا واضحا لكيفية تطوره لاحقا”٠

و رجوعا إلى نظرية إتساع الكون فالمرحلة الأولي من الإتساع “يسميها الفيزيائيون بالتضخم

Inflation

و فيها إتسع الكون…و كأنه عملة معدنية بمحيط يساوي سنتيمتر واحد إنفجر فجأة إلي عشرة مليون مرة أكبر من سعة درب التبانة” و يقول عنها المؤلف أنها تفسر حدوث الإنفجار في فرضية الإنفجار الكبير

هذه الفكرة عرضت أول مرة في عام ١٩٨٠، إعتمادا علي إعتبارات أكبر من نظرية آينشتاين النسبية العامة ، و مع وضع النظريات الكمية في الإعتبار٠

و مع أننا لا نملك نسخة من نظرية الجاذبية في صورتها الكمية بصورة متكاملة {حتي الآن، كما ذكرنا في الحلقات الماضية}  حيث أن التفاصيل لازالت قيد الدراسة، و على هذا الأساس فالفيزيائيون غير متأكدون كيف حصل التضخم، و لكنهم يعتقدون أن التوسع و الذي حدث لاحقا لا يمكن أن يكون قد حدث بصورة متساوية في جميع أجزاء الكون، كما تقول نظرية الإنفجار الكبير التقليدية. فهذه الإختلالات {في التوسع غير السوي} نتج عنها تعددات طفيفة في قراءات درجات الحرارة  الخاصة بال سي إم بي آر في إتجاهات مختلفة . و هذا قد يحمل السر في آلية حصول التضخم {العشوائي } بالبداية. و قد بنى العلماء إعتقادهم هذا لكون هذه ” العشوائيات { تفسر وجود } تغييرات طفيفة في درجة حرارة هذه الإشعاعات الميكرو-ويفية المنتشرة {حاليا} فى الجو  و بإتجاهات مختلفة٠

…أما عمليا فلقد تم إكتشاف الإختلاف في درجات حرارة ال ‘ سي إم بي آر ‘ أول مرة في عام ١٩٩٢ من قبل  القمر الصناعي كوب الخاص بناسا

NASA’s COBE satellite

و تم قياسها بعد ذلك بواسطة القمر الصناعي الذي أتي بعده

The WMAP satellite

و الذي تم إطلاقه في عام ٢٠٠١م” . مما يؤكد صحة هذه الفرضية٠

فنظرية التضخم إذا “تفسر لماذا حصل الإنفجار بالأساس، أو علي الأقل هذا النموذج من التوسع الكوني هو علميا أكثر قوة من نموذج التوسع الذي تنبأت به نظرية الإنفجار الكبير التقليدية و المعتمدة علي النظرية النسبية خلال الفترة الزمنية التي حدث بها التضخم٠

و حيث أننا لا نستطيع أن نشرح كيف حصل الخلق بإستخدام النظرية النسبية العامة لآينشتاين إذا أردنا أن نشرح أصل الكون، لذا وجب علينا أن نبدل النظرية النسبية العامة بنظرية أكثر إكتمالا منها {تضع الحالة الكمية في الحسبان }…فإذا ذهبت إلي الوراء بصورة كافية من الوقت، فالكون كان صغيرا جدا حتي يصل إلي حجم بلانك، أي بليون الترليون من السنتيمتر الواحد، و الذي هو القياس الذي  يجب وضعه بالإعتبار {بداية الكون يخضع لقوانين الفيزياء الكمية}. و لكن مع أننا لا نملك قانون متكامل للجاذبية بالصورة الكمية، و لكننا نعلم أن أصل الكون كان حادث كمي {ذري}٠

و بصورة عامة… الزمان و المكان ممكن أن يتزاوجا،  و كذلك ممكن أن يحدث درجة معينة من الخلط بينهما عندما يتمددا أو ينكمشا . و هذا الخلط مهم في بداية الكون و هو المفتاح لفهم  بداية الزمن . فمع أن النظرية النسبية العامة لأينشتاين وحدت الزمان و المكان كوحدة ‘زمكانية ‘ إحتوت على خليط معين بين الزمان و المكان، ظل الزمان مختلف عن المكان، و كل منهما {إما} كان له بداية و نهاية أو أنهما جريا إلي الآبد {بدون تحديد}. فعندما نتكلم عن بداية الكون، فنحن نركز على مسألة دقيقة مفادها أننا عندما ننظر إلي بداية {تكوين الكون} فالوقت كما نعرفه ليس له وجود! و علينا أن نقبل أن أفكارنا العادية عن الزمان و المكان لا تنطبق علي بداية الكون، فهذا الأمر بعيد عن تجاربنا {البشرية}، و لكنه مع ذلك ليس بعيدا عن تصورنا، و لا عن قدراتنا و حساباتنا الرياضية”٠

و عليه فعندما “نجمع بين النظرية النسبية العامة و النظرية الكمية، هنا يصبح السؤال عما حدث قبل بداية الكون من غير ذي معني”٠

أما ما حدث بعد البداية فهو يخضع بنظر المؤلف إلى فكره الزمن اللامتناهي

No-boundary condition

و الذي نادى به الكثيرون، و منهم أرسطو، حيث ” كانوا يعتقدون أن الكون لابد أنه كان دائم الوجود و ذلك {ربما} ليتجنبوا {الإجابة عن } سؤال خاص بآلية بدء الكون {أي كيف بدأ؟ } . و في المقابل كان هنالك الآخرون الذين إعتقدوا  أن الكون له بداية، و منهم أيضا من إستخدم ذلك كإطروحات لإثبات وجود الله . و لكن فكرة أن الزمان يتصرف كالمكان أعطي بديل جديد. و هو بذلك أنهي المعارضة الأزلية {لمن إعتقد} بعدم وجود بداية للكون، و لكنها في نفس الوقت أقرت أن بدايات الكون كانت محكومة بقوانين علمية لا تحتاج إلي من يبدأ حركتها بواسطة آلهة ما { مثل حركة السحب مثلا }٠

فإذا كان أصل الكون حدث كمي، فذلك يعني أنه وجب علينا تحليله بإستخدام نظرية المجاميع التاريخية { المسارات الزمنية الإحتمالاتية}  لفينمان… و من خلال هذه النظرة،  فالكون بدأ عشوائيا، من بدايات تشتمل على كل إحتمال. و معضم هذه الإحتمالات هي خاصة بأكوان أخري. و بينما هنالك بعض هذه الأكوان التي تتشابه مع كوننا، فأغلبها مختلفة جدا عنها…مختلفة حتي بالقوانين الظاهرة للطبيعه”٠

و يقول المؤلف عن هذا النموذج أن “بعض الناس يحاولون خلق أمور غامضة من هذه الفكرة و التي تسمي أحيانا بالأكوان المتعددة

Multiverse

و لكن كل هذه الأكوان {التي يتحدثون عنها } ما هي إلا طرق أخري لطرح نفس فكرة نظرية فينمان للمجاميع التاريخية”٠

Feynman Sum Over Histories

…و ممكن أن نتصور “الخلق العشوائي الكمي للكون كمثل تشكيل فقاعات البخار في الماء المغلي. فعلي سطح الماء تظهر الفقاعات الصغيرة بكثرة و من ثم تختفي. و هذه ممكن تصورها بالأكوان الصغيرة التي تتسع و لكن تتحطم بينما هي مازالت في المستوى الميكروسكوبي الدقيق، و لكن {هذه الفقاعات } لا تعنينا لكونها لا تظل مدة كافية لتكوين الأجرام السماوية و النجوم…و لكن هنالك العدد القليل من هذه الفقاعات الصغيرة تكبر و تصل إلى درجة تحميها من التحطم. و ستضل تتسع و بصورة متزايدة لتكون {بالنهاية} الفقاعات التي نستطيع مشاهدتها. و هذه {مثلها كمثل} الأكوان التي تبدأ في الإتساع بدرجات متزايدة {مع الزمن} – أو بمعني آخر، تصبح أكوان في حالة تضخم٠

و في نظرية فينمان للمجاميع التاريخية، يكون إحتمال وجود الأكوان التي تختلف في جزئيات بسيطة {في مجالها} هو تقريبا بقدر إحتمال تواجد أي أكوان أخري. و هذا هو السبب في كون نظرية التضخم تتنبأ بأن بدايات الكون ، كان على الأرجح ، غير متجانس، و هذا يتناغم مع وجود الفروقات الصغيرة في درجات الحرارة التي تم رصدها في ال ‘سي إم بي آر’٠

CMBR

فالعشوائة البسيطة في بدايات الكون مهمة جدا، و ذلك لأنه لو كانت إحدي المناطق ذات كثافة أكبر من الأخرى  بصورة بسيطة ، فقوة الجاذبية المصاحبة للزيادة في الكثافة سيقلل من سرعة التوسع في تلك المنطقة بالمقارنة بمحيطها. و بينما تعمل قوة الجاذبية بجذب جزيئات المادة  {ذريا لبعضها البعض}، فهي ممكن أن تكون السبب في تحطيمها و من ثم تكوين المجرات و النجوم {بعد ذلك بفتره}، و التي ممكن أن تقود إلي تكوين الكواكب، و علي واحدة علي الأقل يكون هنالك بشر”٠

و هنا يطلب منا المؤلف بأن ننظر بحذر لخارطة الميكرويف السماوي. لأنه يعطينا حسب رأيه ” الصورة البدائية للكون. فما نحن إلا نتاج التذبذب الكمي في البدايات الأولى للكون”٠

ثم يسترسل المؤلف بالقول أن “في النظام الكوني، يجب أن لا يتبع الشخص تاريخ الكون من الأسفل-إلي-الأعلى و المبني علي إفتراض أن هنالك تاريخ واحد للكون. فمع وضع معرفتنا بنقطة البداية و من ثم النشوء و الإرتقاء {في الحسبان}  عليه {الشخص} أن يتتبع أثر جميع التواريخ المحتملة من الأعلى-إلي-الأسفل، و من  الوراء {حيث البداية} و حتى يصل للوقت الحالي. فبعض هذه التواريخ {أو المسارات الزمنية} يكون إحتمال حدوثها أكبر من غيرها، و لكن الجميع سيكون مسيدا بتاريخ واحد يبدأ مع خلق الكون و يتراكم لوضع معين . و سيكون هنالك تواريخ مختلفة لأوضاع محتملة مختلفة من الأكوان في الوقت الحالي”٠ مؤكدا أننا ” نحن من يخلق التاريخ بمشاهداتنا و ليس التاريخ هو من يخلقنا” فالمردود المهم في وسيلتنا بالنظر من الأعلى-إلي-الأسفل  “هو {في كون} القوانين الظاهرة لنا من الطبيعة تعتمد علي تاريخ واحد للكون…والنظام الكوني يفرض علينا فكرة أن القوانين الظاهرة لنا تختلف بإختلاف تواريخها {لكل كون}…و بطريقة الأعلى-إلى-الأسفل نحن نقبل وجود الأكوان مع جميع الأبعاد المكانية التي تحتويها”٠

فنحن ” نبدو و كأننا نمر في مرحلة حرجة من تاريخنا العلمي، و التي تفرض علينا أن نحسن توجيه أنظارنا للأهداف فيما يجب قبوله من النظريات الفيزيائية {المتعددة}…و قد لا يرضي ذلك غرورنا البشري بأن نكون متميزين {بكون كوننا هو الوحيد الموجود} أو بأن نكتشف حزمة أنيقة تحتوي على جميع القوانين الطبيعية {في معادلة واحدة فقط }، و لكن ليس هذا ما تبدو عليه الطبيعة…و {بالتأكيد هنالك } ستكون الأكوان التي يوجد عليها حياة مثلنا مع إحتمال كون وجودها نادر، فنحن نعيش علي إحداها و التي تسمح بالحياة {أي سبب وجودنا فيه هو كوننا تطورنا بتطوره و تغيره، و ليس لأنه صنع خصيصا لراحتنا. و قد يكون هنالك حياة في أكوان أخرى تطورت حسب تطور قوانين الأكوان الأخرى }”٠

و لكن “لو كان الكون مختلف قليلا عما هو عليه ، لما كان لأمثالنا فرصة للحياة فيه”. فما هو سبب هذه الدقة في التعيير يا ترى؟ و هل هو دليل علي أن العالم أو الكون، مصمم بواسطة خالق قادر علي كل شيء {كما يؤكد البعض}؟ أم هل يعطي العلم تفسيرا آخر له؟”٠

أسئلة يتطرق إليها المؤلف ليجيب عليها في الفصل السابع

فتابعونا

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٦)٠

الفصل الخامس: نظرية كل شيء:٠

جميع الفصول الماضية لم تكن في الواقع إلا تمهيدا لهذا الفصل، فهذا الفصل هو خلاصة ما يريد المؤلف أن يوصله إلى القاريء بما يخص النظرية الكلية ،  أو بالأحرى، ما يتنافس عليه الباحثون اليوم لصياغة النظرية الشمولية ، هذا مع العلم أن آينشتاين بنفسه كان أحدهم. و هي النظرية التي يتأمل أن يجد العلماء فيها بديلا عن جميع القوانين الكلاسيكية، مصيغة بنموذج واحد يسهل إستخدامه على مستوى العالم الذري و العالم اليومي المعاش و عالم النجوم و الكواكب الكوني.  و لكن ، كما يؤكد المؤلف، أنه و مع صياغة العديد من النظريات ألا أن صياغة نظرية واحدة بحد ذاتها يعتبر من المستحيل ، لأن الكون نفسه غير متجانس في جميع أجزائه و قوانينه تختلف حسب مستوياتة  . و لكن كل هذه المحاولات لم تكن بدون فائدة، بل هي كلها إنما آجزاء داخلة ضمن النظرية الكلية الشاملة التى يسعى لها العلماء. فكل معادلة أو نظرية تكمل الأخرى ضمن نفس المفهوم. فالكون ، حسب المؤلف ، ممكن فهمه و ذلك لأن ظواهره لها وتيرة مكرره محكومة بهذه القوانين الطبيعية مهما بدت لنا مختلفة عن بعضها البعض. أو بمعنى آخر ” تصرف {الكون} يمكن أن يوضع بصيغة نماذج {بالإمكان فهم أبجدياتها} “. و لكن جميع هذه النماذج تكون قاصرة ما لم تكن شاملة في نموذج واحد يشملها جميعا. و من هنا يبدأ المؤلف في مراجعة لما سبق و ذكره عن هذه القوى و ذلك بشرح هذه القوانين أو هذه النماذج مبتدءا بالكلاسيكية منها و مصنفا لها في حدود أربعة قوى ، مرورا بمحاولات العلماء لخلق النموذج الذري لهذه القوى الأربعه،  و منتهيا بالنظرية الكلية  أو نظرية “م” ، و التي يبين كيف أنها تشملها جميعا، فيقول أن ” أول قوى تم شرحها بلغة الرياضيات هي القوى الخاصة  بالجاذبية. فقانون نيوتن للجاذبية و الذي نشر في عام ١٦٨٧ ذكر أن كل شيء في العالم يجذب شيئا آخر بقوة تتناسب مع كتلته” و بين كيف أن ذلك القانون مع أنه بدى متعارضا مع بعض ما جاء في الإنجيل ، ألا أن ذلك كما يبدو لم يزعج نيوتن مع أنه هو صاحب هذا القانون . فقصة يوشع بن نون في الإنجيل تقول أنه صلى كي تقف الشمس و يقف القمر عن حركتهما حتي يطول النهار فيستفيد من ضوء الشمس و يتغلب في حربه على الأموريين في كنعان ، و هذا يعني أنه طلب من الله إيقاف عجلة الزمن لمدة أربعة و عشرون ساعة. “و حسب كتاب يوشع، فلقد توقفت الشمس تماما{عن الحركة} لمدة يوم تقريبا”. و إذا كان ذلك صحيحا فإن ذلك يعني أيضا أن الأرض توقفت عن الدوران. مما يعني أيضا و “بحسب قانون نيوتن {و الذي يقول بأن } أي شيء غير مقيد فهو يظل في حركة دائمة بنفس حركة الأرض الأصلية ( ١،١٠٠ ميل لكل ساعة عند خط الإستواء) – و هذا يعني  أن الثمن {لهذا الإجراء} سيكون غالي جدا {كل شيء سيتطاير في الهواء}” و لكن مع ذلك “فنيوتن كان يعتقد أن الله بإستطاعته، بل و بالفعل تدخل في عمل العالم {كما جاء في الإنجيل}”٠

أما القوى الأخرى  التي تم وضع قانون أو نموذج لها فلقد “كانت القوى الكهربية و القوى المغناطيسية…فالقوى الكهربية و القوى المغناطيسية أكبر بكثير من قوة الجاذبية، و لكننا مع ذلك لا نشعر بهما عادة في حياتنا اليومية لأن الأجسام الماكروسكوبية {التي نستطيع التعامل معها في حياتنا اليومية} تحتوي على شحنات متساوية تقريبا من السالب و الموجب ، و هذا يعني أن القوى الكهربية و القوى المغناطيسية بين جسمين ماكروسكوبيين تحذف  بعضها البعض {ناتج الجمع الجبري}، أما قوى الجاذبية {بين الأجسام الهائلة} فهي مختلفة في كونها تضاف لبعضها البعض” ٠

أما أهم الإستكشافات في هذا المجال فلقد كان تأثير كل من القوى الكهربية و القوى المغناطيسية ببعضها البعض؛ فالشحنة الكهربية المتحركة تحدث قوة علي المغناطيس، و المغناطيس المتحرك يحدث قوة علي الشحنات الكهربية (هذا ما لاحظه لأول مرة الفيزيائي الدانماركي هانز كريستيان أورستيد}٠

Hans Christian Ørsted

في عام ١٨٢٠ و ألف المصطلح العلمي الذي نعرفه اليوم بالكهرومغناطيسية

Electromagnetism

و بعد سنوات قليلة جاء العالم الإنجليزي مايكل فارادي

Michael Faraday

ليبين لنا ” بإنه إذا كان بمقدور التيار الكهربائي إحداث مجال مغناطيسي، فالمجال المغناطيسي بإمكانه إحداث تيار كهربائي (١٨٣١)” و من ثم ” إكتشف فرادي العلاقة بين الكهرومغناطيسية و الضوء عندما بين أن المغناطيسية الشديدة تستطيع إستقطاب الضوء”٠

Light Polarization

أما أحد أهم المكتشفات العلمية علي الإطلاق فهو فكرة مجالات القوى أو بالأحرى إنتشار القوى في مجالات موجية و التي أثبتها فرادي بالتجربة العملية مع أنه لم يتمكن من وضع النموذج الرياضي لها، و كانت هذه هي البداية الحقيقة لمعرفة طبيعة و خواص جميع القوى في الكون،  فحسب ما جاء على لسان  المؤلف ” اليوم نحن نعتقد أن جميع القوى تنتشر بطريقة المجالات، و لذا فهذه الفكرة التي إبتدأت مع فرادي تعتبر اليوم عامل مهم جدا في الفيزياء الحديثة كما أصبح كذلك في عالم الخيال العلمي {فلم ميتركس مثلا مبني على هذه الفكرة الثورية } “٠

و في “عام ١٨٦٠ طور الفيزيائي الإسكوتلندي  جيمس كليرك ماكسويل

James Clerk Maxwell

ما ذكره فارادي و قدمه بصورة نموذج رياضي مفسرا بذلك العلاقة الذاتية الغامضة بين الكهرباء و المغناطيس و الضوء. و كان الناتج مجموعة من المعادلات تقوم بتفسير القوة الكهربية و القوة المغناطيسية كتجسيد لنفس الكينونة الفيزيائية، و  سماها المجال الكهرومغناطيسي . فماكسويل {إذا، كان له الفضل في } توحيد الكهرباء و المغناطيسية بصورة قوة واحدة. و علاوة على ذلك بين ماكسويل  أن هذه المجالات الكهرومغناطيسية تنتشر في الفضاء بصورة أمواج…و قد إكتشف {بعد ذلك} أن الضوء هو بنفسة موجة كهرومغناطيسية، حدد سرعته و التي ظهرت في معادلاته كثابت. و اليوم نحن  نسمي المعادلات التي تفسر المجالات الكهربية و المغناطيسية بمعادلات ماكسويل. أما تطبيقات ذلك في الحياة اليومية فهائلة، فهي لا تقتصر فقط على الأدوات الكهربية التي نستخدمها بصورة يومية في { صالات و مطباخ و كراجات} منازلنا و في كمبيوترات {مكاتبنا}، و لكنها أيضا أفادتنا في تفسير الموجات الغير ضوئية، كمثل موجات المايكرويف، و موجات الراديو، و موجات الأشعة تحت الحمراء، و أشعة إكس {التي نستخدمها في جميع مجالات حياتنا}. و كل تلك الموجات {مشابهة لموجات الضوء المرئي} و لا تختلف عنها إلا بشيء واحد فقط ألا و هو طول الموجة”٠

أما أينشتاين و الذي كان في السادسة و العشرون من عمره في سنة ١٩٠٥ م  فقد نشر ورقة علمية عنوانها ” الديناميكية الكهربية للأجسام المتحركة” إفترض فيها إفتراض بسيط بأن قوانين الفيزياء و بالأخص سرعة الضوء يجب أن تبدو ثابتة لجميع المشاهدين المتحركين بصورة نسبية لبعضهم البعض. و هذه الفكرة، أصبحت فيما بعد، تتطلب ثورة في نظرتنا {كبشر} لمفهوم الزمان و المكان..فأينشتاين عمل الإستنتاج المنطقي أن قياس الزمن ، كقياس المسافة {الداخلة ضمن الإعتبار} تعتمد علي المشاهد الذي يعمل القياسات. و هذا التأثير كان أحد المفاتيح في نظرية أينشتاين التي وضعها في ورقته العلمية في عام ١٩٠٥، و التي أصبحت بعد ذلك {دعامة} لنظريتة التي سميت بعد ذلك بالنظرية النسبية الخاصة”٠

و لقد بين عمل أينشتاين أن ” الوقت لا يمكن أن يكون مطلق، مثلما كان نيوتن يتصور. أو بمعني آخر، ليس من الممكن أن نحدد لكل حادث وقت معين يتفق عليه كل المشاهدين. فكل مشاهد له قياس للوقت خاص به، و الوقت المقاس من قبل مشاهدين أثنين عندما يكونان في حالة حركة ، كل منهما نسبة إلي الآخر، لن يكون نفس الشيء. و فكرة آينشتاين هذه تتعارض مع بديهياتنا لأن تأثيرات {هذه الفكرة} غير محسوسة في السرعات التي نتعرض لها في الحياة اليومية. و لكن هذا ما تم التأكد منه بالتجارب المتكررة”٠

و بسبب ما قدمه أينشتاين في نظريته ” إستوعب الفيزيائيون  بأنهم عند مطالبتهم بتثبيت سرعة الضوء في جميع مستويات الإسناد، فمعادلات ماكسويل للكهرباء و المغناطيسية تفرض علينا عدم معاملة البعد الزمني بصورة مستقلة عن الأبعاد المكانية {الثلاثة:طول عرض و إرتفاع}. بل البعد الزمني و الأبعاد المكانية {عليها أن تكون} متداخلة. إنه شيء شبيه بإضافة إتجاه رابع هو الماضي\المستقبل لما هو معتاد من يمين \ يسار ، أمام \ خلف ، أعلى \ أسفل. و سمى الفيزيائيون هذا التزاوج بالزمكان”٠

Space-Time

و في خضم محاولات آينشتاين بإدخال الجاذبية في معادلاته فطن أنه “حتى يجعل الجاذبية ملائمة لنظريته النسبية، فكان لابد له أن يعمل تغيير آخر {للنظرية}. فحسب نظرية نيوتن للجاذبية، في أي زمن معين تنجذب الأشياء إلي بعضها البعض بقوة تعتمد علي المسافة بينهم في ذاك الزمن. و لكن بما أن النظرية النسبية كانت قد قضت علي فكرة الزمن المطلق ، و عليه فلا توجد وسيلة لتعريف أي زمن {معين } يتم فيه قياس الكتل… وبعد إحدي عشر سنة لاحقة طور آينشتاين نظرية جديدة للجاذبية مختلفة عن مفهوم الجاذبية في نظرية نيوتن، سماها النظرية النسبية العامه. و كانت نظريته فكرة ثورية علي مفهوم الكون المسطح ، أي إعتمد فيها على أن الزمكان غير مسطع، كما تم قياسه و إعتماده بالسابق، و لكنه منحني و مشوه بسبب الكتل و الطاقات التي تحتويه٠

و هندسة الأبعاد المكانية المنحنية مثل سطح الأرض  ليست كالهندسة الخاصة بالأبعاد المكانية المسطحة في نظريات إيكليدس و التي كان العالم معتاد عليها {حتي تلك الفترة}… ففي نظرية آينشتاين، تتحرك الأشياء بصورة تسمى جيوديسية

Geodesics

و التي هي أقرب شيء إلي الخط المستقيم في البعد المكاني المنحني

والأهمية الحقيقية للنظرية النسبية العامة لا يكمن فقط في تطبيقاته بأجهزة مثل جي بي إس

(GPS)

و التي نستخدمها للإستدلال علي العناوين في سياراتنا و حسب، و لكن أيضا في كونه يعطي نمودج مغاير و بصورة كبيرة للعالم {من سابقتها}، و هذه الصورة تتنبأ بتأثيرات {كونية} جديدة مثل الأمواج المتجاذبة و الثقوب السوداء. و عليه فهذه النظرية حولت علم الفيزياء إلي علم الهندسة. هذا و لقد أتاحت لنا التكنلوجيا الحديثة بإجراء العديد من الإختبارات الحساسة علي النظرية النسبية العامة للتأكد من صحتها، فنجحت في كل واحدة منها بلا منازع٠

و مع ذلك فنظرية آينشتين، و نظرية ماكسويل ، كما كانت نظرية نيوتن قبلهما ، تظل  جميعها نظريات كلاسيكية لأنها تعتمد علي نموذج أحادي التاريخ. و كل هذه النماذج لا تطابق المشاهدات في المستوى الذري {و ما تحت الذري للكون}”. و لكنها مع ذلك تؤدى الغرض المطلوب منها في إستخداماتنا  ” من أجل عمل الحسابات العملية و التي تخص عالمنا اليومي. فنحن بإمكاننا أن نستمر في إستخدام النظريات الكلاسيكية، و لكن إذا كنا نريد أن نفهم تصرفات الذرات و الجزيئات، فنحن بحاجة إلي الصيغة الذرية لقانون ماكسويل الخاص بالكهرومغناطيسية؛ و كذلك إذا أردنا معرفة العالم في بداياته، عندما كانت المادة و الطاقة جميعها مضغوطة في حجم صغير، فنحن بحاجة إلي الصيغة الذرية للنظرية النسبية العامة. و كذلك نحتاج إلي هذه النوعية من النظريات لأننا إذا كنا بصدد البحث عن أساسيات الطبيعة {و بدقة متناهية}، فلن تكون حساباتنا متوافقة إذا كانت بعض قوانيننا ذرية و الأخري كلاسيكية، و عليه فيجب علينا إيجاد صيغ ذرية لكل القوانين في الطبيعة. و هذه النظريات {بمجملها} تسمي نظريات المجال الكمي”٠

Quantum Fields Theories

و رجوعا للقوى الكلاسيكية فالقوى الثالثة حسب تصنيف المؤلف هي “القوى النووية الضعيفة ( هذا ما يسبب الإشعاعات الراديوية و يلعب دورا مهما في تكوين العناصر في النجوم و كان لها تأثير في بدايات العالم، و نحن في العادة لا نصادف هذه القوة في حياتنا اليومية)”، و أما القوى الرابعة فهي “القوى النووية القوية ( و هي الطاقة التي تربط البروتونات و النيوترونات في داخل نواة الذرة. كما تربط {جزيئات} البروتونات و {جزيئات} النيوترونات الداخلية و التي هي عبارة عن جزيئات أصغر مثل الكواركس}. كما أنها  هي مصدر الطاقة الشمسية، و الطاقة الذرية و لكن نحن لا نتصل مباشرة بها)”٠

و حتى نصل للنظرية الشاملة فلابد من عمل نسخة من جميع القوى الأربعة السابق ذكرها في المجال الذري أو الكمي. و من هذا المنطلق ظهرت : القوى الكهروديناميكية للجاذبية

(QED)

و التي قدمها ريشارد فينمان في عام ١٩٤٠م و عبر فيها عن المجالات الكهرومغناطيسية بكونها سحابات من جزيئات القوى متناوبة الوجود مع  جزيئات المادة في حركة دائمة ، صورها بعدة رسومات تحتوي على مجموعة جزيئات القوى البوسونات أو الفوتونات

bosons (photons)

في خطوط حلزونية . و الجزيئات المادية  و التي هي عبارة عن فيرميونزات أو بالأحرى الإليكترونات و الكواركس

fermions (electrons +quarks)

بخطوط مستقيمة لتسهل عملية قراءة تصرف هذه الجزيئات، و فى جميع الإحتمالات التاريخية عندما تكون في المجال الكمي أو الذري .   فالجزيء ممكن أن يكون تصرفه كتصرف المادة في لحظة ما و ينقلب للتصرف الموجي أو تصرف القوى في لحظة آخرى. أو بمعنى آخر عندما يصادم إليكترونا ما (جزيء مادي) إليكترون آخر فهو يصدر فوتونا {طاقة} في إتجاه ما و يغير كل إليكترون مجال سيره حتى يصطدم كل منها بإليكترون آخر و هكذا في حركة لامتناهية. و يمكن للقاريء تصور مدى صعوبة صياغة معادلات ذرية لتفسير هذه المسارات. و لكن مع ذلك فلقد تم إختبار تنبؤات الكيو إي دي و تبين أنها تطابق النتائج التجريبية بدقة متناهية٠

أما أهم ما تم إستنتاجه من هذه التجارب و هو المهم بالنسبة لموضوعنا  فهو معلومة أنه لا يوجد شيء إسمة الفضاء الخالي.  فالجزيئات المادية \ القوى تنتشر بصورة دائمة في الكون ، و ذلك لأن “الفضاء الخالي يعني أن قيمة المجال و درجة تغيره هو صفر بالضبط. ( إذا لم تكن درجة تغيير المجال  صفرا، فهذا يعني أن الفضاء لن يضل خالي) و بما أن مبدأ الريبة لا يسمح لقيمة الإثنين {المجال و درجة تغييره} أن يكونا دقيقان في آن واحد، فالفضاء لا يمكن أن يكون خاليا. بل هو في وضع الطاقة الأقل الممكنة {تقريبا صفر}، و هذه الحالة تسمي تذبذب الفراغ بالجزيئات و المجالات القافزة في الوجود و خارجه. {و هذا يعني أن الشيء ممكن أن يتواجد من اللاشيء عندما يكون المجال ذري }”٠

Vacuum Fluctuations and Quivering in and out of Existence

و بالإمكان تصور تذبذب الفراغ كجوز من الجزيئات {إحدهما قرين الآخر , مساوي له بالمقدار و مخالف بالشحنة}،  يظهران مع بعض في وقت معين، ثم يبتعدا عن بعض{فيحدثان طاقة صغيرة فى الفراغ} و من ثم يتقابلان ليقضي أحدهما علي تأثير الآخر{فتصبح في هذه اللحظة الطاقة في الفراغ صفرا}”. و تسمى هذه  الجزيئات بالجزيئات الإفتراضية

virtual particles

و ذلك لأنها ” علي خلاف الجزيئات الواقعية، فالجزيئات الإفتراضية لا يمكن مشاهدتها مباشرة عن طريق كاشف الجزيئات، و لكن ممكن أن نقوم بقياس تأثيرها غير المباشر، مثل التغيير الصغير في الطاقة الخاصة في المدار الإليكتروني للإليكترون ، و يتفق مع التنبؤات النظرية بصورة كبيرة الدقة  لدرجة تدعو إلي الدهشة. و المشكلة هي في كون الجزيئات الإفتراضية لها طاقة، و لأنه هنالك عدد لا نهائي من هذه الأزواج الإفتراضية، لذا فهي لها كمية كبيرة من الطاقة {لا يمكن تجاوزها على أي حال}. و حسب النظرية النسبية العامة، هذا يعني أن هذه الجزيئات تعمل علي إنحناء العالم إلي قياس لانهائي في الصغر، و هذا بالطبع لا يحدث{في الواقع المعاش}”٠

أما بالنسبة للجاذبية و محاولات إيجاد النسخة الذرية منها ففي عام١٩٧٦ “تم تطوير نظرية الجاذبية الخارقة أو ما يسمى بالتطابق أو التناظر الخارق. و هذا التطابق الخارق يعني بأن لكل جزيء قرين مساو له بالمقدار و مخالف فى الإتجاه ، أي أن جزيء القوة و جزيء المادة هما في الواقع وجهين لعملة واحدة…و هذا يعني أن كل جزيء مادي، كالكواركس مثلا، لديه قرين جزيئي هو جزيء القوى، كالفوتون … و أغلب الفيزيائيون يعتقدون اليوم أن الجاذبية الخارقة  كانت هي الإحتمال الأقوى للإجابة علي مشكلة توحيد الجاذبية مع بقية القوى الثلاثة الأخرى {في المجال الذري}” و مع أنه ” لم يتم مشاهدة مثل هذا القرين الجزيئي في الطبيعة. و لكن الحسابات المتعددة و التي أجراها الفيزيائيون تبين أن الجزيء القريني الخاص بالجزيئات المادية بالإمكان مشاهدتها إذا كانت آلاف المرات أكبر بالكتلة  من البروتون” و لذا  فهنالك أمل بأن هكذا جزيئات ممكن خلقها في {تجربة } تصادم الهيدرون الكبير في جنيف”، حيث يقوم العلماء بمحاولة إصطدام بروتونين في سرعات شديدة معاكسة لبعضها البعض لخلق جو يشبه جو الإنفجار الكبير و لدراسة كل ما ينتج من جزيئات من خلال هذا التصادم٠

و يقول المؤلف أن “فكرةالتناظر الخارق كان هو مفتاح خلق الجاذبية الخارقة، مع أن الفكرة {لم تكن جديدة} و لكنها في الواقع كانت قد إبتدأت بسنوات عديدة مع ظهور فكرة لنظرية  كانت تسمي نظرية الوتر

String Theory

و حسب نظرية الوتر، فجزيئات {المادة} ليست نقاط {في فراغ} ، و لكنها مجموعة {كسحابة} من الذبذبات، لها طول و ليس لها عرض أو إرتفاع- مثلها كمثل قطع لانهائية من الأسلاك الرفيعة…تقود إلي مالانهاية . و لكنها في بعض المواضع الصحيحة تحذف تأثير بعضها للبعض الآخر. و لها خاصية غير إعتيادية أخري: تكون متوافقة مع بعضها فقط عندما تكون الأبعاد الزمكانية تساوي عشرة أبعاد {البعض يقول الآن بأنها إحدى عشر} ، بدلا من الأربعة المعتادة” ، أي أن عالم الذرة عالم يحتوي علي عشر أبعاد متصلة ببعضها البعض بأسلاك رفيعة جدا. و حسب نظرية الوتر “فهذه الأبعاد تكون منحنية في الفضاء إنحناءات صغيرة جدا بالحجم ( المكان الداخلي)” لها قيمتها في المجال الذري مع أننا لا نشعر بها في حياتنا اليومية ٠

هذه المعلومة كان لها أهمية فيزيائية عظيمة. ففي عام ١٩٩٤” بدأ الناس يكتشفون المزدوجات – و هي أن النظريات المختلفة و الخاصة بالوتر و الطرق المختلفة للإنحناءات الخاصة بالأبعاد الإضافية،  هي {في الواقع} طرق مختلفة لشرح ظاهرة واحدة في الأبعاد الرباعية. و الأكثر من ذلك ، أنهم وجدوا أن الجاذبية الخارقة لها أيضا علاقة بنظريات أخري و بنفس الطريقة. و أنها جميعا ” مجرد تقريبات ضمن مفهوم أساسي، و لنظريات كل منها صحيحة في أحوال معينة”٠ و تم تسمية “النظرية الأساسية أو الأكثر إبتدائية بنظرية “م”… فحتي نفسر العالم، فنحن بحاجة إلي أن نطبق عدة نظريات في عدة حالات. كل نظرية تحمل في طياتها نسختها الخاصة من الواقع، و لكن حسب الحتمية العتمدة علي النمودج، فهذا مقبول طالما تتفق هذه النظريات مع التنبؤءات إينما حصل بينها تداخل. أي عندما يكون ممكنا لتطبيقها في نفس الحالة {فتعطي نفس النتيجة}… و الناتج النهائي لجهد العلماء كان {إكتشاف} عدد من الأكوان بقدر ١٠ مرفوعة لقوى ٥٠٠ ، كل منها لها قوانينها المختلفة، واحدة منها فقط تطابق {حسب علمنا} القوانين الخاصة بالكون كما نعرفه”٠

و إستنادا على ما فات “فالحلم الأصلي للفيزيائيين في إنتاج أو صياغة النظرية الواحدة {الشاملة} و المفسرة لمجموعة القوانين الخاصة في عالمنا كقانون واحد فريد من نوعه و ناتج عن بعض الإفتراضات البسيطة فقد يكون قد آن الآوان أن نتخلى عنه”. و لكن أين سيقودنا ذلك؟

و هذا ما يتساءل عنه المؤلف ، فإذا كانت نظرية “م” تسمح” لعشرة مرفوعة لقوة خمسمئة مجموعة من {الأكوان المحكومة بالقوانين المختلفة} بالحدوث، فكيف إنتهينا في هذا العالم، مع قوانينها البادية لنا؟ و ماذا عن إحتمالية وجود كل تلك الأكوان؟” و هذا ما يجيب عليه في الفصل السادس٠

يتبع

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٥)٠

تطرقنا في البوست الماضي إلى مصطلح التواريخ المتناوبة أو

Alternative Histories

فيما يخص دراسة الكون و بداياته، و هي بإختصار نظرة أو واجهة جديدة للنظر إلى الكون “فمن هذه الواجهة {و النظرة الفاحصة الدقيقة} نحن نفترض أن العالم لا يوجد له وجود واحد أو تاريخ أحادي {نستطيع أن نجزم بأنه يعكس الحقيقة المطلقة فيما يخص بداياته}، بل هو عدة تواريخ محتملة ، تتواجد كلها بصورة متزامنة {مع بعضها البعض}”، و ممكن أن نبني عليها المحصلة النهائية لما حدث للكون في عالمنا الماكروسكوبي ، و هذا هو دور الفيزياء الكلاسيكية. و ما حدنا بعمل هذ الإفتراض هو كون الجزيء أو الجسيم لا يوجد في مكان واحد و حسب، بل ممكن أن يتواجد بالصورة الذرية في أماكن أو مواقع عده {بنفس الوقت} ” و لذا فلقد قام متخصصوا هذا المجال بتسمية هذه المواقع { و التي يتناوب فيها الجسيم بالتواجد }  بالموقع الكمي { أو الذري} الخارق

Quantum Superposition

و هذه الفرضية حسب ما جاء على لسان المؤلف” قد تبدو خيالية {لعقولنا التي إعتادت على التفكير في حدود الأبعاد الأربعة الزمكانية، و لتاريخ واحد و وجود واحد} ، أو قد يبدو {التواجد المكاني المتناوب للبعض} كمن يقول بإختفاء الطاولة حالما نغادر الغرفة مثلا ” و لكنها ليست كذلك على المستوى الماكروسكوبي، أما على المستوى الذرى فإن ” الشيء المؤكد هو أن هذه الفرضية، و بهذه الطريقة المطروحه {مع غرابتها}، نجحت في كل التجارب التي خضعت لها {بعمل التنبؤات حتى الآن}” و عليه فالمؤلف يسهب في شرحها بدءا بالسؤال الذى طرحه بالسابق، و هو السؤال الثالث و الذي يقول: هل توجد مجموعة واحدة فقط من القوانين؟” أو لماذا هذه القوانين، و هل يمكن الإستعاضة عنها بقوانين أخرى؟ و من هذا المنطلق يبدأ الفصل الرابع من الكتاب٠

٤- الفصل الرابع : التواريخ المتناوبة

يقول المؤلف أنه ” في خلال الألفين سنة ، أو ما يقارب ذلك ، من بداية تاريخ العلوم الطبيعية،  كانت التجارب المختبرية  العادية و الحدس و البديهه هما القواعد {الأساسية} التي تستند عليها التفسيرات النظرية {سواء في علوم الفيزياء أو غيرها من العلوم}. و لكن مع تطور أنظمتنا التكنولوجية {القياسية منها بالذات} ، و التي وسعت بدورها نطاق الظواهر التي  أصبح بإمكاننا مشاهدتها {بهذه الأجهزة}  بدأنا ندرك تدريجيا كيف أن الطبيعة { ليست كما تبدو لنا أو أنها} تتصرف بطرق أقل مطابقة لما نجربه في حياتنا اليومية، و بالتالي {أقل تطابقا } مع بديهياتنا.” و ليشرح المؤلف ما يقصد بذلك فلقد قام بتقديم تجربة  الشقوق المزدوجة الشهيرة بإستخدام كرات الباكيبول البالغة الصغر و التي هي عبارة عن جزيئات من الكربون تشبه بالصورة لكرة القدم {بدلا من إستخدام الضوء}، ليبين كيف أن جزيئات كل المواد تتصرف بصورة إزدواجية كما يتصرف الضوء. و االكليب التالي يبين التجربة بإستخدام الإليكترون :٠

هذه التجربة هي من التجارب النموذجية لظاهرة لا يمكن إحتوائها {و تفسيرها} بالفيزياء الكلاسيكية {أي أن تصرف المادة في الحالة الذرية تختلف عن تصرفها في الحجوم التراكمية على مستوى حياتنا اليومية، و عليه فلا تطبق عليها قوانيننا الكلاسيكية} و لكن من الممكن شرحها { و بإسهاب } خلال ما يسمي {بقوانين }  الفيزياء الكمية {و الخاصة بالمستوى الذري} “٠

و هذا كليب لتوضيح ما هو الباكيبول٠

كتب ريتشارد فينمان

Richard Feynman

و هو من العلماء الطليعيين في علم الفيزياء الكمية أن تجربة الشقوق المزدوجة هي في الواقع ” تحتوي علي {سر} كل الأمور الغامضة في ميكانيكية الذرات”٠

فمباديء الفيزياء الكمية لم يتم تطويرها إلا في بداية العقود القليلة من القرن العشرين بعد أن تبين قصور نظرية نيوتن في تفسير الطبيعة بالمستوي الذري – أو ما تحت الذري- حيث أن نيوتن كما أسلفنا تصور أن الضوء جزيء مادي و عليه فهو يتصرف كجسيم المادة {مع العلم بأن ذلك ليس خطأ و لكنه تفسير ناقص}  . فالنظريات الأساسية للفيزياء تشرح قوى الطبيعة و كيف يكون رد فعل الأشياء التي تتعرض لهذه القوى. أو كما يذكر المؤلف بأن “النظريات الكلاسيكية مثل نظريات نيوتن مبنية علي إيطار يعكس التجارب اليومية، و التي تكون فيها الأشياء المادية لها وجود فردي، و ممكن أن تقع بمكان معين، و تتبع طرق معينة {أو نموذجية} و هكذا.  و لكن الفيزياء الكمية تعطينا إيطار لفهم كيف تعمل الطبيعة علي المستوي المقاييس الذرية و الماتحت الذرية، بصورة أكثر تفصيلا، فهي تفرض طرق مبدئية مختلفة تماما {عن ما تعودناه في الفيزياء الكلاسيكية}، طرق لا يكون فيها للمادة تعيين {أو ثبات}  دقيق، لا كموقع  و لا كمسار و لا حتي {لما كانت عليه} في الماضي أو حتى ما ستؤول إليه في المستقبل . فالنظريات الكمية لقوى مثل قوة الجاذبية  {للذرات} أو القوى الكهرومغناطيسية مبنية في ذاك الإيطار الذري {و تخضع لقوانينه}”٠

و هنا يتبادر إلى الذهن سؤال  و هو أين هو الحد الفاصل بين القوانين الكمية و القوانين الكلاسيكية، و ما هي طبيعة المرحلة أو الجزء الإنتقالي بين هذه القوانين، أو كما وضعه المؤلف بإسلوبه، “هل بإمكان النظريات المبنية بإيطارات غريبة علي الفيزياء الكلاسيكية أن تفسر الأحداث التي نمر بها في تجاربنا اليومية و التي نقوم بنمذجتها بدقة بإستخدام هذا الفيزياء الكلاسيكي؟ ” و الجواب حسب المؤلف هو “نعم، بكل تأكيد  يمكن ذلك” بل إنه يجب أن يكون كذلك لأن ما نقوم به من تجارب في حياتنا اليومية ما هو إلا التفاعل المتراكم للدقائق التي نتكون منها في الأساس. فنحن ”  و كل ما يحيطنا إنما نمثل هياكل متداخلة، مصنوعة من عدد كبير جدا من الذرات، أكبر من عدد النجوم التي بالإمكان مشاهدتها في عالمنا” كما يقول المؤلف ، ” و مع أن ما تحتويه {دقائق} الأشياء {التي نتكون منها}  تخضع يوميا لقوانين الفيزياء الكمية، فقوانين نيوتن تشكل نظريات مؤثرة في تفسير الهياكل الكلية {التراكمية و بصورة تقريبية} و التي تشكل تصرف الأشياء في عالمنا يوميا”٠

قد يبدو ذلك غريبا، كما يؤكد المؤلف، “و لكن هنالك الكثير من التجارب العلمية التي بينت أن الكتل الكبيرة تبدو أنها تتصرف بصورة مغايرة لتصرف محتوياتها الأصغر. فرد فعل العصب الواحد في الدماغ {لتأثير ما} مثلا لا يعكس العمل الكلي للدماغ. و لا معرفة {خواص} جزيء الماء يعطينا صورة عن تصرف البحيرة”٠

أما كيف يمكن أن تنبثق قوانين نيوتن إبتداءا بالمجال الذري. فالمؤلف يؤكد أن الفيزيائيون في الواقع لازالوا في صراع التنافس لمعرفة ذلك. و لكن “ما نعرفه {بالتأكيد} أن المحتويات {الصغيرة} لكل الأشياء تخضع لقوانين الفيزياء الكمية، و أن القوانين النيوتونية تمثل حالة تقريبية جيدة لتفسير الطريقة التي تتصرف فيها الأشياء الماكروسكوبية و التي تعتمد {أساسا} علي تصرفات مكوناتها الذرية. و عليه فتنبؤات النظريات النيوتونية تطابق واقعنا المعاش من خلال تجاربنا اليومية” . و لكن “إذا نظرنا إلى هذه  الذرات و الجزيئات { بصورة مستقلة} فهي تتصرف بصورة مختلفة تماما عن ما نراه في تجاربنا اليومية، و هي الصورة الأفضل للواقع إذا أردنا معرفة ماذا يحدث فيه{بصورة أدق}، و عليه فالفيزياء الكمية هي النمودج الجديد  لهذا الواقع و الذي يعطينا صورة عن الكون {و خصوصا في بداياته} بدقة أكبر” . و هي الواجهة التي يستخدمها المؤلف في تحليلاته بصورة عامة٠

يقول المؤلف عن تجربة الشقوق المزدوجة و التي كان أول من قام بعملها هما العالمان “كلينتون ديفيسون و ليستر جيرمر في سنة ١٩٢٧ م

Clinton Davisson and Lester Germer,experimental physics at Bell Labs

في مختبرات بل، حيث كانوا يدرسون كيف يتعامل شعاع من الإليكترونات- و الإليكترونات هي جزيئات أبسط من كرات البكيبول بكثير- مسلط على كريستال مصنوع من النيكل.” يقول أنها كانت سببا لقيام الكثير من التجارب المشابهة لها فيما بعد ” فتصرف جزيئات كالإليكترونات بصورة تماثل تصرف الأمواج المائية هو ما أعطي الإلهام للكثير من الفيزيائيين بالقيام بمثل هذه التجارب المثيرة في الفيزياء الكمية {رغم رفضهم في البداية للإقرار بذلك التصرف} . و بما أن هذا التصرف لا يمكن مشاهدته بالمستوي الماكروسكوبي {الحياة العادية}، فالعلماء كانوا يتساءلون كم يجب أن يكون حجم و تعقيد الجزيء حتي يتصرف كتصرف الأمواج… و بصورة عامة، كلما كان الجزيء أكبر حجما كلما بدي أقل نشاطا و تأثرا {بالقوانين الخاصة بالخواص } الذرية لها…و مع ذلك فهنالك من التجارب التي قام بها الفيزيائيون و تم تسجيل مشاهدات الظاهرة الموجية مع جزيئات كبيرة الحجم {نسبيا} و هم يتمنون بأن يكرروا تجربة الباكيبول {أو الكرات الكربونية}  بإستخدام الفيروسات، و التي هي ليست فقط أكبر بكثير {من أي شيء تم إختباره بالسابق }  و لكن أيضا لان البعض يعتبره كائن حي” كما يقول المؤلف٠

و قبل أن ندخل في تفاصيل النظريات الكمية فهنالك بعض من السمات الخاصة بتصرف المواد تحت قوانين الفيزياء الكمية نحتاج إلي معرفتها حتي نفهم المناقشة التي يخوضها المؤلف في الفصول اللاحقة. أحد هذه السمات هي “الإزدواجية المادية\الموجية ” للجزيئات الذرية و ما تحت الذرية، كما ذكرناها سابقا، هذا مع العلم بأن فكرة أن الضوء {و الجزيئات المادية الأخرى } يتصرف كتصرف الأمواج لم تكن مقبولة في السابق ألا أنها أصبحت مقبولة اليوم ” و لم تعد تفاجئنا. فالخاصية الموجية للضوء تبدو اليوم طبيعية للإستخدام، و تعتبر حقيقة مقبولة {بين الأوساط العلمية} لمدة قرنين تقريبا… و اليوم نسمي { هذه الجسيمات } فوتونات. فكما أن {أجسامنا} عبارة عن عدد كبير من الذرات، فالضوء الذي نراه في حياتنا اليومية عباره عن عدد كبير جدا من الفوتونات- حتي مصباح الليل الذي لا يتعدى قوته واط واحد فقط يصدر بليون فوتون في كل ثانية” . أما الجزيئات المادية فمع أنه أخذ وقتا أكبر ليقبل إزدواجية تصرفه ألا أنه أصبح اليوم واقع معترف به بسبب هذه التجارب المشابهة لتجارب الباكيبول٠

أما السمة الرئيسية الأخري لتصرف المواد في تحت قوانين الفيزياء الكمية فهو ما يعرف “بمبدأ الريبة أو

The Uncertainty Principle

و هو المبدأ الذي قام بصياغته ويرنر هايزنبرغ في عام ١٩٢٦

Werner Heisenberg

حيث يقول هايزنبرغ بأن هنالك حدودا لقدرتنا في عمل القياس المتكرر لمدخلات معينة، مثل موقع و سرعة الجسيم. فحسب هذه الخاصية، علي سبيل المثال، فإن حاصل ضرب “مبدأ الريبة في موقع الجسيم” في “عزمه ( و هو حاصل ضرب كتلة الجسيم في سرعته) ” ، يعطينا ناتج لا يمكن أن يكون، بأي حال من الأحوال، أصغر من كمية محددة تسمى ثابت بلانك

Planck’s Constant

و كلما كنا دقيقين أكثر في قياس سرعة {الجسيم أو الفوتون}، كلما أصبحت الدقة في قياس موقعه أقل، و العكس صحيح {و لذا تسمي بمبدأ الريبة}”٠

قد تبدو المعلومة أعلاه و الخاصة بثابت بلانك غير ضرورية في هذا التلخيص، حيث أنها تدخل بتعمق في عمل الذرات. و لكني رأيت أهمية إضافتها هنا لأنني قرأت و سمعت من الكثيرين الذين يقولون بدقة عمل الكون المتناهي في التنظيم و يستشهدون بثابت بلانك. و في الواقع عندما يفعلون ذلك فهم يستخدمون هذا الثابت للمقارنة   علي المستوى الماكروسكوبي للأشياء في حياتنا و تجاربنا اليومية. و هذا هو الخلط، فحسب المؤلف ذلك غير وارد لأنه ”  بالقياس إلي وحداتنا اليومية من قياسات للمتر و الكيلومتر و حتي الثانية {في حساب الوقت}، فثابت بلانك لاشك أنه صغير جدا…{و لكن} الوضع يكون مختلفا تماما بالنسبة للإليكترون” ٠

و رجوعا للسمة الثانية،” فبالرغم من عدد المعلومات التي من الممكن الحصول عليها أو {بالأصح } بالرغم من قوة قدراتنا الحسابية، فنتائج عملياتنا الفيزيائية لا يمكن التنبؤ بها بدقة لأنه لم يتم إيجادها بدقة {أساسا}. بل ، تقوم الطبيعة بتقرير الوضع المستقبلي من خلال عمليات تكون مبدئيا غير دقيقة عندما يتوفر لها الوضع الأولي”٠

و بمعنى آخر- قبل أن يضيع القاريء في خضم المصطلحات و المعادلات العلمية – بإختصار شديد ” الطبيعة لا تفرض نتائج أية عملية أو إختبار، حتي في أبسط الأوضاع. بل تسمح بإحتمالات عديدة، كل حالة لها إحتمالية حدوث معين ”  ٠

و علي ما فات فالفيزياء الكمية قد تبدو و كأنها تؤكد فكرة أن الطبيعة تخضع لقوانين ثابتة، و لكن  المؤلف يقول أن “هذا غير صحيح”. بل الأصح أن الطبيعة “تقودنا إلي الموافقة علي صورة جديدة من الوجودية: فبمعرفة وضع نظام معين بوقت معين، تعمل قوانين الطبيعة علي إيجاد إحتمالات مستقبلية و ماضيوية بدلا من إيجاد الوضع المستقبلي و الوضع الماضيوي لهذا النظام {بصورة فردية و بدقه}” و مع أن البعض لا يستسيغ هذه الفكرة، كما يقول المؤلف ” فالعلماء عليهم أن يقبلوا بالتجارب التي تتفق مع الإختبارات، و ليست تلك التي تتفق مع بديهياتهم “٠و ذلك لأن ما يتطلبه العلم من النظرية “هو أن يكون بالإمكان إجراء الإختبارات عليها {و التأكد منها}. فإذا كانت الطبيعة الإحتمالاتية للتنبؤات تعني أنه من المستحيل أن نؤكد هذه التنبؤات، إذا فنظريات الفيزياء الكمية تكون{ في هذه الحالة} غير مؤهلة كنظريات شرعية {صحيحة}. و لكن {ذلك لا يطبق على النظريات الكمية} فعلي الرغم من طبيعة التنبؤات الإحتمالية {المتعددة} لهذه النظريات، فنحن بإمكاننا أن تختبر هذه النظريات {و بكل نجاح في كل مرة نجري التجربة}. فعلى سبيل المثال، نحن بإستطاعتنا أن نكرر {أي } إختبار لمرات عديدة و نؤكد على تكرار كذا ناتج لجميع الإحتمالات التي تم التنبؤ بها مسبقا” أو بمعنى آخر التنبؤ لا يكون على وضع منفرد و لكن لعدة إحتمالات٠

و من الأهمية بمكان ذكر أن ما نقصده بالإحتمالات في الفيزياء الكمية “ليست هي نفسها الإحتمالات في الفيزياء النيوتونية أو الإحتمالات العادية في تجاربنا اليومية” كما يؤكد المؤلف، “ فالإحتمالات في الفيزياء الذرية…تعكس العشوائية الإبتدائية في تصرف الطبيعة“. كما يؤكد المؤلف ” فالنموذج الذري للطبيعة يحتوي علي أساسيات تتعارض ليس فقط مع تجاربنا اليومية بل و مع تقديراتنا الحدسية لهذا الواقع” و هذا هو الأمر الغريب في الفيزياء الكمية . ليس علي القاريء و حسب، بل حتى علي المتخصصين في هذا العلم . فكما يقول المؤلف ”  من يجد في ذلك أمور غريبة أو صعبة الفهم {فلا يلام على ذلك} لأنه {يتساوى} مع فيزيائيين عظماء من أمثال آينشتاين و حتي فينمان… و لقد كتب فينمان { بنفسه } مرة يقول، ” أعتقد بأني أستطيع أن أقول أنه لا يوجد من يفهم ميكانيكية الذرات”، و لكن { مع ذلك} فالفيزياء الكمية تتفق مع المشاهدة. و لم تسقط بأي تجربة عمليه مع أنها من أكثر التجارب التي خضعت للإختبار في جميع العلوم التجريبية”٠

و تجدر الإشارة هنا أنه في عام ١٩٤٠ “صاغ ريتشارد فينمان معادلة رياضية {عبارة عن  مجموعة تواريخ تسمى التواريخ الفينمانية} تعكس هذه الفكرة و تعطي {نموذجا} لجميع قوانين الفيزياء الكمية {الإحتمالاتية}” . فنظره فينمان للواقع الذري مهمة جدا في فهم النظريات التي يعرضها المؤلف لاحقا، و لذا فهو أخذ بعض الوقت ليشرحها في هذا الفصل و ذلك ليعطى الإحساس بكيفية عمل نظريتة٠ و في ذلك يقول المؤلف أنه “في النموذج النيوتوني يتحرك الجسم من نقطة “ا” إلي نقطة “ب” في خط مستقيم… و {لكن} في نموذج فينمان الجسيم الذري يختبر  كل طريق ممكن أن يوصله من “ا” إلي “ب”، و يجمع رقما يسمي طورا لكل طريق محتمل. و هذا الطور يمثل موقع في دائرة موجية، أي ممكن يكون هذا الموقع في أعلي الموجة أو أسفلها أو ما بين الأثنين ” . و هذه النظرية مهمة لكونها أيضا  تعطي صورة واضحة لكيفية حدوث الصورة التراكمية ، التقريبية في عالم نيوتن الفيزيائي، و التي تبدو مختلفة تماما عنها. و تعتمد نظرية فينمان، أو بالأحرى الأطوار التي رسمها لكل مسار للجسيم “علي ثابت بلانك”٠أما بالنسبة للنظام العام فإحتمال حدوث أية مشاهدات مبنية في الأساس علي كل التواريخ المحتملة التي ممكن أن تؤدي إلي تلك المشاهدة. و لهذا السبب سميت نظريتة ” المجموع الكلي للنظريات” أو “التواريخ التبادلية”لصياغة {قوانين } الفيزياء الكمية٠

و هنالك سمة ذرية أخري {مهمة} و هي أن مشاهدة النظام من شأنه أن يغير مجرى أحداثه {كما بين ذلك معلمنا في الكليب الأول}…أي أن الفيزياء الكمية تلزم بأنه حتي تتم المشاهدة ، يجب علي المشاهد أن يتفاعل مع الجسيم الذي يشاهدة “. و هذا أمر بحد ذاته في غاية الغرابة، بل أنه فتح المجال للكثير من البحوث الجديدة و التى لاتزال علي قدم و ساق لحل لغزها٠

و لكن بإختصار و بصورة عامة، فالفيزياء الذرية تقول لنا أنه “علي الرغم من كثرة مشاهداتنا للوضع الحالي، فالماضي {الذي لم نقم بمشاهدته} كما هو المستقبل، هو غير مؤكد لأنه يوجد في حيز من عدة إحتمالات. و لذا فالعالم حسب قوانين الفيزياء الكمية، لا يوجد له ماضي واحد أو تاريخ واحد، بل عدة تواريخ و أحوال و مواقع محتملة { كما أسلفنا}”٠

يتبع

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٤)٠

الفصل الثالث: ما هو الواقع؟

أو بمعنى آخر ، إذا كانت أدمغتنا هي التي تعكس صور عن الواقع، و كل منا له وسيلته الخاصة الشخصية لعمل صورة في الدماغ لهذا الواقع، فهل ما تراه أنت هو نفس ما أراه أنا؟ و إذا إتفقنا أن لنا نظرة عامة لهذا الواقع نستطيع من خلالها أن نتفاهم و نصف ما نرى بصورة جماعية، فكيف لنا أن نعرف أن ما نراه هو صورة حقيقية ، غير مشوشة عن واقعنا؟

فكثيرا ما نصادف من يقول لنا أن عقولنا البشرية محدودة في قدراتها، و مهما رأينا و قدرنا بحواسنا أنه الواقع المنعكس من خلال هذه الأجهزة الحسية ، فإننا لن نعرف ما هو الواقع الفعلي.  و على هذا المنوال فأين هو الواقع الفعلي و كيف يكون وصفه؟

هذه الأسئلة كانت و لازالت أسئلة فلسفية أشبعوها الفلاسفة تحليلا و تمحيصا و تشخيصا و تقديرا ، أتى على ذكرها المؤلف ، بإعتقادي الشخصي، لكي يتفادى الكثير من تلك المسائل الشائكة التي من الممكن أن تثار عندما يتعمق بدوره في شرح النظرية الكلية – هذا إذا كان لهذه النظرية وجود.  ليس هذا و حسب بل أيضا ليبين لنا أنه بإستخدم إسلوب “الحتمية المعتمدة علي النموذج ” ، و الذي يقوم بشرحه بإسهاب في هذا الفصل ، تمكن المؤلف من تخطي هذه المسائل الفلسفية مؤكدا  أنه في جميع الأحوال و مهما يكن الواقع المادي في الطبيعة ، ف “الواقع ” بالنسبة لنا هو ما نقدره نحن و نتفق عليه بصورة عامة و بشروط نتفق عليها سلفا. و عليه فهو يبدأ هذا الفصل بالتطرق إلي وجهة نظر الفلاسفة “الواقعيين ” ، أو بالأحرى الذين يناقشون بعدم وجود واقع فعلي ، ليبين كيف أن الواقع هو مسألة نسبية ، فيقوم بإعطاء مثال عن سمكة  ذهبية في إناء كروي في ركن من الغرفة. فنظرة هذه السمكة إلي الكون من حولها لا تشبه نظرتنا مع أنها أيضا تخضع لقوانين معينة . و إذا كان بوسع هذ السمكة أن تضع قوانينها فهذه القوانين بالتأكيد لن تكون كقوانيننا  حتى لو كانت مشابهه لها، أو “ستكون أكثر تعقيدا من القوانين في مجالنا {بسبب وجود الحاجز المائي و الزجاج المقعر}” ، مؤكدا في الوقت ذاته أن التعقيد هنا أمر نسبي، فكما يقول المؤلف أن ” البساطه هي مسألة ذوق”. و لذا ” فإذا قامت السمكة الذهبية بصياغة قوانينها، فإنه وجب علينا الإعتراف بأن لها نظرة حقيقية للواقع {حسب رؤيتها هي}”. و وجود السمكة في عالم آخر – مائي في محيط كروي- ليس فقط هو السبب الوحيد لرؤيتها العالم من حولها بصورة مختلفة،  فهناك الكثير من الأمثلة من الواقع المعاش الفعلي لشخصين بنفس المحيط ممن لهما صورتين مختلفتين لنفس الواقع ، و هنا يعطي المؤلف مثال لأشهرها في التاريخ على الإطلاق، و كان ذلك في سنة ١٥٠م مع  نظرة بطليموس (٨٥-١٦٥م) للكون٠

Ptolemy

فبطليموس قام بشرح حركة الأجسام السماوية في الكون و قام بنشرها في نظرية جمعها في ثلاثة عشر كتابا إشتهر بالإسم العربي الماجسطي  {بسبب إهتمام العرب به و إحياؤه إبان الدولة العباسية\الأموية في الأندلس}٠

Almagest

بدأ بطليموس كتابه ” بتفسير أسباب إعتقاده بأن الأرض كروية الشكل، و أنها ثابتة {لا تتحرك} و مستقرة في مركز العالم”، حيث بدا سكون الأرض أمرا طبيعيا للشخص الواقف علي سطحها ما لم يحدث زلازل يحركها و بالتالي يشعر هو بها، كما ذكر المؤلف، و أضاف أنه ” على الرغم من وجود نموذج أرستارخوس الهيليوسنترك {أي القائلة بأن الشمس هي مركز نظامنا الشمسي في ذاك الوقت} ألا أن الإعتقادات التي صاغها بطليموس ضلت هي السائدة في محيط المثقفين الإغريق على الأقل منذ زمن أرسطو ” و التي كانت أغلبها تصر “بأن الأرض يجب أن تكون هي مركز الكون” و بناء على هذه الإفتراضية الأولية رسم بطليموس “نموذجا يجعل فيه الأرض ثابته في الوسط و جميع الكواكب و الشمس تتحرك حولها في دوائر و مدارات معقدة التركيب ، تحتوي على دوائر أخرى أصغر تسمي إيبيسايكل

Epicycles

و كأنها عجلات على عجلات، حتى يستطيع أن يفسر و يتنبأ بالأوضاع المستقبلية كما يشهدها في الواقع للحركة الكونية. و هذا النموذج بدا منطقي لدرجة أنه ” تم تبني نموذج أرسطو و بطليموس من قبل الكنيسة الكاثوليكية {و كذلك المسلمون بعد ذلك حيث أدخلوه} كتعاليم و علوم أساسية {يتم العمل بها و تدريسها للناشئة} لمدة أربعة عشر قرنا. و لم يظهر نموذج بديل إلا في سنة ١٥٤٣ من قبل كوبرنيكاس في كتابه “ثورة الكرات السماوية”٠

De revolutionibus orbium coelestium (On the Revolutions of the Celestial Spheres)

و الذي لم يتم نشره إلا في العام الذي توفى فيه مع أنه قام بكتابته عدة عقود سابقة ”  كما جئنا على ذكر ذلك سابقا. فكابيرنيكاس، مثله مثل أريستاخوس الذي أتى قبله بسبعة عشر قرنا، فسر العالم من خلال نموذج وضع فيه الشمس في حالة ثبات، و الكواكب ، بما فيها الأرض، هي التي تدور حول الشمس٠ في مدارات مختلفة، و لكن ” لم يقبل بهذا النموذج في حينه لأن مضمونه يخالف ما جاء بالإنجيل، و الذي تم تفسير محتواه إعتمادا علي النموذح القديم {البطليموسي} و الذي يقول أن الأرض هي المركز و كل شيء آخر يدور حوله {تماما كما يفعل مفسروا الإعجاز القرآني اليوم في مسألة الإنفجار العظيم و غيرها من المسائل العلمية}. هذا مع العلم أن الإنجيل لم يقل ذلك أبدا بهذا الوضوح {و بهذه الدقة} . و لكن {هذا الخلط حصل لأنه } في الواقع عندما تم كتابة الإنجيل كان الناس يعتقدون أن الأرض مسطحة. و لذا أصبح نموذج كوبرنيكاس سببا لمناقشات حادة  بعد ذلك كانت ذروتها محاكمة جاليليو  الشهيرة. فالكنيسة ما كانت لتسمح  أبدا بأن يعتقد كائن من كان ” بإحتمال رأي بعد أن تم نقضة { أو تفسيره بصورة مغايرة } من قبل الإنجيل {أو بالأصح من قبل مفسريه} “٠

و لنرجع الآن إلى المثال السابق، حيث يتساءل المؤلف ” أيهما أصح؛ نموذج بطليموس أم نموذج كابرنيكاس؟” و يجادل بأن مع أنه “أصبح من المعتاد أن يقول الناس أن كابرنيكاس أثبت خطأ بطليموس، فهذه الجملة تفقد المصداقية {لأن ذلك يعتمد على الإفتراض الأصلي ، أو النظرة المغايرة الأساسية ، فيما إذا كانت الشمس أم الأرض في المركز، بالضبط مثل نظرة السمكة الذهبية}، فنظام كوبرنيكاس ، هو ببساطة معادلات للحركة في مجال القاعدة التي تفترض أن الشمس هي الثابتة {و العكس صحيح لنظام بطليموس} .” و لكن إذا كانت المسألة تعتمد فقط علي الفرضية الأولية ” فكيف لنا أن نعلم {مثلا } أننا لسنا إلا شخصيات بتمثيليات قام كمبيوتر {ما }  بخلقها؟” كما يتساءل المؤلف ، أو كما يزعم البعض بأننا لسنا إلا آلات و دمى مسيرة من قبل قوى خارقة خارجة عن نطاق إستيعابنا و عقولنا المحدودة، و أن  ما نراه هو غير ما يراه محرك هذه القوى؟٠

الفرضية السابقة مردود عليها بالطبع كما يؤكد المؤلف ، لأننا بكل الأحوال “إذا كنا نعيش في عالم خيالي إصطناعي، فالحوادث لن يكون لها بالضرورة أي منطق أو ثبات أو تقييد بقوانين ” ، و في جميع الأحوال فإننا سنسعى لوضع قوانين كي نفهم من خلالها واقعنا لأن كل ما نراه و نحس به هو المهم بالنسبة لنا و هو واقعنا حتى لو تغيرت الصورة و تغير الإفتراض الأولي، فهو سيضل بالنسبة لنا واقع لأنه ” لا توجد أية صورة- أو نظرية- مستقلة {كليا} عن فكرة الواقع{المادي}” كما أكد المؤلف . و لذا فهو قام بتبني النظرة أو الإسلوب  الذي سماه “الحتميةالمعتمدة على النموذج”٠

Model-Dependent Realism

و هي فكرة يطرحها المؤلف بمضمون  “أن النظرية الفيزيائية أو الصورة عن العالم هو بالواقع نموذج ( في الغالب ذات طبيعة رياضية) و مجموعة قوانين تربط عناصر هذا النموذج بالمشاهدة” و ذلك لكي ” يعطينا الإيطار الذي يمكننا من خلاله تفسير الفيزياء الحديثة” و يشرح ذلك بإعطاء مثال سوريالي بأنه” إذا شاهدت قطيع من الحمار الوحشي يتعاركون لأخذ مكان في موقف السيارات، هذا لأن هذا هو الواقع. و كل المشاهدين الآخرين سيقرون بنفس المشاهدة، و سيملك هذا القطيع هذه الخاصية سواء شاهدناهم أم لم نشاهدهم. و في علم الفلسفة تسمي تلك الخاصية “الحتمية””. و هذه الطريقة في رؤية الأمور ضرورية لأن “ما نعرفه عن الفيزياء الحديثة يجعل  الدفاع عن “واقعيته” مسألة صعبة. فعلى سبيل المثال حسب مباديء الفيزياء الكمية، و التي هي التفسير الواقعي للطبيعة بأدق تفاصيلها، فالجزيء ليس له مكان معين {في واقعنا} و لا سرعة معينة إلا إذا تم قياس كمياته من قبل المشاهد. و على هذا فمن غير الصحيح أن نقول أن القياس يعطي نتائج معينة لأنه الكمية المقاسة كان لها تلك القيمة في وقت عمل القياس” و كذلك “في بعض الحالات الأشياء الفردية حتي لا يوجد لها وجود مستقل، بل تتواجد فقط كجزء من مجموعة أكبر ” . فإذا مثلا ” أثبتت النظرية التي تسمي بالمباديء الهولوغرافية صحتها

Holographic Principle

فنحن و عالمنا الرباعي الأبعاد نكون ظلال في أطراف عالم أكبر ذو أبعاد خماسية {تقول النظرية أن عالمنا {المكاني} ممكن أن يكون ثنائي الأبعاد و ما نراه من البعد الثالث- ما هو إلا تفسير ماكروسكوبي لهذا الواقع}” ، كما يشرح المؤلف، و يزيد بأن ” الكثير من النظريات العلمية و التي أثبتت صحتها {في السابق} تم إستبدالها بأخري، مماثلة لها بصحة الإثبات مع إعتمادها علي مباديء جديدة عن الواقع، {مثل المثال السابق عن بطليموس، فلا نملك إلا أن نقر بأن جميعها صحيحة طالما هي في الإيطار النموذجي الذي قمنا بالأساس إفتراضه} .” و بهذا يرد المؤلف علي المناهضين لفلسفة الواقعية ، و الذين يريدون فصل واضح بين المعرفة المثبتة و المعرفة النظرية . و الذين ” هم في العادة يجادلون أنه مع أن التجربة و البرهان و المشاهدة لها وزنها المعرفي، و لكن النظريات {الفيزيائية} ليست أكثر من وسائل مفيدة لا تتضمن أية حقائق عميقة لما تحتويه الظاهرة المرئية”  كما وصفهم المؤلف. و لم يكتفي هؤلاء بدحض الواقع أو بالتقليل من قدرات الدماغ لفهم العالم الواقعي، فلقد وصل  هذا التمادي في رفض الواقع لحقائق إلى حد أن جورج بيركلي (١٦٨٥-١٧٥٣م)٠

George Berkeley

ذهب إلى القول بأنه ليس لأي شيء وجود ما عدا الدماغ و ما يحويه من أفكار {أي أنك عندما تدخل في غرفة الطعام و تشاهد الطاولة، فهذه الطاولة غير موجودة إلا في دماغك، و من شاهد فيلم “السر” يعرف ما أقصد}” ٠

أما الفيلسوف ديفيد هيوم (١٧١١-١٧٧٦م)٠

David Hume

فإنه كان الأكثر “عقلانية” عندما كتب أنه “مع أننا ليس لدينا أساس منطقي للإعتقاد بالواقع المادي المحسوس، فنحن لانملك إلا أن نصدق أنه واقع”٠

و حسب إيطار الحتمية المعتمدة علي النموذج، فيقول المؤلف بأنه “ليس هنالك جدوى من السؤال فيما إذا كان هذا النموذج حقيقي أو واقعي، و لكن المهم إذا كان هذا النموذج يتفق مع المشاهدة {الجماعية، و التنبؤات المستقبلية }. فإذا كان هنالك نموذجين يتفقان مع المشاهدة، كما هو الحال مع نظرة السمكة الذهبية و نظرتنا للعالم من حولنا، فلا يمكن القول أن أحدها أكثر واقعية من الأخرى. بل يستطيع الشخص أن يستخدم ما هو أكثر ملائمة له في الحالات التي بين يديه” أي “لا توجد طريقة لفصلنا كمشاهدين عن ما نشاهد {من الماديات} في الكون حولنا و الذي هو مخلوق {كما تصوره لنا أعضاؤنا} الحسية ، و كما هي الطريقة التي نفكر بها و نمنطق الأمور من حولنا، و بالتالي  فالمشاهدات التي نبني عليها نظرياتنا – ليست مباشرة، و لكنها بالنهاية تكون معيرة حسب عدسة معينة في البنية  التفسيرية في أدمغتنا البشرية {و هذا هو المهم بالنسبة لنا}. و عليه فالحتمية المعتمدة علي النموذج تمثل الطريقة الأمثل ، التي نفهم من خلالها الأشياء حسب ما يصل إلي الدماغ من خلال مجموعة من الإشارات الحسية عن طريق العين ” ٠

و ليست هذه المعضلة هي الوحيدة التي حلتها إستخدام هذا الإسلوب ، كما يؤكد المؤلف ، بل هنالك مشكلة أخرى ” حلتها الحتمية المعتمدة علي النموذج، أو علي الأقل حاولت تجنبها، و هي معنى الوجود.  أي ماذا يعني أن نقول أن الأشياء  التي لا نستطيع أن نراها، كالإليكترونات و الكواركس – و هي الجزيئات التي تدخل في تركيبة البروتون و النيوترون في الذره- موجودة؟” ٠

في حالة الجزيئات التحت الذرية و التي لا يمكننا أن نراها، “تكون الإليكترونات نماذج مفيدة في شرح مشاهدات { في الطبيعة}، مثال {على ذلك} تلك النقط الضوئية التي تظهر على شاشة التلفزيون (عندما نعير الموجة علي قناة غير مستخدمة). و كذلك لشرح الكثير من الظواهر الأخرى حتى لو لم تكن مرئية. فثومسون

J. J. Thomson

مثلا، و الذي يرجع له الفضل في إكتشاف الإليكترون ،  لم يرى الإليكترون في أرض الواقع أبدا . و حتي تخميناته بوجوده لم يتم بعرضه بطريقة مباشرة و لا حتي عن طريق تجاربه. و لكنه تبين {بعد ذلك} أن النموذج {الذي قام بإفتراضه للإليكترون} كان حاسما {و مهما} في الكثير من الأمور العلمية إبتداءا من التطبيقات الخاصة بالعلوم الأساسية {لفهم الظواهر الطبيعية} و إنتهاءا إلى {التطبيقات} الهندسية في التكنولوجيا {و التي صارت من مستلزمات حياتنا اليومية}. و اليوم يعتقد جميع العلماء {بلا منازع} بوجود الإليكترون، حتي مع عدم قدرتنا رؤيته. و الكواركس الذي لا نستطيع أن نراه أيضا هو نموذج لتفسير خواص البروتون و النيوترون داخل نواة الذره. فمع أن البروتونات و النيوترونات نقول عنهما أنهما مصنوعتان بتركيبة من الكواركس، فنحن لم نرى الكواركس أبدا لأن القوة الرابطة بين الكواركس تزداد مع إنفصال هذه الجزيئات، و عليه فلا يمكن أن تتواجد الكواركس بصورة منفردة في الطبيعة {تمكننا من مشاهدتها بهذه الصورة}، و عليه فهي دائما ما تتواجد في مجموعات ثلاثة (بروتونات و نيوترونات)، أو بالتزاوج بين الكواركس و قرينتها الأنتي-كواركس و تتصرف و كأنها مربوطة برباط مطاطي”٠

هذا و يؤكد المؤلف بأن فكرة إفتراض قوة ما و تسميتها بدون المشاهدة كانت صعبة علي العلماء و لمدة طويلة {و الكثير من المسلمين ، المؤمنين بوجود الله قارن وجود الإليكترون بوجود الله من حيث عدم إستطاعة رؤيته مع أن المقارنة هنا غير منطقية }، أو كما ذكر بإسلوبة  أن ” فكرة تخصيص الواقعية إلى جزيء غير مرئي كان ، كمبدأ ، صعبا على الكثير من الفيزيائيين ،  و لكن على مر السنوات، و بعد أن قاد الكواركس لتنبؤات صحيحة أكثر فأكثر، إختفى بالتدريج هذا الإعتراض من قبلهم” ٠

و على كل ما فات، فالحتمية المعتمدة على النموذج بإمكانها أيضا أن تعطينا إيطار لمناقشة أسئلة عديدة منها على سبيل المثال” إذا كان العالم مخلوق بزمن معين في الماضي، فماذا حصل قبل هذا الزمن؟” حيث أجاب الفيلسوف المسيحي القديس أوغسطين (٣٥٤-٤٣٠م)٠

St.Augustine

عليه بأن الزمن” هو خاصية من خصائص عالمنا الذي خلقه الله و عليه فالوقت لم يكن له وجود قبل الخلق” . و هذا القول ، بغض النظر عن كونه صحيحا أم لا فهو شرعي حتى مع كون أوغسطين يعتقد أن بداية الكون لم يكن منذ زمن بعيد ،  كما جاء على لسان المؤلف و الذي يقول أن ” هذا أحد النماذج المحتملة، و التي يفضلها أولائك الذين يؤمنون بصدق الإنجيل حرفيا حتى مع وجود حفريات و أدلة أخرى تجعلها {أي الأرض} تبدو أكثر عمرا بكثير” . و يستطرد بأن  ” ممكن لنا أيضا أن نعتقد بنموذج مغاير بقول أن عمر الأرض ١٣،٧ بليون سنة رجوعا إلى الإنفجار الكبير. و هذا النموذج هو الذي يفسر مشاهداتنا الحالية، بما في ذلك الأدلة التاريخية و الجيولوجية، و هو أفضل عرض نملكه عن الماضي لأنه يفسر وجود الحفريات و يفسر سجل النشاط الإشعاعي {في الصخور} و يفسر حقيقة كوننا نستقبل أضواء من مجرات تبعد ملايين من السنوات الضوئية عنا، و لذا فهذا النموذج – نظرية الإنفجار الكبير- هو الأكثر إفادة لنا من ما قبله ” . و لكننا مع ذلك  ” لا نستطيع أن نقول أن أحد هذه النماذج أكثر واقعية من الأخرى” . أما عن مسألة الواقع فيما قبل الإنفجار العظيم فيقول المؤلف بأنه إستنادا علي ما مضى فإنه ” يبدو لنا بأن قوانين تطور الكون ممكن أن تتحطم  مع نظرية الإنفجار الكبير. و إذا كان ذلك صحيحا، فليس هنالك حاجة ، منطقيا، لخلق نموذج يحتوي على زمن ما قبل الإنفجار الكبير، لأن ما حدث في ذاك الوقت ، ليس له عواقب محسوسة في الوقت الحالي، و عليه نستطيع أن نقول أن الإنفجار الكبير هو في الواقع بداية خلق العالم {جوازا}٠” و هنا تتفق نظرة القديس أوغسطين مع المؤلف٠

و الآن و بعد أن بين لنا المؤلف بأن الواقع يعتمد على فرضيتنا الأولية، و النموذج اللاحق على أساس هذه الفرضية و كيف أنه في حال وجود أكثر من نظرية فذلك لا يعني أن أحدها صحيح و الآخر خطأ، يشرح و بالتفصيل عوامل التفاضل بين هذه النماذج. أي يبين ما هو الشيء الذي يجعل من نموذج ما أكثر قبولا بين الأوساط العلمية من النموذج الآخر. أو ما هو النموذج الجيد ، فيقول أن هنالك عدة عوامل للتفاضل بين النماذج . فالنموذج “هو جيد {مثلا } إذا كان : أنيق. و يحتوي على أقل ما يمكن من العناصر العشوائية أو {بالأحرى}  لا يحتوي على الكثير من العناصر القابلة { أو التي تنتظر التعديل أو } التكيف ،  و هو النموذج الذي يتفق مع ،أو يفسر، كل المشاهدات الموجودة، و يعمل تنبوءات تفصيلية عن مشاهدات مستقبلية، يمكن على أساسها قياس مدى صحته أو حتى خطئه”٠

فعلى سبيل المثال”نظرية أرسطو بأن العالم مصنوع من أربعة عناصر هي التراب و الهواء و النار و الماء، حيث يفترض أن هذه الأشياء {جميعها} مخلوقة لإستيفاء غرض معين لكل منها. هذه النظرية كانت أنيقة و لم تحتوي على الكثير من العناصر القابلة للتكيف و التعديل. و لكن في أحوال كثيرة لم تقم النظرية بعمل التنبؤات المؤكدة، و عندما فعلت ذلك، لم تتفق هذه التنبؤات مع المشاهدات الواقعية. و أحد هذه المشاهدات التي لم تتفق مع النظرية كان بسقوط الأجسام، حيث تقول النظرية أن الأجسام التي تتصف بالثقل تكون مخلوقة كذلك لأن الغرض منها هو أن تصل أسرع إلي الأرض من الأجسام الأخف عندما ترمي من الأماكن العالية، و السبب هو أن هذه الأجسام غايتها { هو ثقلها و الذي} يكمن بالسقوط (جاليليو أثبت بعد عدة قرون خطأ هذه النظرية، أي أنه أثبت أن جميع الأجسام تصل إلى الأرض بنفس الوقت بغض النظر عن ثقل وزنها)” ٠

فالأناقة، كما يقول المؤلف ” مرغوبه، مع أنها صعبة القياس… هي مرغوبة بين العلماء لأن قوانين الطبيعة من المفروض أن تضع مجموعة من الحالات المعينة بصورة إقتصادية في معادلة سهلة. و لكن الأناقة لا يقصد بها شكل النظرية أو المعادلة و حسب، و إنما أيضا كونها متعلقة بصورة كبيره مع العناصر التي لا تحتوي على الكثير من المواد المضافة للتصحيح، لأن النظرية المليئة بالعوامل الملفقة لا تكون في العادة أنيقة {كمعادلات بطليموس المعقدة مثلا مقارنة بمعادلة أينشتاين }” . و لإعادة صياغة الجملة التي صاغها أينشتاين، يقول المؤلف أن ” النظرية يجب أن تكون من أبسط ما يمكن، و لكن ليس أبسط من ذلك” . بطليموس {على سبيل المثال كان مجبورا على } إضافة الدوائر الصغيرة للمدارات الكبيرة لكي يجعل نموذجه صحيحا في تفسير حركة الكواكب. و كان من الممكن أن يكون النموذج حتى أكثر دقة بإضافة دوائر صغيرة لهذه الدوائر الصغيرة أو حتى دوائر صغيرة أخرى للمدارات {و هكذا}، مع أن هذا من شأنه أن يضيف تعقيدا إلى التعقيد على النموذج حتى لو صحح من مساره {و هنا تصبح المعادلة مشكوك في صحة إفتراضيتها الأولية}. فالعلماء ينظرون إلى النموذج الذي يتم تحويره {أو إعادة تعديلة} كي يطابق مجموعة من المشاهدات بأنه نموذج فاشل، و يمثل كاتالوج من البيانات أكثر من أن يمثل نظرية تحتوي على أي مبدأ مفيد”٠

و هذا ما يجرنا إلى العامل الثاني في التفاضل بين النظريات، ألا و هو أن تكون النظرية ” تحتوي على القليل من العناصر العشوائية أو القابلة للتعديل” لعمل التنبؤات المستقبلية . ففي الفصل الخامس يبين المؤلف كيف أن “هنالك الكثيرون من الذين يرون أن ” النموذج  الموحد” {أو النظرية الكلية الموحدة}، و الذي يفسر التداخل بين الجزيئات الإبتدائية في الطبيعة هو نموذج غير أنيق. مع أن هذا النموذج أكثر نجاحا من نموذج بطليموس بمراحل. و السبب أنه يتنبأ بوجود عدة جزيئات جديدة قبل أن يتم مشاهدتها، و يشرح نتائج الكثير من التجارب التي تمت علي مدي عقود كثيرة بصورة جدا دقيقة. و لكنها تحتوي علي دزينات من العوامل القابلة للتصحيح و التي تتطلب قيمها أن تكون ثابتة لتتطابق مع المشاهدات، بدل أن تكون متغيرات في المعادلة نفسها٠ أما العامل الثالث للتناظر فهو كون النظرية ” تتفق و تفسر كل المشاهدات الموجودة ” حسب قياسات الواقع أو المشاهد. و كذلك  مؤهل بأن “يعمل تنبؤات تفصيلية عن المشاهدات المستقبلية و التي من شأنها أن تدحض أو تؤكد النموذج”٠

و يبين هنا المؤلف كيف أن “العلماء دائما ما يكونون معجبين عندما يتم إثبات صحة تنبؤات جديدة أو مذهله لنظرياتهم. و في المقابل، عندما يكون النموذج قاصرا تكون ردة الفعل لديهم هو بالقول أن التجربة كانت خاطئة. و حتى إن لم تكن التجربة خاطئة، فهم لا يستغنون عن النموذج {بسهولة}  و لكنهم يحاولون إنقاذه من خلال عمل التحديثات عليه و الإضافات له. فالفيزيائيين معروفين بتمسكهم الشديد بمحاولات إنقاذ نظريات يعجبون بها، ألا أن قابليتهم للتحديث تختفي عندما يصل التحديث إلى درجة تصبح فيها التعديلات تبدو إصطناعية أو متعبة {حاول إينشتاين التعديل على نظرياته للوصول إلي النظرية الكلية حتى علي فراش الموت} و عليه تصبح “غير أنيقة” و لا مرغوبة٠

فعلى سبيل المثال ” في العشرينات من القرن الماضي إعتقد أغلب العلماء أن الكون ثابت {الحجم}، و في ١٩٢٩ نشر إدوين هابل مشاهداته ليرينا أن الكون {ليس ثابت الحجم} بل هو يتسع {مع الوقت}… فعند تحليل الضوء القادم من الأجرام البعيدة، إستطاع هابل أن يقيس سرعتها. و كان قد توقع أن يجد الكثير من الأجرام التي تبتعد عنا و مثلها في العدد من التي تقترب منا. و لكنه تفاجأ في كون جميعها تقريبا تبتعد عنا، و كلما كانت هذه الأجرام أبعد كلما زادت سرعتها. و عليه فهابل إستنتج أن الكون في حالة إتساع {و كل الأجسام السماوية فيه تشبه النقط على سطح بالون ينتفخ}. و لكن نظريته هذه لم تلاقي القبول لأنه  كان هنالك الآخرون و الذين كانوا متمسكين بالنماذج الأقدم، ممن حاولوا تفسير مشاهداته ضمن السياق الخاص بالكون الثابت… و هكذا إستمر العلماء و لمدة عقود بعد هابل بالتمسك بنظرية جمود أو ثبات الكون {القديمة} . و لكن النموذج الأكثر واقعيا كان هو النموذج الذي قدمه هابل و القائل بالكون المتسع أو المتمدد، و هو النموذج الذي تم الأخذ به حديثا”٠

و كذلك الحال مع نظرية نيوتن المعروفة بالكوربوسكيولار

Corpuscular theory of light

و التي يقول فيها أن الضوء عبارة عن جزيئات مادية ، هذا على الرغم مما شاهده بنفسه من التصرفات الغريبة للضوء – على إفتراض أنها جزيئات مادية- و لم يتمكن نيوتن من تفسير هذه الظاهرة  التي عرفت بخواتم نيوتن  بعد ذلك، و كما ذكر المؤلف ” فكون الضوء جزيء مادي لا يفسر هذه الخواتم،  و لكن من الممكن أن يعتد به في نظرية الموجات { أي ممكن أن نفهم ما يحدث إذا إعتبرنا الضوء موجات، حيث تمثل هذه الدوائر} ظاهرة تسمي تداخل {الموجات}”٠

Interference

فالأمواج الضوئية مثل الأمواج المائية {ممكن تصويرها بما } تحتوي عليه من مجموعات  { متكررة} من قمة و حضيض ، تمثل هذه الدوائر{سوداء و بيضاء-ناتج جبري لجمع أكثر من موجة}”. و مع ذلك أخذت نظرية نيوتن كتأكيد على النظرية الجزيئية {أي أن الضوء جزيء} في القرن التاسع عشر. و لكن في بدايات القرن العشرين بين أينشتاين أن التأثير الضوئي\الكهربي

Photoelectric effect

و هو ما يستخدم اليوم في صناعة التلفزيونات و الكامرات الرقمية ممكن أن يفسر تصرف الضوء ، بكونه اجزيء أو ذرات مادية {تقوم بالتصادم فيما بينها } فتضرب الذره جارتها الذره الأخرى لتطرد إليكترون منها {تخرج بهيئة طاقة أو بالأصح فوتون يعمل كعمل الموجات}  . و عليه فالضوء يتصرف كجزيء و كموج في ذات الوقت”٠

و ” الحالات الإزدواجية كهذه الحالة -و التي تقوم فيها نظريتين مختلفتين تماما بتفسير نفس الظاهرة- هي موافقة للحتمية المعتمدة على النموذج” كما يؤكد المؤلف” فكل نظرية بإمكانها أن تفسر خواص معينة، و لا يمكننا أن نقول عن أحدها بأنها أفضل أو أكثر واقعية من الأخرى”٠

و هذا أيضا ينطبق علي جميع القوانين التي تتحكم في العالم . و عليه يقول المؤلف بأنه كما حصل مع تصرف الفوتون الضوئي فهو وارد لجميع قوانين الطبيعة و  ” ما نستطيع أن نقوله هو أنه يبدو لنا أنه لا يوجد نمودج رياضي واحد أو نظرية معينة بإستطاعتها أن تشرح كل شيء عن الكون . بل، و كما تم الإشارة له في الفصل الإفتتاحي، فإن هنالك مجموعة متداخلة من النظريات التي ممكن الإعتداد بها و هي تلك التي تسمي نظرية-م” و هذا يتفق مع إسلوب الحتمية المعتمدة علي النموذج  في كون “كل نظرية من نظريات-م جيدة في شرح ظاهرة {معينة} و في مجال معين .  و عندما تتداخل المجالات، فجميع النظريات المعنية تتفق فيما بينها، و لذا يمكن أن نقول عنها أنها جزء من نفس النظرية. و لكن لا توجد نظرية بحد ذاتها ضمن {نظرية-م} تستطيع منفردة أن تعطينا تفسيرا لكل الظواهر في الكون- أي كل قوى الطبيعة، و الجزيئات التي تشعر بهذه القوى، و الإيطار العام من المكان و الزمان التي تحتويها٠

و مع أن هذه الحالة لا تحقق حلم الفيزيائيين التقليديين بالحصول على نظرية واحدة موحدة، فهو مقبول في إيطار الحتمية المعتمدة على النموذج” و التي يقترحها المؤلف٠

و لذا فالنظرة الحديثة للطبيعة يجب أن تعتمد على الفيزياء الكمية، كما يرى المؤلف ، “و بالأخص، طريقة فهمنا لها و التي تسمى {طريقة} التواريخ المتناوبة”٠

Alternative Histories

و هذا ما سنقوم بالتطرق إليه في البوست القادم

يتبع

كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٣)٠

جاليليو جاليلي (١٥٦٤-١٦٣٢م)٠

Galileo Galilei

كما ذكرنا في البوست الماضي أن أحد أهم النقاط الجذرية في التحول في المسار العلمي بدأ في عهد جاليليو ،  حيث يقول عنه المؤلف أنه إكتشف “الكثير من القوانين، و دافع عن أهمية المباديء المعتمدة علي المشاهدة و {القياس } في تكوين القواعد العلمية {حيث عن طريق المشاهدة بالتلسكوب ، بين كيف أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، مؤكدا ما ذكره كابرنكاس

Copernicus

قبله بفترة قصيرة ، و الذي بدوره لم يتجرأ بنشر معلوماته إلا قبل وفاته بقليل}”. و بذلك ضرب جاليليو عرض الحائط كل ما إعتمدت عليه الكنيسة من علوم إغريقية في إثبات النبوءات المسيحية و منها أهمية الإنسان بكونه أساس كل ما هو مخلوق، أو لأجله و لأجل راحته تم خلق كل شيء . و بين “أن الغرض من العلم { ليس إثبات أو عدم إثبات أمور ثيولوجية ، بل } هو بحث العلاقات الكمية الموجودة {فعليا } بين الظواهر الطبيعية  ” كما جاء علي لسان المؤلف. و تحمل بذلك قسوة  مجتمعه المسيحي الملتزم و خصوصا عندما حكمت عليه المحكمة الكنسية بالهرطقة و السجن الإجباري في داخل منزله إلى يوم وفاته. و لم تعتذر الكنيسة عن خطئها و حكمها الجائر عليه إلا مؤخرا في عام ١٩٩٢م .  و لكن لم يكن ليذهب جهود جاليليو سدي، ففي نفس الوقت تقريبا ، أو بعده بقليل ظهر نجم الفيلسوف و الرياضي  الفيزيائي الفرنسي الشهير رينية ديكارت (١٥٩٦-١٦٥٠) ٠

René Descartes

الذي إعتبره المؤلف “أول شخص قام بصياغة فكره القوانين الطبيعة بحزم و صراحة كما نفهمها {اليوم}. فهو كان يعتقد أن جميع الظواهر الطبيعية يجب أن تفسر بصورة كتل متحركة، تتحكم فيها ثلاثة قوى -مستبقا بذلك القوانين التي صاغها نيوتن بخصوص الحركة لاحقا- و مصرا علي أن هذه القوانين الطبيعية عليها أن تكون قابلة للتطبيق في كل الأماكن و في جميع الأزمنة {بدون إستثناء}. كما و بين بوضوح أن رضوخ  هذه الأجسام المتحركة لهذه القوانين لا تعني أنها تمتلك أدمغة {كما كان يعتقد كيبلر}. فديكارت كان يفهم أيضا أهمية ما نسميه “بالظروف الإبتدائية” { و التي هي معرفة و دراسة الظروف الإبتدائية أو الوضع الحالي للشيء أو للنظام يعتبر من الأمور الضرورية لعمل التنبؤ بالنتائج المستقبلية لما سيئول إليه النظام، و كذلك  لتتبع أثر النظام زمنيا إلي الوراء }”. أما بالنسبة لمعتقداته الدينية “فهو كان يعتقد أن الله هو من وضع القوانين الطبيعية للكون {في البداية} و لكنه لم يكن له إختيار بين هذه القوانين، بل هو إختار القوانين التي نجربها في حياتنا اليومية لأنها كانت القوانين الوحيدة الممكنة الحدوث {أي لا يمكن إستبدالها بغيرها}”. و ناقش على هذا الأساس ” حتمية هذه القوانين كونها  تعكس الطبيعة الجوهرية لله “٠و جادل بأنه “لا يهم ما هي ترتيبات المادة في بدايات الكون…{لأنه في جميع الأحوال} سيتطور {بالنهاية} كون مطابق تماما لكوننا علي مر الزمن {بسبب حتمية هذه القوانين } “. و أكمل أنه ” حالما سير الله الكون {بقوانين في بداياته} فإنه تركه {يعمل بعد ذلك } لوحده كليا {دون التدخل فيه}” ٠

و بعد ذلك بقليل من الزمن ظهر نجم إسحاق نيوتن (١٦٤٣-١٧٢٧م)٠

Isaac Newton

و الذي بدأ بعهده الفيزياء الكلاسيكية كما نعرفها اليوم، فلقد كان هو “وراء إكتشاف ثلاثة قوانين للحركة، بالإضافة إلي قانونه الشهير بقانون الجاذبية، و الذي يضع بالحسبان دوران الأرض حول محوره و {جاذبية} القمر و بقية الكواكب” ، و كذلك قام بشرح ظاهرة المد و الجزر٠

هذا مع العلم بأن نيوتن و جميع من جاء قبله كانوا مؤمنين بوجود خالق يتدخل بصورة أو أخرى في شئون الخلق حتي لو لم يتدخل بقوانين الكون بعد ذلك و تركها تعمل لوحدها كما ذكر ديكارت، و لذلك فقانون الطبيعة و ميكانيكية علاقتة بالله في ذاك الوقت لم تكن النظرة إليه كالنظرة العلمانية الحالية لهذا القانون، فكما يذكر المؤلف “اليوم أغلب العلماء سيقولون أن قانون الطبيعة هو القاعدة التي تستند عليها الأحداث المنتظمة الحدوث و التي تعطي تنبؤات لما بعد الحالة التي إعتمدت عليها” و كفى، دون ذكر لعلاقة ذلك بالله٠و لكن إذا كانت الطبيعة مقيدة بقوانين فهنالك ثلاثة أسئلة تفرض نفسها، يقوم المؤلف بإدراجها و إدراج إجابات الأولين عليها:٠

السؤال الأول هو:  ما هو أصل هذه القوانين؟

و علي ذلك يجيب كل من كيبلر و جاليليو و نيوتن بأن القوانين هي موضوعة من قبل الله .  كما أعطوا تعريفا لله بأنه “تجسيد لقوانين الطبيعة”٠

و السؤال الثاني هو : هل يوجد إستثناء لهذه القوانين؟ أي هل يوجد معجزات؟

و علي ذلك أجاب أفلاطون و أرسطو بحزم بقولهم أنه “لا يوجد إستثناءات لقوانين الطبيعة” أما الإنجيل (و كذلك القرآن) و الذي كان يؤمن به كل من العلماء السابق ذكرهم فيقول “أن الله لم يخلق القوانين فقط، بل أنه {يملك أن يغيرها أيضا متى ما شاء } عن طريق {الإستجابة لمخلوقاته} في صلواتهم {لا يرد القضاء إلا الدعاء!} ، و بذلك فالله قادر على أن يعمل إستثناءات لقوانين الطبيعة {فإن شاء للشيء أن يكون فهو يقول له كن فيكن} ، أي ممكن أن يحدث المعجزات {فتلد العذراء مثلا أو ينشق القمر } ” أما ديكارت فمع أنه لا يعتقد بوجود إستثناءات في الوضع الطبيعي و لكنه يؤكد بنفس الوقت “بأن الله لابد أن يكون قادرا علي تعليق القوانين {متى شاء} حتي تحدث المعجزة” . أما نيوتن فنظرته مغايرة لديكارت حيث يقول أنه بدون تدخل الله المستمر فإن ” مدار الكواكب سيكون غير ثابت لأن الجاذبية بين أحد هذه الكواكب للأخري ستسبب إضطرابا لمداراتها  و عليه سيكبر مع الزمن و سيتسبب إما في سقوط هذه الكواكب إلى الداخل في الشمس أو أن ترمي في خارج المجموعة الشمسية. و عليه فهو كان مؤمنا  بأن الله حتما يقوم بإعادة {تضبيط} المدارات أو ” أنه ” يلف نابض الساعة السماوية، حتي لا تقف”، و إن أراد غير ذلك، حسب مفهومه،  فهذا أيضا يرجع له٠

أما الفرنسي بيير-سايمون ماركيز لابلاس (١٧٤٩-١٨٢٧)٠

Pierre-Simon Laplace

فكانت له نظرة مختلفة تماما عن كل من نيوتن و ديكارت، فهو جادل بأن  “التشويش {بقوى الجاذبية، أي للداخل أو للخارج من الدائرة} سيكون علي فترات تميزها الدوائر المتكررة {بسبب حركتها}، بدلا من أن تكون تراكمية {أي أن القوى تجدد نفسها بالحركة المستمرة }. و عليه فالنظام الشمسي يقوم بإعادة تشغيل نفسه، و لا توجد حاجة إلي التدخل القدسي لتفسير لماذا بقيت {الكواكب تدور} حتي وقتنا الحالي…و هذه الحتمية العلمية التي صيغها لابلاس هو الجواب العلمي {العلماني} الحديث علي السؤال الثاني…فالقانون العلمي ليس قانونا علميا ” كما يجادل المؤلف، “إذا كان ثباتة يعتمد علي قرار من كائن مافوق الطبيعة، يختار عدم التدخل {غالبا و التدخل أحيانا}”. و لذا فعندما سأل نابليون لابلاس عن مكان الله في نظرياته “فأجابه،  ” سيدي، أنا لم أكن بحاجة إلي تلك الفرضية””٠

و قبل ترك هذا السؤال يتطرق المؤلف إلي سؤال ضمني {فلسفي أزلي} آخر يبرز من بين السطور و يفرض نفسه : هل الإنسان مسير أم مخير؟

و أعتقد شخصيا أن هذا السؤال هو السؤال الذي لم يحظى أي سؤال مثله بكثرة المناقشات و المجادلات. و لذا فإرتأيت أدراجه لمعرفة وجة النظر العلمية أو بالأحري ماذا يعتقد العلماء تجاهه. ففي هذا الصدد يقول ديكارت أن ” عقل الإنسان كان شيئا مغايرا من العالم الطبيعي و لا يتبع قوانينه. و هذه النظره تعني أن الإنسان يتكون من شيئين، جسم و روح. الإجسام ما هي إلا مكائن عادية، و لكن الأرواح لا تخضع للقوانين العلمية {الطبيعية}. و أشار ديكارت إلي عضو صغير في مركز الدماغ يسمي الغدة الصنوبرية قائلا أنها المكان الذي يسكن فيه الروح. و كان يعتقد أن هذه الغدة هي المكان الذي يتكون فيه كل  تفكيرنا، و هو منبع قراراتنا التي نختارها {هذه النظرة تبناه أيضا المسلمون و البوذيون و كل الذين يعتقدون بالقوى الخارقة بعد ذلك في الكثير من مناقشاتهم و تحليلاتهم }٠

و هنا يتساءل المؤلف “إذا كان الإنسان يملك حرية إختيار قراراته، فأين تطورت {هذه القابلية} لدي الإنسان في شجرة إرتقائه؟ و هل الطحالب الخضراء و البكتيريا لها حرية الإختيار، أو أن تصرفاتها أوتوماتيكية من خلال عالم القوانين العلمية؟ و هل فقط الكائنات متعددة الخلايا هي الوحيدة التي تملك حرية الإختيار أو فقط الثدييات؟” و من ثم يلجأ إلي العلوم الحديثة لإيجاد الأجوبة فيقول ” تدعم التجارب الحديثة في علم الأعصاب  التوجه القائل بأن أدمغتنا الفيزيائية، و التي تتبع القوانين العلمية الطبيعية، هي التي تقوم بأخذ قراراتنا، و ليس وكالة ما موجودة خارج نطاق هذه القوانين ، فعلي سبيل المثال؛ بينت دراسة لمرضى تحت عمليات فتح الدماغ بدون تنويمهم أن التأثير الكهربي علي أماكن معينة في الدماغ، يجعل المريض في حالة يشعر بها بالرغبة في تحريك يده ، أو ذراعه، أو قدميه أو شفتيه {حسب المكان المثار} . و من ثم يستنتج أنه ” من الصعب أن نتصور كيف بالإمكان القول “بحرية الإختيار” إذا كانت تصرفاتنا مقيدة بالقوانين الطبيعية، و لذا ، فمع أنه يبدو لنا أننا لم نعد تلك المكائن البيولوجية {أو الدمى المتحركة} ، فإن حرية الإختيار مجرد وهم. و لكن بينما نحن نقر بأن التصرفات الإنسانية مقيدة بالتأكيد بالقوانين الفيزيائية، فإنه  يبدو لنا أيضا أنه من المنطقي الإستنتاج أن الناتج {النهائي} هو من التعقيد في وجود عدة عوامل تجعل من المستحيل في الواقع العملي أن نتكهن {كم هو الإنسان مخير أم مسير من الطبيعة }٠

و حيث أن إستخدام القوانين الفيزيائية المبطنة مسألة غير عملية {لوجود عدة عوامل مؤثرة فيها و تشكل مجموعة يتم } التنبؤ بالتصرفات الإنسانية {من خلالها}، فنحن نقوم بتبني ما يسمي النظرية التأثيرية في الفيزياء النظرية” كما يذكر المؤلف . و هذا مثال

Effective field theory

و من ثم يشرح بأن ” النظرية التأثيرية هي الإيطار الذي يتم من خلاله عمل نموذج معين لظاهرة تم ملاحظتها {و تكرار حدوثها} لتقديمها بصورتها العامة مع تقدير كل العمليات الذاتية فيها و التفاصيل”. و هذا لا ينطبق علي الفيزياء النظرية و حسب بل علي كل العلوم، حيث يقول المؤلف أنه و بما ” أننا لا نستطيع حل المعادلات {الدقيقة و المعقدة } التي ترتبط بتصرفاتنا، فنحن نستخدم النظرية التأثيرية بقولنا أن الإنسان مخير {بصفة عامة}. و عليه نقوم  بدراسة قدرتنا علي الإختيار، و نقيم تصرفاتنا التي تتطلبها هذه القدرة و هذا {ما نسميه} علم النفس. ” تماما كالنظريات التي نستخدمها في “علم الإقتصاد مستندين على معلومة {قدرتنا على} حرية الإختيار و على فرضية أن الناس هم من يقيمون جميع الخيارات المتاحة {في السوق مثلا } و يكون قرارهم هو بعد دراسة  ما هو الأنسب لهم… و النظرية التأثيرية ناجحة نوعا ما في توقع التصرفات البشرية {بصورة عامة}…و لكن {مع ذلك تظل}  القرارات في أغلب الأحيان لامنطقية أو بالأحرى تكون مبنية علي تحليلات خاطئة لمردود هذه الإختيارات علينا”٠

وردا علي السؤال الثاني يقول المؤلف أن هذا الكتاب ” له جذور في مبدأ الحتمية العلمية و التي تؤكد ضمنيا علي أن الجواب علي السؤال الثاني هو أنه لا يوجد معجزات أو إستثناءات لقوانين الطبيعة ” ٠

أما السؤال الثالث فإنه يخص عما إذا كانت القوانين المتحكمة في الكون و في تصرفات البشر هي فريدة في نوعها {أي خاصة بعالمنا وحدنا} أم لا؟”٠

و للإجابة عليه يجادل المؤلف بأنه ” إذا كان الجواب علي السؤال الأول أن الله هو من خلق هذه القوانين فهذا يجرنا إلي سؤال آخر و هو هل الله لديه نطاق أو مجال معين في إختياره لهذه القوانين؟ {أو بمعنى آخر لماذا هذه القوانين بالذات، و هل ينفع غيرها؟}. و علي ذلك أجاب كل من أرسطو و أفلاطون، كما فعل ديكارت بعد ذلك و من بعده أينشتاين بأنه في إعتقادهم أن المباديء الموجودة في الطبيعة جاءت حسب “الحاجة”، أي أنها هي القواعد و القوانين الوحيدة التي تبدو منطقية. و لكن بسبب هذا الإعتقاد بأصول هذه القوانين الطبيعية { أي بوجود قوى خارقة خلفها } في علم المنطق، شعر أرسطو و من تبعه بعد ذلك أن الشخص بإمكانه أن “يصوغ” هذه القوانين دون الحاجة إلي معرفة كيف تعمل الطبيعة في الواقع. فتحول التركيز الفكري على أن يكون السؤال هو :  لماذا تتبع الأشياء قوانين معينة؟ بدلا أن يكون التركيز علي ماهية هذه القوانين و ما هي خصوصيتها، و هذا ما كان من شأنه أن يقوده إلي القوانين النوعية {و الحدسية} و التي كانت في الغالب خاطئة، و في كل الأحوال لم يتثبت أنها مفيدة، حتي مع كونها سادت الفكر العلمي لمدة قرون كثيره بعده. و من ثم مضي وقت طويل جدا حتي إستطاع شخص مثل جاليليو أن ينقض أرسطو بملاحظة أو مشاهدة ما قامت الطبيعة بعمله في الواقع، بدلا من اللجوء إلي المنطق وحده في تحليل الأمور٠

و من هذا المنطلق يقوم المؤلف بإستخدام الأسئلة السابقة جميعا كمدخل للفصول اللاحقة  مبتدءا ببيان ماهية هذه القوانين و كيف تفسر عمل الطبيعة علميا ليخرج بنتيجة إجمالية مفادها أن ” أغلب العلماء يقولون أن هذه القوانين هي إنعكاس رياضي {حسابي} لواقع خارجي متواجد بصورة منفصلة عن من يشاهدها {أي ليس لها علاقة مباشرة مع المشاهد}” و هذا ما يرجعنا للتساؤل عن مصداقية التعليمات الثيولوجية ، أو كما يقول المؤلف ” بينما نحن نبحر في طريقة مشاهدتنا و تشكيل مبادئنا أو قوانيننا بشأن ما يحيطنا، فإننا نصطدم بالسؤال الذي يفرض نفسه علينا و هو أنه هل لدينا أسباب مقنعة للإعتقاد بوجود “الواقع الموضوعي” ، أي هل هنالك سبب لوجودنا؟”٠

يتبع

Previous Older Entries