كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٣)٠

جاليليو جاليلي (١٥٦٤-١٦٣٢م)٠

Galileo Galilei

كما ذكرنا في البوست الماضي أن أحد أهم النقاط الجذرية في التحول في المسار العلمي بدأ في عهد جاليليو ،  حيث يقول عنه المؤلف أنه إكتشف “الكثير من القوانين، و دافع عن أهمية المباديء المعتمدة علي المشاهدة و {القياس } في تكوين القواعد العلمية {حيث عن طريق المشاهدة بالتلسكوب ، بين كيف أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، مؤكدا ما ذكره كابرنكاس

Copernicus

قبله بفترة قصيرة ، و الذي بدوره لم يتجرأ بنشر معلوماته إلا قبل وفاته بقليل}”. و بذلك ضرب جاليليو عرض الحائط كل ما إعتمدت عليه الكنيسة من علوم إغريقية في إثبات النبوءات المسيحية و منها أهمية الإنسان بكونه أساس كل ما هو مخلوق، أو لأجله و لأجل راحته تم خلق كل شيء . و بين “أن الغرض من العلم { ليس إثبات أو عدم إثبات أمور ثيولوجية ، بل } هو بحث العلاقات الكمية الموجودة {فعليا } بين الظواهر الطبيعية  ” كما جاء علي لسان المؤلف. و تحمل بذلك قسوة  مجتمعه المسيحي الملتزم و خصوصا عندما حكمت عليه المحكمة الكنسية بالهرطقة و السجن الإجباري في داخل منزله إلى يوم وفاته. و لم تعتذر الكنيسة عن خطئها و حكمها الجائر عليه إلا مؤخرا في عام ١٩٩٢م .  و لكن لم يكن ليذهب جهود جاليليو سدي، ففي نفس الوقت تقريبا ، أو بعده بقليل ظهر نجم الفيلسوف و الرياضي  الفيزيائي الفرنسي الشهير رينية ديكارت (١٥٩٦-١٦٥٠) ٠

René Descartes

الذي إعتبره المؤلف “أول شخص قام بصياغة فكره القوانين الطبيعة بحزم و صراحة كما نفهمها {اليوم}. فهو كان يعتقد أن جميع الظواهر الطبيعية يجب أن تفسر بصورة كتل متحركة، تتحكم فيها ثلاثة قوى -مستبقا بذلك القوانين التي صاغها نيوتن بخصوص الحركة لاحقا- و مصرا علي أن هذه القوانين الطبيعية عليها أن تكون قابلة للتطبيق في كل الأماكن و في جميع الأزمنة {بدون إستثناء}. كما و بين بوضوح أن رضوخ  هذه الأجسام المتحركة لهذه القوانين لا تعني أنها تمتلك أدمغة {كما كان يعتقد كيبلر}. فديكارت كان يفهم أيضا أهمية ما نسميه “بالظروف الإبتدائية” { و التي هي معرفة و دراسة الظروف الإبتدائية أو الوضع الحالي للشيء أو للنظام يعتبر من الأمور الضرورية لعمل التنبؤ بالنتائج المستقبلية لما سيئول إليه النظام، و كذلك  لتتبع أثر النظام زمنيا إلي الوراء }”. أما بالنسبة لمعتقداته الدينية “فهو كان يعتقد أن الله هو من وضع القوانين الطبيعية للكون {في البداية} و لكنه لم يكن له إختيار بين هذه القوانين، بل هو إختار القوانين التي نجربها في حياتنا اليومية لأنها كانت القوانين الوحيدة الممكنة الحدوث {أي لا يمكن إستبدالها بغيرها}”. و ناقش على هذا الأساس ” حتمية هذه القوانين كونها  تعكس الطبيعة الجوهرية لله “٠و جادل بأنه “لا يهم ما هي ترتيبات المادة في بدايات الكون…{لأنه في جميع الأحوال} سيتطور {بالنهاية} كون مطابق تماما لكوننا علي مر الزمن {بسبب حتمية هذه القوانين } “. و أكمل أنه ” حالما سير الله الكون {بقوانين في بداياته} فإنه تركه {يعمل بعد ذلك } لوحده كليا {دون التدخل فيه}” ٠

و بعد ذلك بقليل من الزمن ظهر نجم إسحاق نيوتن (١٦٤٣-١٧٢٧م)٠

Isaac Newton

و الذي بدأ بعهده الفيزياء الكلاسيكية كما نعرفها اليوم، فلقد كان هو “وراء إكتشاف ثلاثة قوانين للحركة، بالإضافة إلي قانونه الشهير بقانون الجاذبية، و الذي يضع بالحسبان دوران الأرض حول محوره و {جاذبية} القمر و بقية الكواكب” ، و كذلك قام بشرح ظاهرة المد و الجزر٠

هذا مع العلم بأن نيوتن و جميع من جاء قبله كانوا مؤمنين بوجود خالق يتدخل بصورة أو أخرى في شئون الخلق حتي لو لم يتدخل بقوانين الكون بعد ذلك و تركها تعمل لوحدها كما ذكر ديكارت، و لذلك فقانون الطبيعة و ميكانيكية علاقتة بالله في ذاك الوقت لم تكن النظرة إليه كالنظرة العلمانية الحالية لهذا القانون، فكما يذكر المؤلف “اليوم أغلب العلماء سيقولون أن قانون الطبيعة هو القاعدة التي تستند عليها الأحداث المنتظمة الحدوث و التي تعطي تنبؤات لما بعد الحالة التي إعتمدت عليها” و كفى، دون ذكر لعلاقة ذلك بالله٠و لكن إذا كانت الطبيعة مقيدة بقوانين فهنالك ثلاثة أسئلة تفرض نفسها، يقوم المؤلف بإدراجها و إدراج إجابات الأولين عليها:٠

السؤال الأول هو:  ما هو أصل هذه القوانين؟

و علي ذلك يجيب كل من كيبلر و جاليليو و نيوتن بأن القوانين هي موضوعة من قبل الله .  كما أعطوا تعريفا لله بأنه “تجسيد لقوانين الطبيعة”٠

و السؤال الثاني هو : هل يوجد إستثناء لهذه القوانين؟ أي هل يوجد معجزات؟

و علي ذلك أجاب أفلاطون و أرسطو بحزم بقولهم أنه “لا يوجد إستثناءات لقوانين الطبيعة” أما الإنجيل (و كذلك القرآن) و الذي كان يؤمن به كل من العلماء السابق ذكرهم فيقول “أن الله لم يخلق القوانين فقط، بل أنه {يملك أن يغيرها أيضا متى ما شاء } عن طريق {الإستجابة لمخلوقاته} في صلواتهم {لا يرد القضاء إلا الدعاء!} ، و بذلك فالله قادر على أن يعمل إستثناءات لقوانين الطبيعة {فإن شاء للشيء أن يكون فهو يقول له كن فيكن} ، أي ممكن أن يحدث المعجزات {فتلد العذراء مثلا أو ينشق القمر } ” أما ديكارت فمع أنه لا يعتقد بوجود إستثناءات في الوضع الطبيعي و لكنه يؤكد بنفس الوقت “بأن الله لابد أن يكون قادرا علي تعليق القوانين {متى شاء} حتي تحدث المعجزة” . أما نيوتن فنظرته مغايرة لديكارت حيث يقول أنه بدون تدخل الله المستمر فإن ” مدار الكواكب سيكون غير ثابت لأن الجاذبية بين أحد هذه الكواكب للأخري ستسبب إضطرابا لمداراتها  و عليه سيكبر مع الزمن و سيتسبب إما في سقوط هذه الكواكب إلى الداخل في الشمس أو أن ترمي في خارج المجموعة الشمسية. و عليه فهو كان مؤمنا  بأن الله حتما يقوم بإعادة {تضبيط} المدارات أو ” أنه ” يلف نابض الساعة السماوية، حتي لا تقف”، و إن أراد غير ذلك، حسب مفهومه،  فهذا أيضا يرجع له٠

أما الفرنسي بيير-سايمون ماركيز لابلاس (١٧٤٩-١٨٢٧)٠

Pierre-Simon Laplace

فكانت له نظرة مختلفة تماما عن كل من نيوتن و ديكارت، فهو جادل بأن  “التشويش {بقوى الجاذبية، أي للداخل أو للخارج من الدائرة} سيكون علي فترات تميزها الدوائر المتكررة {بسبب حركتها}، بدلا من أن تكون تراكمية {أي أن القوى تجدد نفسها بالحركة المستمرة }. و عليه فالنظام الشمسي يقوم بإعادة تشغيل نفسه، و لا توجد حاجة إلي التدخل القدسي لتفسير لماذا بقيت {الكواكب تدور} حتي وقتنا الحالي…و هذه الحتمية العلمية التي صيغها لابلاس هو الجواب العلمي {العلماني} الحديث علي السؤال الثاني…فالقانون العلمي ليس قانونا علميا ” كما يجادل المؤلف، “إذا كان ثباتة يعتمد علي قرار من كائن مافوق الطبيعة، يختار عدم التدخل {غالبا و التدخل أحيانا}”. و لذا فعندما سأل نابليون لابلاس عن مكان الله في نظرياته “فأجابه،  ” سيدي، أنا لم أكن بحاجة إلي تلك الفرضية””٠

و قبل ترك هذا السؤال يتطرق المؤلف إلي سؤال ضمني {فلسفي أزلي} آخر يبرز من بين السطور و يفرض نفسه : هل الإنسان مسير أم مخير؟

و أعتقد شخصيا أن هذا السؤال هو السؤال الذي لم يحظى أي سؤال مثله بكثرة المناقشات و المجادلات. و لذا فإرتأيت أدراجه لمعرفة وجة النظر العلمية أو بالأحري ماذا يعتقد العلماء تجاهه. ففي هذا الصدد يقول ديكارت أن ” عقل الإنسان كان شيئا مغايرا من العالم الطبيعي و لا يتبع قوانينه. و هذه النظره تعني أن الإنسان يتكون من شيئين، جسم و روح. الإجسام ما هي إلا مكائن عادية، و لكن الأرواح لا تخضع للقوانين العلمية {الطبيعية}. و أشار ديكارت إلي عضو صغير في مركز الدماغ يسمي الغدة الصنوبرية قائلا أنها المكان الذي يسكن فيه الروح. و كان يعتقد أن هذه الغدة هي المكان الذي يتكون فيه كل  تفكيرنا، و هو منبع قراراتنا التي نختارها {هذه النظرة تبناه أيضا المسلمون و البوذيون و كل الذين يعتقدون بالقوى الخارقة بعد ذلك في الكثير من مناقشاتهم و تحليلاتهم }٠

و هنا يتساءل المؤلف “إذا كان الإنسان يملك حرية إختيار قراراته، فأين تطورت {هذه القابلية} لدي الإنسان في شجرة إرتقائه؟ و هل الطحالب الخضراء و البكتيريا لها حرية الإختيار، أو أن تصرفاتها أوتوماتيكية من خلال عالم القوانين العلمية؟ و هل فقط الكائنات متعددة الخلايا هي الوحيدة التي تملك حرية الإختيار أو فقط الثدييات؟” و من ثم يلجأ إلي العلوم الحديثة لإيجاد الأجوبة فيقول ” تدعم التجارب الحديثة في علم الأعصاب  التوجه القائل بأن أدمغتنا الفيزيائية، و التي تتبع القوانين العلمية الطبيعية، هي التي تقوم بأخذ قراراتنا، و ليس وكالة ما موجودة خارج نطاق هذه القوانين ، فعلي سبيل المثال؛ بينت دراسة لمرضى تحت عمليات فتح الدماغ بدون تنويمهم أن التأثير الكهربي علي أماكن معينة في الدماغ، يجعل المريض في حالة يشعر بها بالرغبة في تحريك يده ، أو ذراعه، أو قدميه أو شفتيه {حسب المكان المثار} . و من ثم يستنتج أنه ” من الصعب أن نتصور كيف بالإمكان القول “بحرية الإختيار” إذا كانت تصرفاتنا مقيدة بالقوانين الطبيعية، و لذا ، فمع أنه يبدو لنا أننا لم نعد تلك المكائن البيولوجية {أو الدمى المتحركة} ، فإن حرية الإختيار مجرد وهم. و لكن بينما نحن نقر بأن التصرفات الإنسانية مقيدة بالتأكيد بالقوانين الفيزيائية، فإنه  يبدو لنا أيضا أنه من المنطقي الإستنتاج أن الناتج {النهائي} هو من التعقيد في وجود عدة عوامل تجعل من المستحيل في الواقع العملي أن نتكهن {كم هو الإنسان مخير أم مسير من الطبيعة }٠

و حيث أن إستخدام القوانين الفيزيائية المبطنة مسألة غير عملية {لوجود عدة عوامل مؤثرة فيها و تشكل مجموعة يتم } التنبؤ بالتصرفات الإنسانية {من خلالها}، فنحن نقوم بتبني ما يسمي النظرية التأثيرية في الفيزياء النظرية” كما يذكر المؤلف . و هذا مثال

Effective field theory

و من ثم يشرح بأن ” النظرية التأثيرية هي الإيطار الذي يتم من خلاله عمل نموذج معين لظاهرة تم ملاحظتها {و تكرار حدوثها} لتقديمها بصورتها العامة مع تقدير كل العمليات الذاتية فيها و التفاصيل”. و هذا لا ينطبق علي الفيزياء النظرية و حسب بل علي كل العلوم، حيث يقول المؤلف أنه و بما ” أننا لا نستطيع حل المعادلات {الدقيقة و المعقدة } التي ترتبط بتصرفاتنا، فنحن نستخدم النظرية التأثيرية بقولنا أن الإنسان مخير {بصفة عامة}. و عليه نقوم  بدراسة قدرتنا علي الإختيار، و نقيم تصرفاتنا التي تتطلبها هذه القدرة و هذا {ما نسميه} علم النفس. ” تماما كالنظريات التي نستخدمها في “علم الإقتصاد مستندين على معلومة {قدرتنا على} حرية الإختيار و على فرضية أن الناس هم من يقيمون جميع الخيارات المتاحة {في السوق مثلا } و يكون قرارهم هو بعد دراسة  ما هو الأنسب لهم… و النظرية التأثيرية ناجحة نوعا ما في توقع التصرفات البشرية {بصورة عامة}…و لكن {مع ذلك تظل}  القرارات في أغلب الأحيان لامنطقية أو بالأحرى تكون مبنية علي تحليلات خاطئة لمردود هذه الإختيارات علينا”٠

وردا علي السؤال الثاني يقول المؤلف أن هذا الكتاب ” له جذور في مبدأ الحتمية العلمية و التي تؤكد ضمنيا علي أن الجواب علي السؤال الثاني هو أنه لا يوجد معجزات أو إستثناءات لقوانين الطبيعة ” ٠

أما السؤال الثالث فإنه يخص عما إذا كانت القوانين المتحكمة في الكون و في تصرفات البشر هي فريدة في نوعها {أي خاصة بعالمنا وحدنا} أم لا؟”٠

و للإجابة عليه يجادل المؤلف بأنه ” إذا كان الجواب علي السؤال الأول أن الله هو من خلق هذه القوانين فهذا يجرنا إلي سؤال آخر و هو هل الله لديه نطاق أو مجال معين في إختياره لهذه القوانين؟ {أو بمعنى آخر لماذا هذه القوانين بالذات، و هل ينفع غيرها؟}. و علي ذلك أجاب كل من أرسطو و أفلاطون، كما فعل ديكارت بعد ذلك و من بعده أينشتاين بأنه في إعتقادهم أن المباديء الموجودة في الطبيعة جاءت حسب “الحاجة”، أي أنها هي القواعد و القوانين الوحيدة التي تبدو منطقية. و لكن بسبب هذا الإعتقاد بأصول هذه القوانين الطبيعية { أي بوجود قوى خارقة خلفها } في علم المنطق، شعر أرسطو و من تبعه بعد ذلك أن الشخص بإمكانه أن “يصوغ” هذه القوانين دون الحاجة إلي معرفة كيف تعمل الطبيعة في الواقع. فتحول التركيز الفكري على أن يكون السؤال هو :  لماذا تتبع الأشياء قوانين معينة؟ بدلا أن يكون التركيز علي ماهية هذه القوانين و ما هي خصوصيتها، و هذا ما كان من شأنه أن يقوده إلي القوانين النوعية {و الحدسية} و التي كانت في الغالب خاطئة، و في كل الأحوال لم يتثبت أنها مفيدة، حتي مع كونها سادت الفكر العلمي لمدة قرون كثيره بعده. و من ثم مضي وقت طويل جدا حتي إستطاع شخص مثل جاليليو أن ينقض أرسطو بملاحظة أو مشاهدة ما قامت الطبيعة بعمله في الواقع، بدلا من اللجوء إلي المنطق وحده في تحليل الأمور٠

و من هذا المنطلق يقوم المؤلف بإستخدام الأسئلة السابقة جميعا كمدخل للفصول اللاحقة  مبتدءا ببيان ماهية هذه القوانين و كيف تفسر عمل الطبيعة علميا ليخرج بنتيجة إجمالية مفادها أن ” أغلب العلماء يقولون أن هذه القوانين هي إنعكاس رياضي {حسابي} لواقع خارجي متواجد بصورة منفصلة عن من يشاهدها {أي ليس لها علاقة مباشرة مع المشاهد}” و هذا ما يرجعنا للتساؤل عن مصداقية التعليمات الثيولوجية ، أو كما يقول المؤلف ” بينما نحن نبحر في طريقة مشاهدتنا و تشكيل مبادئنا أو قوانيننا بشأن ما يحيطنا، فإننا نصطدم بالسؤال الذي يفرض نفسه علينا و هو أنه هل لدينا أسباب مقنعة للإعتقاد بوجود “الواقع الموضوعي” ، أي هل هنالك سبب لوجودنا؟”٠

يتبع