كلنا متهمون

قبل مدة غير بعيدة شاهدت فيلما باليوتوب لكلب يدور حول كلب آخر مستلقي على الأرض في بركة من الدماء على قارعة طريق مزدحم بالسيارات. و كان الكلب المستلقي عديم الحركة أو ميت على ما يبدو بسبب حادث دهس. و هذا شئ طبيعي يحدث كل يوم، لكن ما كان بالفعل لافتا للنظر هو أن الكلب الآخر كان يبدو متوتراً من طريقة حركته حول جثة صاحبه ، رافضاً تركه برغم مخاطر الطريق، و بدت علامات الحزن على وجهه لدرجة أنه بدى لي و كأنه لو كان قادرا على النطق لكان ألف ملحمة نعي على صاحبه!

تذكرت وجه الكلب الحزين و أنا أتفحص بصورة عبدالحميد أباعود (المكني بأبو عمر البلجيكي) في مخيلتي – و شتان ما بين الصورتين. أقول في مخيلتني لأن صورة هذا الشخص، و الذي كان نكرة بالنسبة لي قبل عدة أيام، صارت فجأة مطبوعة في الذاكرة و تكاد لا تبرحها لحظة واحدة. إنها صورة ذاك الشاب البلجيكي من أصول مغربية و الذي تقول التقارير أنه المخطط الرئيسي لإنفجارات باريس في يوم الجمعة/الثالث عشر (و الذي أصرت داعش على ما يبدو أن تجعل منه يوم شؤم كي تتحقق النبوءات الخرافية عنه، تماماً كما تسعى لتقسيم العالم إلى حزب الله و حزب الشيطان لتحقيق نبوءة الإبادة الجماعية و قيام الساعة).

عندما كنا نقوم بعمل مخالف للأدب و نحن صغار كان الكبار يزدرون فعلنا و ينعتونا بالحيوانات. فجمل مثل “يستسلم لشهواته كما الحيوان” و “يا حمارة” مثلاً تعودنا على سماعها من مدرسينا بالمدارس عندما يريدون أن ينعتونا بالدونية و الغباء! و هكذا كبرنا على ثقافة أن الأعمال المشينة هي مرادفة للحيوانات، و التي هي أقل مرتبة منا، و ليس للإنسان الذي ميزه الله بالعقل و الحكمة و الألفة و المودة و الرحمة بينه و بين بني جنسه. لكن بنظرة واحدة للواقع من حولي اليوم، حيث وصل المسلمون فيه للدرك الأسفل من الغباء و البربرية و الجلفة، أجدني في حيرة تجاه مصداقية الكثير من التعاليم الإسلامية التي تربيت عليها و منها هذه المغالطات في تصنيف الإنسان و تعريف الإنسانية. فهذا الشاب، الذي جسد لي معانى بعض الجمل التي كنت أتصارع لفهمها بالسابق (جمل من مثل “الإبتسامة الصفراء” و “القتل بدم بارد”)، لا يبدو لي أكثر رقياً و لا أذكي ولا حتى يملك ذرة من العاطفة عند مقارنتة بالكلب الباكي على بني جنسه! بل العكس تماماً هو صحيح!

و أتساءل: كيف لنا أن نتفاخر بإنسانيتنا و نحن لا نفهم حتى تعريفاً لهذه الكلمة؟ و ليس لدي أي شك بأن هذا الشاب قد مات له صديق واحد على الأقل ممن هم على شاكلته في هذه العملية و غيرها (هذا على إفتراض أنه لا يهتم بالمئة و ثلاثين الآخرين الذين لقوا حتفهم بفرنسا لأنهم بالنسبة له كائنات أتوا من كواكب أخرى)، فكيف يظهر بإبتسامتة الصفراء مفتخراً بعمله كقاتل و هو يجر أشلاء من مثّل بجثثهم من الجيش السوري الحر وراء عربته! أين رقيّه المزعوم؟ و أين عقله؟ أين إنسانيته إن كنا نعتقد أن الإنسانية مرادفة للعقل  و التعقل؟ أين شعوره بالذنب؟ أين العاطفة؟ أو حتى، أين حيوانيته؟ حتى الوحوش أكثر حنانا و عاطفة تجاه نوعها، فكيف نصفه؟ إن كنت عالم أحياء لكنت بالفعل تحيرت في تصنيفه من بين كل الكائنات؟

أيعقل أن توجد كائنات بهذه الدرجة من عدم المبالاة و الدناءة و الكراهية لأخيه الذي هو من نفس نوعه و جنسه و عقيدته؟ كيف ياترى هي العلاقات الإجتماعية بينه و بين بني جلدته؟ هل هناك فسحة للثقة مثلاً؟ و على إفتراض أنه يطبق حرفياً ما تمليه عليه عقيدته بأن “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه و لا يحقره…إلخ”، و على إفتراض أنه يعتبر فقط من هم بقاربه مسلمون و الباقي كفار، فهل هذا كافي ليثق أحدهم بالآخر؟ ألم تنقلب القاعدة على داعش و هم نفس الجماعة؟ ألم تحدث المجازر بين داعش و جبهة النصرة بعد أن كانوا إخوة؟ هل صحيح أن الدين بإمكانه أن يسلب الإنسان من إنسانيته و يحوله وحشاً كاسراً بدون أي شعور بالذنب؟

يقول عالم البيولوجيا التطويرية ريتشار داوكنز في كتابه وهم الإلاه، “الدين ليس جذور كل شر، لأنه لا يوجد شئ واحد كجذر لأي شئ”. أي أننا لو أشرنا بإصبع الإتهام للدين وحده فإننا نختزل المشكلة و ننتهي بالدوران في حلقة مفرغة!

هنالك إذاً عدة عوامل؛ سواء إجتماعية أو سياسية، أو إقتصادية، إجتمعت لتخلق المشكلة، و احد هذه العوامل هو العقيدة. لكننا لا نستطيع أن ننكر أنها في أغلب الأحيان تكون هي العامل الأقوى. فبنظرة خاطفة لحياة هذا الشاب فإننا سنلاحظ أنه كان قد ولد و عاش في بيئة راقية (أحد ضواحي بروكسيل) لكنه لم يستطيع أن ينخرط فيها، فهو تربي في حضن عائلة مسلمة ملتزمة دينياً و ترى الإنخراط كلياً بالمجتمع الغربي خطيئة، و هذا بالتأكيد قد أحدث له أزمة هوية. و كأي إبن في سن البلوغ، بدأ هذا الشاب حياته بالإنقلاب على الموروث من ناحية الإنخراط بالملذات من جنس و كحول و حشيش، و من ثم تطرف فعله إلى السرقة و الجريمة، أغلب الضن نكاية بوالدية أولاً ثم ببيئته التي وجد نفسه غريباً فيها. و كانت النتيجة دخوله السجن. و بدل أن يكون السجن عامل إصلاح، صار عامل هدم و وبال على المجتمع. فكما يتم تجنيد أغلب الراديكاليين و خصوصاً في السجون الأوربية حيث بينت الدراسات الكثيرة هذه الحقيقة، فقد قام الملتحون السياسيون و رفقاء السوء بالسجن بإستدراجه (كما تؤكد شقيقته) و ذلك باللعب على وتر الشعور بالذنب، لخلق هوية يستطيع (حسب إعتقاده) أن يتفاخر بها أمام أهله. فكانت النتيجة الطبيعية بعد التوبة هي التطرف بالجهة الأخرى للتكفير عن ذنوبه السابقة.

يقول عالم الفيزياء الشهير ستيفن واينبرغ أن “الدين إهانة للكرامة الإنسانية. فمع الدين أو بدونه، ستجد الناس الخّيرين يقومون بالأعمال الخيّرة و الأشرار يقومون بالأعمال الشريرة. لكن لكي يقوم الإنسان الخيّر بعمل الشر فذلك يتطلب دين.” وعلى الرغم من تعدد العوامل التي تحيل الشباب للإنخراط في سلك الإرهاب، فلاشك أن ما تعطيهم هذه الطمأنينة التي تظهر على وجوههم و هم يتفاخرون بأعمالهم الإجرامية بدون أي شعور و لو قليل بالذنب تجاه الإنسانية هي هذه العقيدة. فالعقيدة تُستَغل هنا للتبرير، و التبرير الديني يعطي شرعية لهذه الأعمال. و مهما إنقسمنا لجماعات و إختلفنا بالآراء في إصرار جماعة منا بأن هذا العمل أو ذاك “ليس من الإسلام في شئ” أو إصرار جماعة أخرى بكون “جذور الإرهاب متأصلة بالعقيدة” فهذا لا يعني أن أحد الجماعتين يملك الفكرة الصحيحة للعقيدة و الأخرى جاهلة بها. بل يعني أن الناس يتخذون من العقيدة ما يناسب أهوائهم الشخصية و ينتقون منها كما ينتقون الكرز. فالمسلم “الكيوت” ينكر كل شئ قبيح في دينه و يبرز ما هو جميل لأن ذلك يناسبه. فهو بالنهاية يريد أن يحيا بسلام و يتعايش مع مجتمعه بدون مشاكل. لكنه بذات الوقت يجهل أنه بعمله هذا إنما يتغاضى عن السبب الرئيسي للمشكلة و بالتالي يفوت فرصة تشخيص المرض لصرف الدواء المناسب. و المسلم الجهادي الذي يرنو إلى الإنتقام من المجتمع و الظروف التي خلقت منه شريراً فهو كالطفل المشاكس، يريد أن يكسر كل شئ أمامه لأن طلباته لم يستجاب لها. و الأخير هو الخامة البدائية الرطبة التي يسهل تشكيلها من قبل مرتزقة الدين الذين يصطادون بالمياه العكرة : و هؤلاء هم رأس الأفعى، كما أن السجون، حيث النفسيات المنهارة، هي أنسب البيئات لإصطياد الفاشلين. و الحالة التي أمامنا اليوم ليست هي الحالة الأولى التي يتخرج منها المجرم متطرفاً دينياً بعد قضائه فترة الحكم بالسجن و لن تكون الأخيرة.

و إن كان هذا الوضع يحدث بأوربا حيث مجال الإلتقاء بالملتحين في السجون أقل، فكيف سيكون الحال بالدول الإسلامية حيث يتعاضد الحكام فيها مع رجال الدين (حسب طائفة الحاكم) في إغراق المجتمع بالدروس الدينية لدرجة الفيضان، على حساب العلوم الحياتية والفنية و الإجتماعية و الإقتصادية، بل و الأخلاقية المعتمدة على حقوق و واجبات المواطنة و أهمية إحترام الإنسان أو حتى الحيوان. بل شر البلية ما يضحك، عندما تجد بهذه الدول القوانين التي  تعمل على تقصير المدة الزمنية للمجرمين في السجون إن هم حفظوا الآيات و الأحاديث و كأن حسن السير و السلوك لا يتم إلا بزيادة الجرعة الدينية!

هؤلاء الحكام هم من يعطي شيوخ الدجل الديني الضوء الأخضر لتعبئة المجتمع تعبئة عقائدية، ليس فقط في حدود دولهم بل حتى عالميا بواسطة الفضائيات  و الشبكات الإليكترونية. و لا عجب إن لعب الكهنة بالماء العكر مستغلين المساحة الشاسعة لهم بالفضاء العالمي لتسميم الرؤوس بالدروس الدينية، الجيد منها و القبيح، و تجنيد شباب المدارس للدخول و الدفاع عن العقيدة لكل من يتجرأ بنقدها، أو نقدهم، حتى لو كان هذا النقد يصب في مصلحة الدين نفسه و ليس إزدراءاً له. كما أنهم هم من يقوم بالتعاون مع رجال الدين بزج المصلحين و غيرهم من المسلمين المعتدلين بالسجون، كما حدث مع إسلام البحيري و رائف بدوي و غيرهم بتهمة إزدراء الأديان لأنهم فقط تجرأوا على النقد البناء!. هؤلاء الحكام هم من قطع نفَس الرأي الآخر و أغرق المجتمع بالرأي الأحادي الذي سجن العقول في القرن السابع عشر.

و بدل أن تقوم الدول الغربية بمحاربة الإرهاب، و الذي غزا عقر دارها، بالضغط على حلفاؤها المسلمين لتشجيع حق التعبير و التعليم الصحيح المبني على الإسلوب النقدي، على أساس أن الأيديولوجية لا يمكن محاربتها إلا بالأيديولوجية المضادة، قامت هذه الدول بالتعاون مع حكام دول العربوإسلامية و رجال دينها، و الذين هم أساس المشكلة، بإستخدام القوة لمحاربة من هم نتاج هذه السياسات الخاطئة للحكام و لا يمثلون لب المشكلة. و من سخرية الأقدار أنه كلما قضت أمريكا، صاحبة الراية الكبرى في هذه الحروب، على أحد الإرهابيين قامت بالتصريح و التفاخر بأنها على وشك الإنتهاء من الإرهاب برمته، غير منتبهةً بأنها خلقت بالواقع بطلاً شهيداً تحتذي بأعماله الجهة المقابلة. و للأسف لم تتعلم أمريكا الدروس، لا في أفغانستان و لا في العراق و لا ليبيا و تكاد تكرر الخطأ ذاته في سوريا! إن الحرب على الإرهاب لا يكون بالقوة، فكما شهدنا بإنفجار ماراثون بوسطن، التخريب لا يحتاج لأجهزة معقدة و جنود مدربين، بل يكفي شخصين عاديين و أدوات بدائية (أو كما يسميه الغرب عملية الذئب الذي يعمل بمفرده) لإلحاق الضرر بمئات الأفراد و تكلفة الدولة ملايين الدولارات!

و على الرغم من عدم قصور المشكلة على العقيدة الدينية، ألا أن زيادة الجرعة الدينية تتسبب في تغذيتها و ليس بحلها. و لا يبدو أن حكام الدول العربوإسلامية مهتمين بشن الحرب على الإرهاب بالصورة الصحيحة، طالما هو جزئياً تحت سيطرتهم بالداخل بسبب تعاقدهم مع رجال الدين و لا يضرهم إنتشاره بخارج حدودهم (على الأقل ليس بالوقت الآني). و لذا فهؤلاء يرضخون للكهنة و الدول الغربية و التي تحرص على الدبلوماسية مع هؤلاء الحكام بسبب مصالح إقتصادية تغض النظر عن ما يحصل من برمجة دينية تؤهل العقول للإرهاب في هذه البلدان على إعتبار أنه شأن داخلي!

فمتى تنتبه الدول الغربية بأنه لم تعد المسألة شأناً داخلياً عندما تفيض تبعاتها عليها بالخارج؟ متى ستضغط على هؤلاء الحكام لكسر هذا التعاقد الأزلي مع رجال الدين و لتغيير سياساتهم تجاه الإنفتاح و حرية الرأي و العقيدة، و هي التي تدرك جيداً أن الإنتقاد هو أساس تقدم أي مجتمع؟ متى ستتوقف عن سياسة المعاملة بالدونية، بحجة أن لكل مجتمع ثقافاته الخاصة به (و كأن البربرية ثقافه مقبولة طالما هي شأن داخلي لهذه الدول العربوإسلامية)؟

و متى يتوقف حكام الدول العربوإسلامية من خداع شعوبهم و إستخدامهم كأكوام القمامة يتسلقون عليها بسلم الدين؟ متى سنشهد العدالة الإجتماعية في مساواة الأراء على مستوى مدارس و إعلام الدولة دون التطرف لرأي و سجن الآخر و جلده؟

و الأهم من ذلك كله: متى سنتوقف كشعوب عن الدفاع عن الأيديولوجية الدينية و تبرئتها من كل ما يحصل بالواقع و إتهام الشباب بأنه “ينقصهم الوعي الديني للإسلام الصحيح” و هم بالواقع غرقى بتعاليم و أساسيات الدين، الخيّر منها و الخبيث؟ متى سنكون مؤهلين و جريئين في الإعتراف بالخطأ، على الأقل فيما يخصنا منه، دون اللجوء لنظريات المؤامرة و إتهام الآخرين بالنيل منا و من ديننا و كأننا شعب الله المختار؟ متى ستُفتح صدورنا للنقد لنستخلص منه الوسيلة لتشخيص المرض بصورة واقعية، حتى لو كان هذا الواقع مراً كالحنظل، لإيجاد الحل لهذا المرض العقائدي قبل أن يحقق المرتزقة ما تنبؤا به من حرب الإبادة قبل قيام الساعة؟

للأسف لا يبدو ذلك قريباً!

غطيني يا صفية!

Advertisements