عشرة مغالطات مرادفة للإلحاد

1-الإلحاد دين و دوغما .

أصل كلمة الإلحاد باللغة اللاتينية هوAthos  و هذه الكلمة عبارة عن دمج كلمتين هما “عدم” و ” إيمان”. و تعليقا على من يقول أن الإلحاد دين, يقول الكوميدي و الساحر الأمريكي الملحد بن جيليت, Penn Jillette  “مقولة أن الإلحاد دين هي كمقولة أن عدم جمع الطوابع هواية” أي ان هذه الجملة لا معنى لها إن رجعنا إلى أصلها اللغوي. و لكي نحكم على مدي صحة هذه المقولة يستلزم منا تعريف الدين و تعريف الإلحاد أولا و من ثم مقارنتهما ببعض.

هنالك ثلاثة تعاريف للدين في قاموس مريم وبستر.إثنان منهما رسمي و الثالث غير رسمي, او مختلف عليه.

أ-الدين هو الاعتقاد بوجود الاه أو اكثر.

ب-الدين هو منظومة تعمل على تنظيم العبادات و المناسبات الدينية و القوانين و التشريعات الخاصة بالإيمان في إلاه أو أكثر.

ج-الدين هو الرغبة و الإعتقاد و العمل بمنظومة تكون في غاية الأهمية لشخص أو لمجموعة أشخاص- و هذا هو التعريف غير الرسمي.

أما تعريف الإلحاد و من نفس المصدر السابق فهو:

أ-عدم الإيمان بوجود خالق.

ب- مبدأ قائم على عدم وجود خالق.

من الواضح في (أ) بكلا التعريفين أعلاه أنهما يناقضان بعضهما تماما.

و إذا نظرنا للتعريف (ب) للدين فكما هو واضح أن للدين منظومة خاصة تعمل حسب قوانين ملزمة لجميع معتنقيه بصورة توتاليتيرية شامله,  تندثر تحتها الصفات الفردية في مصلحة  بقاء المنظومة. و هذا أيضا أمر يناقض الفكر الإلحادي الذي يعتمد بصورة أساسية على القناعات الفردية بعد إنفصال الفرد من المنظومة التي ترعرع فيها و التأمل و البحث لايجاد إجابات  للأسئلة الكبيرة “من مثل هل يحتاج الكون لخالق”  في خارج الصندوق و بعيدا عن النقل المتوارث.  فالملحد يعتمد على بحث ذاتي, ليس في كتب كبار الملحدين و الفلاسفة و لا في كتب العلماء في شتى مجالات العلوم الطبيعية فقط, بل يعيد قراءة  الكتب الدينية التي أسلم بصحتها سابقا و لكن بمنظار مختلف عما تعود عليه, و بعين ناقدة ترضخ كل ما يقرأ للإسلوب العلمي الصحيح بعدم التسليم لأي شيئ بدون أدلة دامغة. و كلما كبر حجم الإدعاء كثرت الحاجة لديه لأدلة أكثر و أقوى. أو كما قال كارل سيجان Carl Sagan , “الإدعاءات الإستثنائية تتطلب أدلة إستثنائية”.

أما بالنسبة للتعريف (ج) للدين, فشخصيا أميل للمفكرين الذين لا يعتبرونه تعريفا حقيقيا للدين. فكما يقول رسل بلاكفورد  Russell Blackford في كتابه “خمسون إسطورة عظيمة عن الإلحاد” 50 Great Myths About Atheism بما معناه أنه إن كان هذا التعريف – ج- صحيحا عن الدين ففرق كرة القدم أو السلة أيضا منظومات دينية.

 أما بالنسبة للدوغما أو العقيدة فتعريفه حسب نفس المصدر هو كالتالي:

أ-هو الإعتقاد أو مجموعة إعتقادات مقبولة من قبل أعضاء في جماعة بدون مساءلة و لا شك.

ب-الإعتقاد أو مجموعة إعتقادات تدرس من قبل المنظومات الدينية.

و بمقارنة تعريف الدوغما في (أ) بتعريف الإلحاد نرى أن الأخير و بسبب طبيعة فكره التفردي لا يتقيد بجماعة, بل هو متهرب أساسا من الدوغما بسبب هذا الفكر التسلطي  للجماعة على الفكر الفردي. فالملحد فخور جدا بتفرده الفكري و يحترم الإختلافات الفكرية طالما هي مبنية على المنطق و العلم و ليس على الجهل و النقل أو إساءة إستخدام الدين. لكنه يكره أن يكون كوبي/بيست لغيره حتى لو كان هذا الغير ملحد أخر. فما يجمع ملحد بأخر ليس إلا شيئ واحد و هو عدم الإعتقاد بوجود خالق للكون و تبعية هذا الإعتقاد على حياته الإجتماعية. و قد يختلف الأثنان في كثير من الأمور و قد يتفقان في غيرها. و لذا فالملحد لا ينتمي إلى منظومة تملي عليه قوانينها.

و هذا يدخلنا بقضية الإنتماء لجماعة ما. فالإنتماء حاجة بشرية, يحتاجها الملحد كما يحتاجها المتدين. و الدين يصور أقوى أمثلة للإنتماء. بل أن كثير من الملحدين قد لا يجاهرون بفكرهم بسبب إنتماءاتهم السابقة لدين أو مذهب معين أو قبيلة أو عائلة أو حتى بلد. و في الدول الغربية, حيث تزداد مساحة الحرية في إعتناق الدين أو تغييره أو الإلحاد, تجد الملحدين يشكلون تجمعات خاصة بهم يقومون فيها بعمل شبه تنظيم يناقشون بها الأمور التي تخصهم كملحدين بحرية و يتبادلون الأفكار دون خوف من تبعية إبداء هذه الأفكار على حياتهم الشخصية أو الإجتماعية أو المهنية, خاصة بالدول التي يزيد بها عدد المؤمنين نسبة لغيرهم كأمريكا. وهم  بذلك يشبعون الحاجات الإنتمائية لديهم دون أن يضطروا إلى منافقة مجتمعاتهم و بيئاتهم بسبب هذه الحاجة. و كذلك نجد تجمع الملحدين في المواقع الإجتماعية الإليكترونية لبقية الدول التي ليس بها تلك الحرية و غالبا تكون تحت أسماء مزيفة. لكن مع ذلك لا يوجد بين هذه الجماعات من يلزم جميع أفراده بإتباع فكر معين أو يقوم بتلقينه ثوابت معينة كما هي بالإجتماعات الدينية. و ليس صعبا على من يزور هذه المواقع أو من يحضر هذه الإجتماعات ملاحظة أن الملحدين يختلفون كثيرا. و هم لا يقبلون قوانين تملى عليهم من قبل الجماعة, و لا توجد أصلا قوانين يفترض عليهم مراعاتها. و لذلك فهم ينعتون أنفسهم بالنيرين Brights . و النير لا يكون إلا بالإقتناع المنفرد و المعتمد على البحث الذاتي.

 

2-الملحدين مشككين Skeptics بالضرورة:

هنالك لبس بين الملحد و المشكك. فالإلحاد درجات, قسمها عالم البيولوجيا, ريتشارد داوكنز Richard Dawkins في كتابه” الله الوهم” The God Delusion على سلم مقسم إلى  سبع أقسام, يكون فيه الملحد بأقصى طرف من هذا السلم بينما يكون المؤمن بالطرف الأخر الذي يقابله, ثم بين هذين المتضادين تتدرج قوة أو ضعف إيمان أو كفر الفرد, و هؤلاء هم المشككين بدرجاتهم . فالتشكك هو درجة من الإلحاد إذا كان واقعا في النصف المتجه للطرف الإلحادي. لكن المفاجأة التي صادفتني شخصياً بأنه ليس كل ملحد مشكك, فبينما المشكك يرفض كل أمر ميتافيزيقي و ما ورائي ما لم يتم إثباته بالأدلة و البراهين الرادعة, نجد بعض الملحدين يشككون فقط بوجود خالق أو ينفونه. لكنهم مع ذلك قد يعتقدون بوجود الروح أو يؤمنون بالأبراج أو الأشباح أو القوى الكونية و غيرها من الإعتقادات الشرقية القديمة. و في الواقع لا أحد يستطيع فهم منطق هؤلاء لأن أحد أهم المقاييس الذي يتم على أساسها رفض وجود خالق هو عدم وجود الأدلة عليه. فلماذا لا يطبق هذا المقياس على كل شيئ أخر؟ وهذا بالضبط ما يفعله المشكك. و عليه قد يكون المشكك ملحدا و لكن ليس بالضرورة أن يكون الملحد مشككا.

3-الملحدون هم مجموعة من الناس ممن يشتكون من أزمات نفسية كانت السبب وراء الحادهم:

هذه المغالطة تبدو لي كالأشاعة التي كبرت مع الوقت لدرجة أنها صارت أمر بديهي حتى على من أطلقها. و ليس بالغريب أن يكون مرددوها لا يملكون التخصص المطلوب  بعلم النفس بل أغلبهم رجال الدين و علماء الكلام. و هي إن دلت على شيئ فهي تدل على ضحالة تفكيرهم و سطحية متابعيهم و مرددي ما يقولون. فكل البشر يمرون بأزمات نفسية و لا يمنع أن تكون هذه الأزمات سببا ليقوم الشخص بإعادة التفكير بحياته و لكنها ليست دائما تؤدي إلى إلحاده كردة فعل أو ثورة ضد بيئته. بل العكس قد يكون أكثر صحة حيث أن من يمر بأزمة نفسية, مثل موت حبيب أو قريب, يكون أكثر عرضة للتسليم بالإعتقادات الدينية و التأكيدات المرادفة لها.فإعطاء الأمل بأن الإنسان سيلتقي بمن يحب في حياة أخرى مثلا, فكرة مطمئنة للنفس الثكلى, لدرجة أنها تكون مقبولة حتى لو كانت كاذبة, لأن الشخص و هو في تلك الحالة النفسية  يريد أن يصدق ذلك و لا تقبل نفسه سواه. و هذا واضح بمراسيم العزاء حيث يتحول بعدها الشخص من إنسان مهمل لواجباته الدينية إلى شخص أكثرمواضبة و إلتزاما بها.

4-الالحاد يدعوا للفسوق و عدم الاخلاق و الرغبة في كسر القوانين:

كتب لي أحد قراء مدونتي مرة يقول أن الإنسان بحاجة لمن يعلمه الخير من الشر. و لذلك فهو بحاجة لما سماه بالمانيويل Manual  أو دليل الأستخدام. فبدون هذا المانيويل, كما يقول القارئ, لا يمكن لأي كان أن يعرف ما هو صحيح و ما هو خطأ. و تقول صديقتي في تعليقها على كلام القارئ بأن بعض الناس هم بالفعل في حاجة لهذا المانيويل و بدونه سيصبح المجتمع مليئ بالمجرمين. فرددت عليها مقولة نسبت لبوذا مفادها أن الناس نوعين: نوع خيّر لا يحتاج لقوانين تسيره, و نوع شريّ لا يحتاج لقوانين تردعه أيضاً لأنه سييبتكر طرقا للتحايل عليها. أي في الحالتين القانون غير فعال لأن كل شخص سيقوم بالعمل بما يمليه عليه هواه حتى لو فرضت عليه قوانين تفصل بين الخير و الشر. فهل بالفعل يحتاج الأنسان لمانيويل مكتوب و قوانين رادعة لكي يعرف الخير من الشر؟

يصور الفلم الوثائقي  “مسيرة البطاريق”*  و الذي قامت بإنشاؤه ناشيونال جيوغرافيك قصة البطاريق المهاجرة في فصل التكاثر لمناطق أكثر برودة حيث تشكل الثلوج ارضية صلبة للرقود على البىض. و هناك يتناوب كل من الذكر و الأنثى بالرقود على البيض و تدفئته لحين أن يفقس. و يصور الفيلم مشهد إحدى الأمات اللواتي يموت وليدها بعد أن يفقس البيض فتفقد عقلها من الحزن عليه و تطارد إحدي الأمهات الأخريات لسرقة جنينها منها. الطريف أن بقية الأمهات يحاربن هذه الأم الثكلى و يبعدونها عن الأخرى و وليدها. السؤال هنا: هل إحتاجت البطاريق إلى “مانيويل” كي تفقه أن السرقة عمل غير أخلاقي؟ و إن أسلمنا بأن الأنسان يفوق الطير في تطور الوعي و الحس الإجتماعي لديه, فهل من المنطق القول بأن الأنسان يحتاج لمانويل يبين له طريق الصواب من طريق الخطأ بينما لا يحتاج الطيرلمثل هذا المانيويل لأنه يعرف ذلك بالفطرة؟

فإذاً المسألة ليست مسألة معرفة الخير من الشر. لأن الإنسان حيوان إجتماعي يتعلم من خبراته الإجتماعية. فتتشكل لكل فرد بوصلته الإجتماعية التي يقدر بها الأمور و يوزنها . لكن  الإجرام عمل إختياري يتعلق بمدى رغبة الشخص بالتقيّد بما يمليه عليه الضمير و الحس و الوعي الإنساني. فالقوانين مهمة بالمجتمعات لكي تحدد الخطوط العامة بين حقوق الأفراد و خصوصا عندما تتقاطع, و تنظمها في حال تعدي طرف على حقوق الطرف الأخر. لكن التقيد بها عمل إختياري و فردي يرجع تقديرة و تحمل مسئوليته إلى الفرد نفسه .

 و لم تكن الديانات أبدا مصدرا للأخلاق,فهي إستغلت المنظومة الأخلاقية الإنسانية  بتطوراتها منذ الأزل و نسبتها لها, بل حتى أساءت إستغلالها لأنها خلطتها باللا أخلاق واللا إنسانية. فكيف مثلا نفسر إبتهاج و فرح و تهليل و زغردة أم المجاهد الإنتحاري عندما تسمع أن إبنها الشاب قد فجر نفسه و قتل الأبرياء معه؟ أين هي الأخلاق في تفجير نساء معاقات في وسط الأسواق المزدحمة ببغداد بالرموت كنترول؟ ** و بالمقابل تجد السويد, و التي  تعتبر من الدول التي يكثر بها عدد الملحدين , قد نزل بها معدل الإجرام بالسنتين الأخيرتين*** لدرجة قد تجبر الحكومة إلى الإستغناء عن أربعة سجون. فلو كانت هذه المقولة حقيقة لكانت الأحداث الواقعية تدعمها. لكن ما يحدث على أرض الواقع يقول بأن العكس صحيح.

إذا نستخلص مما مضى أن الأخلاق ليست لها صلة بالدين. أو كما ذكر الفيزيائي ستيفن واينبرغ Steven Weinberg, صاحب جائزة نوبل بالفيزياء الكهربية أن ” الدين إهانة للكرامة الإنسانية. فبدون الدين أو معه سيقوم الخيريّن بعمل الخير و الأشرار بعمل الشر. لكن حتى يقوم الشخص الخيّر بالقيام بالأعمال الشريرة فذلك يتطلب دين.”.

5-الالحاد يعني عبادة الطبيعة:

أقرب فلسفة لعبادة الطبيعة تتمثل بالبانثيزم  Pantheism أو “مذهب وحدة الوجود” و تعريف هذا المذهب من نفس القاموس هو :

أ-مبدأ (فلسفي) يساوي الله مع قوى و قوانين الكون.

ب-عبادة الألهة المختلفة بجميع العقائد و الطوائف و الاشخاص دون المفاضلة بينها: و كذلك تحمل العبادات الخاصة بجميع الألهة (كما كان واضحا في وقت معين من تاريخ الإمبراطورية الرومانية).

و هذا المذهب يبدو جليا بالديانات الشرقية مثل البوذية و الهندوسية قديما. كما فصل مبادؤه الفيلسوف إسبينوزا Barach Spinoza في العهد الجديد نسبيا. و من أشهر معتنقي هذا المذهب هو العالم أينيشتاين Albert Einstein. فعبادة الطبيعة ليست بالأمر الجديد في التاريخ البشري لكنه ليس إلحادا. فالإلحاد هو عدم الإعتقاد بوجود أي إلاه حتى لو كان هذا الإلاه إلاه إسبينوزا. 

6-الملحد لا يعتقد بوجود سبب للحياة أو قيمة لها و لذا فأكثر المنتحرين ملاحدة.

يقول الفيلسوف الراحل جوزيف كيمبل Joseph Campbell, و هو أحد ملحدي العصر الحديث, ”الحياة لا قيمة لها. فأنت من يعمل لها قيمة. و قيمة الحياة تتحدد حسب تقييمك أنت لها. فكونك لازلت حيا هو بحد ذاته يعطي لحياتك معنى.” و عندما أفكر ببلايين الحيوانات المنوية التي تتنافس في ماراثون ميكروكوزمي ليصل واحد منها فقط للبويضة و يلقحها لخلق الحياة, فهذا بحد ذاته سبب قوي للإعتقاد بـأن الحياة قيمتها أكثر مما نعطيها من حق. بل العكس صحيح. فكثير ما نسمع من المؤمن عبارات مثل ” الحياة ليس لها قيمة نسبة للأخرة. ” و ما أن يصل الشخص لسن معين حتى ترى مجتمعه يعيبه إن رفه عن نفسه قائلا ” يالله حسن الخاتمة” و هكذا من الجمل التي تعيب قيام الشخص بالترفيه عن نفسه بالدنيا خوفا من العذاب الأبدي بالأخرة. أما الإنتحار فسببه نفسي المنشأ و بهذا لا يختلف الملحد و المتدين.

7-يعتقد الملحد أن كل شيئ بالكون خلق بالصدفة:

هنالك سوء فهم كبير لمعنى كلمة الصدفة. و المعنى العلمي للصدفة هو الإحتمالات الرياضية The Probability Theory. فلا يمكن مثلا أن تخرج من بيتك و “تصادف” تلفونك النقال طائرا بالهواء, خارقا قوانين الجاذبية. لكن ممكن جدا أن يحدث ذلك لو كنت بسفينة فضاء و بعيد عن مجال جاذبية الأرض. فالإحتمال الأول غير وارد بينما الإحتمال الثاني طبيعي. فقول أن الملحد يعتقد بأن الكون خُلق بالصدفة ليس دقيقا, حيث أن الكون في بداياته ليس هو كما اليوم, بل كان بالحالة الكمية أو المايكروكوزمية. و قوانين الكم للجاذبية Quantum Mechanics  لا تطبق على مجال أو مستوى حياتنا المعيشية على سطح الأرض و كل ما يتعلق بها بل يرضخ للقوانين النيوتونية للجاذبيةNewton’s Law of Universal  Gravity. و هذان المجالان بدورهما  لا يطبق عليهما قوانين الفيزياء التي يخضع له الكون بما فيه من نجوم و كواكب و أقمار و مجرات و ثقوب سوداء و مواد  مظلمة و كثافات مظلمة و إشعاعات و  غيرها من مكونات تخضع لقوانين المادة في المجال الماكروكوزمي أو الكوني بل تطبق عليها القوانين الاينشتانية للجاذبية Einstein’s General Relativity. فقول أن السيارة تخلق من العدم ب”الصدفة” ليس فقط غير منطقي بل أيضا تافه و يدل على سطحية قائله. فذلك مثله مثل القول بأنه ممكن أن يرحل شخص بالزمن للماضي أو المستقبل حسب نظرية التيليبورتيشن Teleportation أو الإنتقال عبر الزمن. فالسيارة موجودة بالوضع و المستوى الطبيعي للبشر و لا يطبق عليها قوانين الكم. والإنسان يعيش بالمجال الوسطي و ليس كالنجم بالمجال الكوني حيث يملك ضوئه قابلية إختراق الزمن- سواء للماضي أو للمستقبل. لكن قول أن الجزئ الكمي يظهر و يختفي بالعدم بصورة مستمرة راضخا لقوانين الإحتمالات الرياضية, علميا صحيح و توجد ادلة تدعمة. و الكون في بداياته كان هذا الجزئ الكمي و ليس الكون الشاسع الذي نعرفه اليوم و الذي هو بالواقع تراكمات خضعت – و لازالت تخضع- للإحتمالات الرياضية أيضا بجميع مراحل تطورة و تطور من و ما فيه بالإختيار الطبيعي.

8-الإلحاد ليس له صلة بالعلم.

بل العكس هو صحيح. فالشخص ممكن أن يترك الدين بسبب تناقضات النصوص الدينية أو بسبب هرطقات رجال الدين, وهو لا يحتاج أن يكون عالم دين و يعرف كل صغيرة و كبيرة في دينه كي يقتنع بأنه مبني على أساطير, كما انه لا يحتاج أن يكون خبيرا بالفيداVeda  لكي يقتنع أن تقديس البقرة أمر مضحك. لكن عدم الإعتقاد بوجود خالق هو موضوع مختلف تماما و يحتاج لأكثر من ذلك. يقول  سام هاريس Sam Harris بموضوع “عشرة اساطير و عشرة حقائق بخصوص الإلحاد”**** 10Myths and 10 Truths About Atheismمستعيناً بالإحصاءات الأمريكية كمثال, “معظم الإحصاءات تبين أن 90% من الشعب الأمريكي يعتقد بوجود إلاه: و لكن 93% من الأعضاء في الاكاديمية الوطنية للعلوم لا يعتقدون بوجود إلاه.” و هذه نسبة كبيرة من العلماء بما لا يمكن التغاضي عنها في الدلالة على أن هنالك معادلة طردية بين العلم و الإلحاد. فعندما يقول أكبرعلماء الفيزياء, مثل ستيفن هوكنغ Stephen Hawking مثلا و يسانده لورانس كراوس Lawrence Krauss و غيرهم من كبارعلماء الفيزياء النظرية اليوم بأن الكون ممكن أن يوجد من العدم, و يقوم جيش من العلماء التطبيقيين بتمثيل ذلك فيزيائيا و رياضيا بالحالة الكمية (و التي هي حالة الكون في بداياته) فهذا يعني أن الكون لا يحتاج لفاعل كي يخلق. و كذلك عندما يقول علماء البيولوجيا بأن كل الكائنات تطورت من الحساء الجرابي الأوّلي, فهذا يعني أن قصة أدم و حواء لا تختلف عن قصة ليلى و الذئب. و عندما يقول علماء النيوروساينس بعدم وجود شيئ إسمه روح  و أن ما يسمى بالروح مجازا ما هو إلا الوعي  و الوعي هو وظيفة الدماغ, و بموت الدماغ يموت الإنسان. فهذا يدعو لإعادة النظر بالمعتقدات القديمة. هذا بالأضافة لأستحالة حدوث حالات مثل إعادة الطير للحياة في قصة إبراهيم و نوم أهل الكهف ثلاثمئة سنة دون أن تتخلل عظامهم و مكوث يونس في بطن حوت دون أن يهضم و يصبح غذاء لسمك الزبال. كل هذه الأمور تهدم المنظومة الفكرية التي تربى عليها الشخص- على إفتراض أن معظم الناس ولدوا على ديانات أبائهم- و تفرض عليه إعادة النظر بمفاهيمه و قد تؤدي به إلى الربوبية أو البانثيزم إن لم يكن للإلحاد.

بل العكس هو صحيح. فالشخص ممكن أن يترك الدين بسبب تناقضات النصوص الدينية, أو بسبب هرطقات رجال الدين, فالشخص لا يحتاج أن يكون عالم دين و يعرف كل صغيرة و كبيرة في دينه كي يقتنع بأنه مبني على أساطير. كما انه لا يحتاج أن يكون خبيرا بالفيدا Veda لكي يقتنع أن تقديس البقرة أمر مضحك, لكن عدم الإعتقاد بوجود خالق هو موضوع مختلف تماما و يحتاج لأكثر من ذلك. يقول عالم النيوروساينس – See more at: http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=392703#sthash.yeVnxheU.dpuf Sam Harris بموضوع “عشرة اساطير بخصوص الإلحاد”****   10Myths and 10 Truths about Atheism مستعيناً بالإحصاءات الأمريكية كمثال, “معظم الإحصاءات تبين أن 90% من الشعب الأمريكي يعتقد بوجود إلاه: و لكن 93% من الأعضاء في الاكاديمية الوطنية للعلوم لا يعتقدون بوجود إلاه.” و هذه نسبة كبيرة من العلماء بما لا يمكن التغاضي عنها في الدلالة على أن هنالك معادلة طردية بين العلم و الإلحاد. فعندما يقول أكبرعلماء الفيزياء, مثل ستيفن هوكنغ Stephen Hawking مثلا و يسانده لورانس كراوس Lawrence Krauss و غيرهم من كبار علماء الفيزياء النظرية اليوم بأن الكون ممكن أن يوجد من العدم, و يقوم جيش من العلماء التطبيقيين بتمثيل ذلك فيزيائيا و رياضيا بالحالة الكمية (و التي هي حالة الكون في بداياته) فهذا يعني أن الكون لا يحتاج لفاعل كي يخلق. و كذلك عندما يقول علماء البيولوجيا بأن كل الكائنات تطورت من الحساء الجرابي الأوّلي, هذا يعني أن قصة أدم و حواء لا تختلف عن قصة ليلى و الذئب. و عندما يقول علماء النيوروساينس بعدم وجود شيئ إسمه روح  و أن ما يسمى بالروح مجازا ما هو إلا الوعي  و الوعي هو وظيفة الدماغ, و بموت الدماغ يموت الإنسان. فهذا يدعونا لإعادة النظر بالمعتقدات القديمة. هذا بالأضافة لأستحالة حدوث حالات مثل إعادة الطير للحياة في قصة إبراهيم و نوم أهل الكهف ثلاثمئة سنة دون أن تتخلل عظامهم و مكوث يونس في بطن حوت دون أن يهظم و يصبح غذاء لسمك الزبال. كل هذه الأمور تهدم المنظومة الفكرية التي تربى عليها الشخص- على إفتراض أن معظم الناس ولدوا على ديانات أبائهم- و تفرض عليه إعادة النظر بمفاهيمه و قد تؤدي به إلى الربوبية أو البانثيزم إن لم يكن للإلحاد.  

9-الملحدين ماديين و ليسوا روحانيين.

نحن خلقتنا و بيئتنا مبنية على المواد و لا إستغناء لأي كان عن هذه المواد. و من يقول أن الملحد مادي فعليه أن يسأل نفسه, مقارنة بمن؟ بالمؤمن؟ فهل المؤمن يذهب لعمله راكبا الجمل أم يسافر على براق؟ المادة اليوم هي اساس الحياة و لا يوجد إنسان غير مادي. فهل هناك من يستغني عن التكييف و الكمبيوتر و الغسالة و النقال و و و. بل حتى البيت أو الخيمة. كل هذه الأشياء ما هي إلا مواد. يقول الفلكي الملحد الراحل كار ساجان Carl Sagan في برنامجه التلفزيوني الشهير كوزموس Cosmos, ” الروح كلمة أصلها لاتيني و تعني التنفس. و ما نتنفسه هو هواء و الذي هو بالتأكيد مادة مهما بلغت درجة دقته. و على الرغم من الإستخدام (الشائع) و المتناقض لمعنى الكلمة, فلا يوجد بالضرورة أي معنى ضمني لكلمة الروحانية خارج نطاق  كونه صفة للمادة, سواء كانت هذه المادة هواء أو دماغ (الذي يدير عملية التنفس) و الذي هو أيضا مصنوع من مادة. إذا فالروحانية ليست خارج نطاق العلم (أي لا علاقة لها بالميتافيزيقيا). فالعلم ليس فقط موائم للروحانية, بل هو أساسا منبع الروحانية. وعندما ندرك مكاننا (المتواضع) نسبة لضخامة السنوات الضوئية و مرور الأزمان و ندرك مدى دقة و تعقيد الحياة, نشعر بنشوة الاحساس المصاحب للتحليق والسمو و الخشوع في آن واحد, فهذا الشعور بالتأكيد روحاني. و هو يصف عواطفنا أمام فن راقي أو موسيقى أو أدب. أو عندما نواجه أعمال يضرب بها المثل بالشجاعة…ومفهوم أن العلم و الروحانية يستثني أحدهم الأخر بصورة تبادلية يضر (مفهوم) الأثنين.” أما حب جمع المال فلا يعرف ملحدا أو مؤمنا فكل من استطاع إلى ذلك سبيلا فإنه سيقوم بجمعه. بل أكثر الجمعيات “الخيرية” التي كُشفت بها التلاعبات المالية هي مبرات الخير الإسلامية. و نظرة واحدة لقصر البابا-الفاتيكان- و ملابسه و ملابس حاشيته كفيلة بدحض هذه المغالطة.

في أحدى مقابلاتها التلفزيونية قالت أوبرا ونفري Oprah Winfrey لضيفتها, السباحة الملحدة دايانا نايد  Diana Nyadو التي كانت قد إجتازت المسافة من كوبا إلى فلوردا سباحة “إنت لست ملحدة إن كنت قد شعرت بالرهبة و الإجلال أمام البحر الشاسع.” فردت عليها الأخيرة بأن “العالم لا يحتاج لأن يكون وراء خلفه شخص خيالي كي نشعر بالإجلال و الرهبة تجاهه.”  و ما فعلته أوبرا كان له صدى كبير بين الأوساط الفكرية المختلفة. فهناك من ساندها فيما ذهبت إليه على أن الإحساس بالإجلال و الإكبار هو شأن متعلق بالروح و الدين. و إن كان الملحد لا يعترف بوجود روح-أو هكذا هم الأغلبية من الملاحدة- فكيف له أن يشعر بالإجلال و الرهبة و السمو بالنفس إلى مرتبة الروحانية؟ و هناك الفريق الأخر من الكتاب الملاحدة  ممن إستشاط غضبا لجملة أوبرا و طلب منها الإعتذار الرسمي لما بدر منها*****.  و يرى هؤلاء أن الدين إستغل طبيعة إنسانية متمثلة بتجربة الإحساس بالسمو النفسي عند مشاهدة ما يدعو للدهشة و الجمال في الطبيعة و نسبه لنفسه. و كون هذا المسمى “الروحانية” متعلق بكلمة “الروح” لا يعني بالضرورة أنها تنسب إلى شيئ خارق أو خارج نطاق الطبيعة و العلم.

وبالنهاية لا يصح أن نترك هذا الجزء و الخاص بالروحانيات دون أن نذكر مقولة لسام هاريس Sam Harris- و هو الأكثر روحانية من بين الفرسان الأربعة  للملحدين بالتاريخ الحديث: سام هاريس, كريستوفر هيتجينز Christopher Hitchens, ريتشارد داوكنز Richard Dawkins, دانييل دانيت Daniel Dennet- بهذا المجال من كتابه “نهاية الإيمان” End of Faith حيث يقول, ” التأمل (بالكون) مشروع عقلاني. و المتأمل يدرك أن طبيعة الأشياء تكون بالوعي بها و الذي  يأتي قبل التفكر بها. فيعرض هذا الإدراك أو الوعي للمناقشة الفكرية العقلانية. و كل متأمل له أسباب خاصة لإعتقاداته الشخصية و التي ترجع لتجاربه الذاتية. فالغامض من الأمور بهذا العالم ممكن تحليله و إيجاد مفاهيم خاصة به (و هذا يسمى علم), أو ممكن أن يجربه الشخص دون قدرة على وضع مفاهيم خاصة له (و هذا يسمى تصوف). أما الدين (و بالتالي زجه بهذا الموضوع) فهو ليس أكثر من مجموعة مفاهيم سيئة إحتلت مكان مفاهيم جيدة لكل زمان. إنه إنكار – بسبب الأمل (الكاذب) و الخوف بنفس الوقت- لمدى إتساع التخلف البشري (في فهم ماهيته).

10- مشكلة الملحدين أنهم لا يفهمون الدين أو فهمهم للدين سطحي كونهم ينتقون ما يناسب أهوائهم. و لذلك فهم إنحرفوا عن الطريق الصحيح :

للأسف لا توجد إحصاءات في الدول الإسلامية لبيان صحة أو خطأ هذا الإدعاء  و هذا شيئ متوقع من شعوب تعودت على رمي من يخالفها بالإتهامات دون أدلة ترتكز عليها. فيكفي أن يقول خطيب بالمسجد هذه الجملة حتى ترى البقية يرددونه و كأنه أصبح قرأنا. لكن هذا لا يمنع من اللجوء لإحصاءات الدول التي تقوم بهذه الإحصاءات لإختبار مدى صحة هذا الكلام بصورة عامة. ففي سبتمبر 28 سنة 2010 قامت بيو للأبحاث الأمريكية Pew Research Center بعمل مسح ميداني لعينة متساوية من مسيحيين بروتستانت من الجنس الأبيض و من الجنس الأسود و مسيحين كاثوليك من الجنس الأبيض و من اللاتينيين و من المورمن و اليهود و الملحدين و المشككين من خلال عمل الإختبارات الدينية. فتبين أن الملحدين و المشككين إحتلوا المركز الأول و يليهم اليهود و أخر من إحتل القائمة****** كان الكاثوليك اللاتينيون. و بالمناسبة هؤلاء هم أكثر الناس تدينا و كنائسهم بالعادة عامرة بالحضور.

و رجوعا للمسلمين الذين يدعون أن الملحدين لا يعرفون الدين الصحيح: الملاحظ بالموضوع أن كل مجموعة أو حزب أو مذهب- و ما أكثرهم- بالواقع لا  يعترفون بصحة المجموعة الأخرى أصلا و بعضهم يكفر البعض الأخر. أما ما يدعونه بأن الملحدين ينتقون ما يناسب أهوائهم فهل هم يفعلون غير ذلك؟ هل يوجد بينهم من يتجرأ بإخضاع نصوص الكتب المقدسة للتحليل و النقد بالإسلوب العلمي الصحيح كي يبين للجمهور صحة إدعاءاته؟ إن المشاهد لأي مناظرة بين متدين و ملحد لا يفوته ملاحظة كبر الفجوة الثقافية بين الإثنين و خصوصا عندما يتطرق الموضوع للعلوم الطبيعية و المنطق, فسرعان ما ترى المؤمن يحيد عن مسار النقاش, صابا على ناره الحامية زيت الآيات القرأنية و الخزعبلات الماورائية و التي لا يفهمها لا هو و لا جمهوره الذي يحرك رأسه بالموافقة, فيضع حدا للنقاش.    

 

*

http://www.youtube.com/watch?v=OPU7UIP41Nc

**

http://www.cnn.com/2008/WORLD/meast/02/01/iraq.main/

***

http://www.theguardian.com/world/2013/nov/11/sweden-closes-prisons-number-inmates-plummets

****

http://www.samharris.org/site/full_text/10-myths-and-10-truths-about-atheism1

*****

http://www.theblaze.com/stories/2013/10/17/atheists-want-an-apology-from-oprah-over-her-on-air-revelation-about-non-believers/

******

http://www.pewforum.org/2010/09/28/u-s-religious-knowledge-survey/

Advertisements

4 Comments (+add yours?)

  1. عبدالرحمن العلي
    Feb 18, 2014 @ 12:33:23

    اهلين آيا .. ممكن أعرف موقفج من اللي يصير بسوريا من جرائم بشار و حزب الشيطان ؟

    Reply

  2. AyyA
    Feb 18, 2014 @ 17:26:27

    موقفي من اللي يصير بسوريا من جرائم بشار و حزب الشيطان هو نفس موقفي مما يحدث فيها من جرائم القاعدة و داعش (أعلم مسبقا أنك لن توافقني على ذلك لأنك عنصري بغيض ) : و هو رفض و إدانة. لكني ضد تدخل الدول الأجنبية أو غيرها كإيران و لبنان بالقوة لفض النزاع لأني أراها حرب أهلية خاصة بسوريا

    Reply

  3. Abdalla Alothman
    Jul 25, 2014 @ 11:26:40

    الإشكالية التي واجهتها في هذه الـــ: “خاطرة” — إن صح التعبير– تكمن في تعريف الدين استنادا إلى مفهومه في اللغة الإنجليزية. فالملاحظ من سياق الخاطرة أو المقال، أن بناء الرد يبدأ على أساس تعريف الدين. والدين عندنا نحن المسلمون يختلف عن الدين في مفهومه الغربي.

    فالناظر إلى قوله تعالى في سورة يوسف: ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِيـــــنِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) يستشف أن مفهوم الدين يشمل النظام، أو المنهاج أو البرنامج. وفي نفس السورة أيضاً يتضح لنا أقوم المناهج، في تطويق الدين بالعبادة: (… إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). والدارج عندنا أن (1): أن الكثير من الأعمال تدخل في نطاق العبادة إما بالأصالة، مثل إماطة الأذى وطلب العلم، أو بالتبعية، مثل الإبتسامة في وجه الأخرين، فهي صدقة والصدقة عبادة. فهذا يفرق بين مفهوم الدين في الإسلام ومفهوم الدين المألوف لدى الغرب. ثم (2) تحديد الدين بالعبادة في التعريف لترجمة اللفظ يجرد بعض الآلهة التي أشار إليها الله. ففي تعريف الدين يوجد قصر على الإيمان بإله أو أكثر، أما عندنا في الإسلام فمعلوم أن حتى الهوى قد يرتقي ليكون إلهاً، كما في قوله تعالى: “افرأيت من اتخذ إلهه هواه.” كما أن الدين هو (3) التصفية والحساب، كما في قوله تعالى: “إن الدين لواقع.”

    استناداً على ما سبق، ونظراً للطبيعة الفريدة لمفهوم الدين في الإسلام — إذ أن الهوى يمكن أن يكون آلهة — فإن اللادينية ما هي إلا دين أساس الاعتقاد فيه هو إنكار وجود الخالق — الموجد لكل ما في الكون، فلا بد من وجود مصدر مُبدئ للحياة بصرف النظر عما إذا كان شخص، أو الأم الطبيعة أم البروتون الأعظم أو الشحنة اللولبية – فبمجرد أن يستقر اللاديني على مصدر، فهو في مفهوم الإسلام قد وقع اختياره على إلهين، أولاهما هواه. وأكبر مغالطة صادفتها هي الإشارة إلى لفظ {إيثيزم} بأنه مجرد إلحاد، وهو المعروف عند الفقهاء بأنه ميل أو تحوير في أسماء الله أو آياته، فبالتالي يظهر اللبس في عرض الملحد بأنه الشخص المسالم. فهناك فرق عندنا بين الملحد والكافر اللاديني، فابن عربي كان عند بعض العلماء ملحداً، مع إن له مفهوم مختلف عن الله والإسلام دون أن ينكرهما. وأعتقد كذلك أننا نحن العرب شديدي التأثر بما يُؤثر عند الغير، فسرعان ما نتهافت على التقاط معتقدات الغير لنطبقها على ما عندنا، وهذا لا مسوغ له حيث أن مفايهمنا تختلف عما لدى الغير، وأن اللجوء إلى ما هو مترجم لطرح موضوع دقيق يستقطب وجوب الإمعان في التفاوت بين الألفاظ المترجمة. فالدين ليس هو الـ: ريليجُن, والإله لا يقتصر على شخصية بل قد يكون الهوى أو المال (كما في قول الرسول الأكرم: تعس عبد الدينار والدرهم) أو أي شيء أو شخص آخر، والعبادة تتعدى نطاق الطقوس. مع تحياتي.

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: