كتاب “التصميم العظيم” ؛ مراجعة و ترجمة مختصرة (٢)٠

الفصل الثاني: أسس { وضع} القوانين {العلمية}٠

في هذا الفصل يقوم هاوكنغ بسرد تاريخي للمسار العلمي؛ كيف بدأ و ما هي نقاط التحول الرئيسية في مساره، و ما هي معوقاته . و كما هو معروف (بالنسبة لما نملكه من أدلة بينة من الآثار و غيرها، علي أي حال ) فالطريق العلمي المبني علي المنطق و المشاهدة ثم التجربة و الإستنتاج و القياس يبدأ مع الإغريق ” في العهد الكلاسيكي”  حيث ولد هذا الإسلوب و إزدهر في بداياته. و كانت البداية لا تتعدي الإعتماد علي الحدس و الحكمة و الفلسفة، التي كانت بصورة عامة تتصف بالعمومية فيما يبدو للعقل البشري بأنه منطقي. و كانت كل السبل المعرفية مخلوطة – خلط الفيرياء بالأساطير و المثلوجيا والميتافيزيقية . و الكيمياء بالشيمياء . و علم الفلك و حركة النجوم بالتنجيم و السحر و القوى الخفية ، علم السيكولوجي أو علم النفس بتقمص الأرواح و تلبيس الشياطين – و هكذا ، مرورا بإوربا الوسطي- و كذلك بالمسلمون في العهد العباسي و الأموي في الأندلس حيث كان لبعض علمائهم الفضل بنقل العلوم و الحفاظ عليها و الإضافة لها مع أن المؤلف لم يذكرهم بصورة مباشرة- حيث بدأ أحد نقاط التحول الجذري في تصحيح المسار العلمي، أو تحديد ما يعتبر علم حقيقي و ما يعتبر علم مزيف ، و وصولا بالعهد الحديث من الكم الهائل من النظريات التي صارت تصاحبها الكثير من الجدل  و التنافس . شارحا في كل مرحلة المعوقات الرئيسية لهذا المسار، و كيف أن العلوم لا يمكن أن تستمر بإعطاء نتائج مرضية مالم تصحح نفسها ذاتيا ليتعدل مسارها. فالكسوف مثلا ، كان أمرا أرهب القدماء لأنه لم يكن لديهم تفسير مقنع له و لا وسيلة ما لتوقع حدوثه. و لذا فلقد  بدى لهم أنه لابد و أن يكون من عمل قوى غير مرئية، أو ما وراء الطبيعية ، و وجوده الغريب إنما دلالة علي إشارة ما. فإخترعوا الطقوس المختلفة ، يقدمون فيها النذور و التي لم تكن تخلو من الضحايا البشرية في أغلب الأحوال – و إستمر ذلك حتي جاءت الديانة الإبراهيمية و إستبدلتها بالأضحية الحيوانية تدريجيا – لكسب ود هذه القوى و لدفع البلاء الناتج عن غضبها عليهم. فهذه كانت حدود فهمهم و تفسيرهم لكسوف الشمس و خسوف القمر و الأعاصير و السيول و غيرها. و لكن بعد أن فهم الإنسان ميكانيكية عمل هذه الظواهر من خلال التأمل العميق و الإحساس بأن لها قوانين معينة من الممكن فك رموزها ، قام ببناء نماذج رياضية لها سهلت فهمها و خصوصا بعد أن صح ما توقع بحدوثها المتكرر  (مثل التنبؤ بالأرصاد الجوية في زمننا مثلا ) . فالإنسان الحديث لم يعد يخاف الظواهر الطبيعية، بل أصبح العلماء يتنافسون لحل ألغازها، و تدريجيا أدركوا حتى  أنها   ” لا تعتمد علي عشوائية و أهواء الكائنات الخارقة الميتافيزيقية، و لكنها بصورة أدق ملتزمة و مقيدة بقوانين و شروط {ثابتة} .” ٠

و في هذا الصدد يقول هاوكنغ أن ” أغلب الأحداث في الطبيعة كانت تبدو لأجدادنا بأن التنبؤ بها أمر مستحيل. فالبراكين، و الزلازل، و الأعاصير ، و الأوبئة، و حتى أضفار الإصابع التي تنمو داخليا  في الأرجل ، كانت {أمور } تبدو لهم  أنها تحدث بدون سبب واضح {بإمكانهم تفسيره}. ” و هذا ما سبب إيعازها إلي قوى خفية  و كأنه أمر بديهي ، “ففي الأزمنة القديمة كان من الطبيعي أن ينسب أفعال الطبيعة العنيفة إلى جوقة من الآلهة اللعوب {أي لها أهوائها المختلفه في تدبير شئون الناس أو لها سبب أو حكم لا يعلمها إلا هم}. فالفواجع  {و النكبات} غالبا ما كانت تؤخذ كإشارات بأنهم و بصورة ما لابد أنهم أزدروا هذه الآلهة فأغضبوها { و هذا واضح  تأثيره حتي لاحقا في قصص العبر القرآنية – و بعضها مكتسب من الأساطير اليهودية- مثل قصه قوم لوط و طوفان نوح و الطير الأبابيل مع أبرهة  و غيرهم من الشعوب التي أغضبت اللة  فغضب هو عليهم و خسف الأرض من تحتهم } “٠

و أول طرق المنطق عند الإنسان كانت الفكرة السببية ؛ أي لكل سبب مسبب .  فعندما ينزل البلاء بقوم مثلا فلابد أن يكون هنالك سببا لذلك. و بما أن الإنسان لم يكن يعرف هذه الأسباب فهو إخترعها و ذلك بنسبها لنفسه و بتحمل اللوم. فأصبح الإنسان و ما يقوم به من عمل هو دائما سبب الكوارث حتى لو لم يكن ذلك منطقيا، و حتى لو لم يكن قادرا على أن يربط هذا العمل بتلك النتيجة بطريقه مباشرة . أو كما يذكر المؤلف،  ” قابلية الإنسان {الطبيعة} لتحمل الذنب جعلت الناس  يبحثون عن الطرق {العديدة}  ليلوموا أنفسهم على كل ما يصيبهم {من آلام و فواجع}”، لأن ذلك له مرجع نفسي يجعل الفرد قادرا ، نوعا ما أن يسيطر علي محيطه حتي لو كان ذلك بطريقة غير مباشرة. هذا بالإضافة إلي “الجهل بطرق الطبيعة” أساسا ، و الذي ” قاد الناس في الأزمنة القديمة إلي إختراع الآلهة لتتحكم في كل أوجه حياتهم {و ترسم طريق الخير و الشر لهم ، و كيفية التعامل مع الأمور الحياتية و خصوصا العلاقات البشرية الإجتماعية و السيكلوجية التي بدت و لازالت تبدو غامضة لهم }. فلقد كان هنالك آلهة للحب و الحرب؛ و {آلهة} للمحيطات و الأنهار؛ و {آلهة} للأمطار و العواصف الرعدية يتوسلون لها و يقدمون القرابين {ألا يذكركم هذا بصلاة الإستسقاء عند المسلمين حيث لازالت آثار الطقوس البدائية حية حتى علي مستوي الدول التي تعتبر نفسها مدنية حديثة  كالكويت؟}؛ و حتي كان هنالك آلهة للزلازل و البراكين . فعندما تكون هذه الآلهة راضية عن الناس، فهم سيتمتعون بأجواء جيدة {صافية}، و يتمتعون بالسلام {و يكون الإحبة علي حب و وئام دائم } ، و سيتم إنقاذهم من الكوارث الطبيعية و الأمراض. و لكن عندما تكون هذه الآلهة غير راضية عن الناس، فالقحط و الحروب و الطاعون و الاوبئة ستكون من نصيبهم {بسبب هذا السخط الإلاهي}. و حيث أن العلاقة بين السبب و المسبب لم تكن ظاهرة لأعين الناس {في تلك الأزمنة}، ضل الناس {و لازال المؤمنون منهم }  تحت رحمة هذه الآلهة و التي كانت تبدو غامضة لهم٠

و لكن كل هذا {بدأ} بالتغيير مع ظهور حواديت ميليتس  (٦٢٤-٥٤٦ قبل الميلاد)٠

Tales of Miletus

أي بحوالي ٢،٦٠٠ سنة ماضية، {عندما برزت مجموعة من القصص القديمة المكتوبة و المجمعة تحت الإسم أعلاه في مدينة ميليتس الإغريقية\التركية العتيقة} و التي {تؤكد  بعضها أن} الطبيعة تتبع قوانين ثابتة في الإمكان حل رموز شفرتها .  و هكذا بدأت {من يومها} العمليات الطويلة {المتسلسلة الشاقة} بإستبدال فكرة {تدخل} الآلهة {في الظواهر الطبيعية كقوى خير و شر} مع فكرة الكون المسير بقوانين طبيعة {ثابتة و مفهومة}، و من ثم إنتشرت فكرة أن الكون { و ما يحويه بما في ذلك الإنسان لابد أن يكون } مخلوق و أنه لابد أن يكون للكون كروكي {مخطط هندسي تم تصميمة من قبل الآلهة و حتما}  سيتعلم {الإنسان} قراءته في يوم ما { بحل شفرته}”٠

و من هنا يبدأ المؤلف في سرد خط تطور العلوم في تفسير الطبيعة من خلال نقطة التحول هذه، إبتداءا بعهد الإغريق الكلاسيكيين فيقول “إننا نجد أن البحث العلمي { أو اللجوء للعلوم في تفسير الأمور الطبيعية} هو مسعي جديد نسبيا {في خط تطور الإنسان الحديث و الذي بدأ مع الهوموسابيان بحوالي ٢٠٠،٠٠٠ سنة قبل الميلاد} …  فاللغة المقروءة ظهرت {حوالي} ٧٠٠٠  سنة قبل الميلاد تقريبا {كحاجة} في مجتمعات تمركزت حول زراعة الحبوب { مع بداية التبادل التجاري}. و أقدم التقارير المكتوبة لدينا {هي تلك التي تخص } حضارات إغريقية عظيمة يرجع تاريخها إلي القرن التاسع قبل الميلاد. و لكن قمة هذا الإزدهار العلمي كان في عهد ما يسمي “بالفترة الكلاسيكية” للحضارة الإغريقية،  و التي أتت بعد عدة قرون لاحقة من بدء هذه الحضارة الإغريقية القديمة، و كان ذلك في حوالي ٥٠٠ سنة قبل الميلاد تقريبا.” أو “حسب أرسطو (٣٨٤-٣٢٢ قبل الميلاد)، كان ذلك  الوقت قريبا من  الوقت الذي  قام به العالم ثاليس

Thales

بتطوير فكرة أن الكون {من حولنا} ممكن أن يفهم {بالعقل}، مفسرا ذلك بأن الأمور المعقدة حولنا ممكن أن تختزل إلي مباديء و أسس أبسط {لتسهل فهمها}. شارحا {ما يقصد} دون أن يلجأ إلي إدخال الأساطير أو التفسيرات الثيولوجية في مناقشاته. و {مما ينسب لثاليس أيضا أنه } كان أول من توقع حدوث الكسوف الشمسي في عام ٥٨٥ قبل الميلاد {في وقت كان الناس فيه يرتعبون من هذه الظاهرة}، {هذا مع العلم أن }  الدقة الشديدة في تنبؤه، و صحة ذلك، كان علي الأغلب حدسا {ذكيا}…{ ولقد } إشتهر {وقتها } منزل ثاليس {بملتقى المثقفين و العلماء في ذاك العصر} . فهو كان مركزا {معروفا} في منطقة كانت تسمي أيونيا {و هي المدينة التركية\الإغريقية التي كانت منبع العلوم البشرية}، و كانت أيونيا { وقتها} تحت سيطرة الإستعمار الإغريقي و الذي  إمتد تأثيره لاحقا {علي مساحة إمتدت} من تركيا إلى إيطاليا. فالعلوم الأيونية كانت {أولى} المساعي {البشرية الجادة} التي تميزت بالرغبة الشديدة في كشف الغطاء  عن المجهول من الأمور ، و وضع  مباديء القوانين الأساسية لشرح الظواهر الطبيعية. و هذه المرحلة تعتبر نقطة التحول المركزية الهائلة في تاريخ الفكر البشري، حيث كان هذا السبيل يعتبر راديكاليا { بالنسبة لزمنه}، و في ظروف كثيرة {نجد أن علومهم} قادت إلي إستنتاجات مشابهة و بصورة مذهلة لما قادتنا إليه طرقنا الأكثر رقيا و الأكثر تطورا اليوم. فتلك الفتره كان بمثابة البداية العظمى {للإزدهار الثقافي العلمي بحق}. و لكن {للأسف لم يكتب لها الإستمرار علي نفس المنوال} فالكثير من العلوم الأيونية كان مصيرها النسيان في القرون اللاحقة، مع أنه تم إعادة إستكشافها أو إعادة إختراعها بعد ذلك، و أحيانا {تم هذا الإستكشاف } أكثر من مرة واحدة”٠

و من ثم يقوم المؤلف بإعطاء نبذة عن أهم علماء أيونيا من الذين كان لهم الفضل في إنارة شعلة العلم الأولى حيث ترجح الأساطير ، كما يقول المؤلف “أن أول قانون طبيعي لشرح ظواهر طبيعية ينسب للأيوني فيتاغورس (٥٨٠-٤٩٠ قبل الميلاد)٠

Pythagoras

و هو الذي إشتهر بنظرية  سميت بإسمه “.  هذا مع العلم أنه ليس مؤكدا أن فيتاغورس و الذي كان أحد كهنة المعابد و إشتهر بممارسة السحر هو بنفسه الذي كان وراء وضع القوانين التي إشتهرت بإسمه  لاحقا و منها قانون في حساب المثلثات التي إستخدمها من سموا “بالفيتاغورسيون” و الذين أتوا بعد عهده بفترة من الزمن. و كذلك إشتهر فيتاغورس بوضع “العلاقة بين تذبذب الوتر و طولة في الآلات الموسيقية” و هذه الخاصية يعرفها جيدا موسيقيوا الآلات الوترية.  فإن كانت هذه الإسطورة صادقة، كما يقول المؤلف، ” فنحن نستطيع أن نقول أن هذه المعادلة البسيطة {أي علاقة ذبذبة الصوت بطول الوتر} تمثل أول لحظة {ولادة حقيقية} لما نعرفه اليوم بعلم الفيزياء النظرية” ، و الذي هو اليوم علم قائم بحد ذاته و من إختصاص المؤلفين لهذا الكتاب .  و لكن الشيء الأكيد هو أن “القوانين الوحيدة التي نعرف (نسبها الصحيح للقدماء) و بصورة مؤكدة هي ثلاثة قوانين قام أرخميدس ( ٢٨٧-٢١٢ قبل الميلاد) ٠

Archimedes

بإعطاء شرح مفصل لها. و هذا ما يجعل أرخميدس من أبرز الفيزيائيين القدماء و بكل المقاييس” كما يذكر المؤلف و يزيد بأن ” أرخميدس لم يسمي {عمله هذا} بقوانين، و لا حتي شرح نظرياته بإستخدام المشاهدة و القياس. و لكنه تعامل معها و كأنها أفكار رياضية {كألغاز } . في نظام بديهي {منطقي} يشبه كثيرا تلك الطريقة المستخدمة من قبل إيكليد٠

Euclid

في الحسابات الهندسية “٠

أما أناكسيماندر (٦١٠-٥٤٦ قبل الميلاد)٠

Anaximander

فيقول المؤلف أنه “قدم مناقشة {فلسفية} مفادها أن طفل الإنسان يكون ضعيف البنية عند الولادة، فإذا كان الإنسان الأولي  قد ظهر علي سطح الأرض بنفس صورة الطفل الحالي {الضعيف}، لما كان بإستطاعته البقاء {أي لكان إنقرض نوعه}. و هذه قد  تكون أول إشارة { في التاريخ البشري} لنظرية النشوء و الإرتقاء { و التي فصلها بصورة علمية أكثر كل من شارلز دارون و ألفريد رسل واليس بنفس الوقت و بصورة منفصلة، بعد ذلك بقرون}، فالناس، كما منطق أناكسيماندر الأسباب في حديثه “لابد و أنهم تطوروا من حيوانات كانت صغارها أكثر صلابة {من الإنسان الحديث، و ذلك لتتحمل الأجواء الأولية القاسية من أجل البقاء }” هذا مع العلم أن أناكسيماندر يعتبر من أوائل من لجأ إلى التجربة في إثباث نظرياته ٠

و في نفس الوقت إكتشف إمبيدوكليس

Empedocles

المادة “التي قمنا {بعد ذلك } بتسميتها بالهواء الجوي “٠

و كذلك في نفس الوقت  “إعتقد ديموقريطوس (٤٦٠-٣٧٠ قبل الميلاد)٠

Democritus

و الذي كان يسكن مستعمرة في أيونيا بشمال اليونان، أن أية كتلة مادية {بما فيها الكائنات الحية }  هي {في الواقع}  عبارة عن تصادم الذرات مع بعضها” و سميت نظريته هذه  بالاتوميزم

Atomism

و أضاف ديموقريطس  أن  هذه الذرات ” إذا لم يكن هنالك ما يعترض مسارها فهي تتحرك في الفضاء حولنا إلي الامام في مالانهاية . ” و هذا { المفهوم هو } ما نسميه اليوم بقانون الإنيرشيا {للطاقة الذاتية عندما تكون الكتل في حالة سكون}”٠

Inertia

أما أريستارشوس (٣١٠-٢٣٠ قبل الميلاد)٠

Aristarchus

فلقد كان  آخر عالم أيوني و “أول شخص قدم الفكرة الراديكالية بأننا كائنات عادية في هذا الكون، لأننا لا نتمتع بأية خصوصية  أو مركزية {أي أن الأشياء لم تخلق فقط من أجل خدمتنا و راحتنا}” . فهو كان أول من “ناقش أن  الأرض ليس مركزا لنظامنا الشمسي، و لكن الأصح هو القول أن الأرض  و بقية الكواكب هي التي تدور حول الشمس الواقعة في المركز و ذلك لأنها تفوقها كلها بالحجم {و سبب ذلك يعود برأيه إلي أن الأجسام السماوية الأصغر هي التي تدور حول الأجسام السماوية الأكبر و ليس العكس} ” و هو أيضا توقع أن “النجوم التي نراها بالليل هي في الواقع لا شيء غير شموس بعيدة {بينما كان العرف السائد وقتها بأن السماء سقف هائل مرفوع بعمد يحجب الآلهة ،و نورها عن البشر ، من ورائة . و ما النجوم و الكواكب إلا ثقوب في هذا السقف}”٠

هذا مع العلم أن الأيونيون “كانوا يشكلون  واحدة {فقط} من عدة مدارس فلسفية في العهد الإغريقي الكلاسيكي، و كانت كل مدرسة من هذه المدارس ذات تراث {و ثقافة} مختلفة عن بعضها البعض ، و في كثير من الأحيان حتي تكون متناقضة مع بعضها البعض…فنظرة الأيونيون للطبيعة – بكونها ممكن أن تفسر بإستخدام قوانين عامه تختزل إلي مجموعة من المباديء {القواعد}- كان لها التأثير القوي {علي المسار العلمي في الطريق الصحيح}  و لكن ذلك كله لم يستمر إلا بضع قرون قليلة ” . و أحد أهم  الأسباب لذلك كان لأن العلوم الأيونية كانت “غالبا لايوجد فيها مكان {أو تفسير } لفكرة السببية {الفلسفية}، أو فكرة تدخل الآلهة في عمل الكون كسبب لمسبب أو لعمل ما” و هذا ما جعل منها نظريات غير مستساغة بصورة عامة بالنسبة للأولون، فعلي سبيل المثال عارض أبوقراط (٣٤١-٢٧٠ قبل الميلاد) الفكرة الذرية  “أتومزم” بشده {ليس لسبب منطقي علمي بل علي أساس إعتقادي بحت}  حيث ذكر{ساخرا}  بأنه ” من الأفضل أن نتبع الأساطير {المنقولة } عن الالهة من أن نصبح ‘عبيدا’ لقدر قدره لنا فلاسفة الطبيعة””  كما نقل عنه مؤلف الكتاب. و أرسطو ، هو الآخر ، رفض فكرة الذرات و لذات الأسباب حين ذكر أنه ” لم يستطع أن يتقبل فكرة أن الأشياء الحية {كالإنسان} ممكن أن تكون مكونة من مواد غير حية {كالذرات } أو أن تكون بدون روح””٠

و يؤكد المؤلف هنا أن ” فكرة الأيونيون و الخاصة بكون الكون ليس مركزه الإنسان كانت هي نقطة التحول المركزية { التي غيرت نظرتنا } و فهمنا للنظام الكوني، و لكنها {ظلت فكرة مهملة } فلقد تم إستبعادها وعدم الأخذ بها أو تقبلها من قبل العامة حتي جاء جاليليو ، بعد عشرون قرنا تقريبا”، و أصر عليها رغم كل الإعتراضات التي واجهته٠

و لكن هذه لم تكن النظرية الوحيدة التي تم محاربتها و إهمالها لعلوم الأيونيين ، “فعلي الرغم من عمق بعض أفكار  علماؤها عن الطبيعة ، فأغلب الفكر الإغريقي الكلاسيكي { و الذي كان يتعارض مع الأعراف و الإعتقادات السائدة }  لم يمر كعلم شرعي {صحيح} حتي في الزمن الحديث {نسبيا}. و أحد أهم أسباب ذلك كان  لأن الإغريق لم يكونوا قد إخترعوا الطرق و الوسائل العلمية {الصحيحة التي من الممكن أن يعتد بها في القياس }، فنظرياتهم لم تكن تطورت من خلال التجربة و البرهان…و لم تكن لديهم الطرق الموضوعية لحسم المناقشات ( عندما تتناقض ) وجهات النظر. كما لم يكن هنالك تفاضل واضح بين القوانين {المعتمدة علي الأهواء } الإنسانية و تلك التي تخضع للقوانين الطبيعة. ففي القرن الخامس قبل الميلاد، علي سبيل المثال، كتب أناكسيماندر  {معتمدا علي إعتقادات سابقة } أن كل الأشياء تخلق من  مادة أساسية، ترجع لها {بعد ذلك}، إلا إذا ” دفعت ثمن {جزية ، لدفع البلاء عنها تكفيرا} عن خطاياها”. و أما الفيلسوف الأيوني هيراكليتس (٥٣٥-٤٧٥ قبل الميلاد)٠

Heraclitus

“فإنه قال بأن “الشمس مأمورة علي هذا الأداء  اليومي {لتجري لمستقر لها!} لأنها إن خالفت {الأوامر} فآلهة العدالة تصطادها و تقضي عليها”٠

و هكذا ظلت هذه الإعتقادات هي السائدة إلي أن تطورت قليلا بعد عدة قرون لاحقة مع عهد الستويكس و فلسفتهم التي عرفت بالستويسزم

Stoicism

و هم “يشكلون مدرسة أخرى من مدارس  فلاسفة الإغريق ، ظهرت في القرن الثالث قبل الميلاد ، و عملت علي التفرقة بين {الأهواء} الإنسانية و القوانين الطبيعية، {و كان ذلك جيدا لولا أنهم } أدخلوا { العلاقة بين }  التصرفات الإنسانية – مثل تكريم الالهة و طاعة الوالدين- بمصائرهم في خانة { العلاقات } بالعلوم الطبيعية٠” بالإضافة لإدخال مفهوم “القضاء و القدر” لكل شيء في الوجود٠

و ظلت هذه الثقافة  تؤثر علي المفكرين الذين أعقبوا الإغريق لمدة قرون عدة بعد ذلك. “ففي بدايات القرن الثالث عشر تبني الفيلسوف المسيحي ثوماس أكويناس (١٢٢٥-١٢٧٤ م) هذا التوجه و إستخدمه ليجادل بموضوع وجود الله كاتبا ” إنه من الواضح أن ( الأجسام غير الحية) تصل نهايتها ليس بالصدفة و لكن بالقصد ({أي أن عمر الإنسان مكتوب، و عمله مكتوب و مصيره محسوم، إلخ…}…و لذا فلابد أن يكون هنالك كائن ذكي يقوم بإصدار الأوامر لنهاية كل شيء. و هذا التوجه كان أيضا و حتي بعد ذلك {لوقت قريب نسبيا} في القرن السادس عشر {منتشرا بين العامة و الخاصة}، مع فكرة أن لكل كائن عقل مسير بقدرة خارقة ، حيث يذكر أن الفلكي الألماني العظيم  جوهانس كيبلر (١٥٧١-١٦٣٠م)٠

Johannes Kepler

كان يعتقد أن الكواكب تملك أجهزة حسية و أنها تتبع من خلال وعيها {الحسي}  القوانين التي تفهمها ب “دماغها”. هذا مع ملاحظة أن كيبلر كان أول عالم فهم معني كلمة “علم” بمفهومنا الحديث، و مع ذلك ظل محتفضا بمفهوم روحانية المواد الفيزيائة٠

أما أرسطو، و هو الذي كان أحد قادة هذا الفكر{ بأن الأشياء في الطبيعة، مع وجود عقول لها ، ألا أنها لا تملك الخيار لأنها مسيرة بصورة عامة،  و بكتب مكتوبة بواسطة الآلهة} فإنه رفض فكرة العلوم المبنية كمباديء علي المشاهدة رفضا باتا…و بني فيزياؤه علي مباديء إستهوته فكريا {و ناسبت إعتقاداته} …و مع أن فيزياء أرسطو لم يكن له قيمة توقعية أو تنبؤية إلا الشيء اليسير، ألا أن طريقته في العلوم سادت علي الفكر الغربي و لمدة ألفين سنة تقريبا…ففي ١٢٧٧ م نشر الأسقف تمبيير من باريس

Condemnations of 1210–1277

و بإيعاز من البابا جون الحادي و العشرون ٠

Pope John XXI

قائمة تحتوي علي ٢١٩ أخطاء أو هرطقات أوجبت الكنيسة  إدانتها، و من بين هذه الهرطقات كانت فكرة أن الطبيعة تتبع قوانين {ثابتة}، لأن هذا يخالف القدرة المطلقة لله في التدخل في تغيير المصائر {أو ميكانيكية كن فيكون}٠

و علي أي حال لم تكن القياسات الدقيقة متوفرة في الأزمنة القديمة. فالنظام الرياضي العشري يرجع تاريخه لعام ٧٠٠ م (عن طريق الهندوس). و أشارات الزائد و الناقص  في الرياضيات و الجبر لم تظهر قبل القرن الخامس عشر الميلادي{ مع المسلمين }، و لم تكتشف إشارة “=” و لا الساعات التي تحسب الوقت بالثواني كانت معروفة قبل القرن السادس عشر الميلادي٠

و من ثم يتطرق المؤلف إلي عهد جاليليو، و الذي يبدأ معه نقطة تحول جذرية أخري سنتعرض لها في الحلقة القادمة

يتبع

Advertisements

23 Comments (+add yours?)

  1. ادم عبد الحي
    Nov 21, 2010 @ 15:25:28

    اشكرك من كل قلبي على هذا الجهد
    سيكون دوماموضع احترام وتقدير مني ومن كل من يقدر العلم والعلماء لك ولهذه المبادرة الطيبه منك
    ارجو الاستمرار في نقل هذا الكنز المعرفي
    فأنا متابع

    Reply

    • AyyA
      Nov 21, 2010 @ 19:39:43

      شكرا آدم على الكلمات اللطيفة، فقراء مثلك هم من يدفعونني لإعطاء المزيد، و هذا أقل ما أستطيع عمله للمساهمة في التنوير. و أعدك أن في جعبتي الكثير فلن تكون متابعتك دون جدوى
      تحياتي

      Reply

  2. med
    Nov 21, 2010 @ 22:13:04

    شكرا على المجهود .

    Reply

    • AyyA
      Nov 25, 2010 @ 08:40:19

      مشكور ميد علي المتابعة و أسفه للتأخير علي الرد ، إنشغلت شويه في التحضير لعيد الشكر، هذه أول مره أطبخ ديك رومي، و ما خليت قوقل و لا ماما و لا صاحبه ما سألتها
      wish me good luck
      أما الجزء الثالث فسوف أحاول أن أنزله قريبا ، أي بعد العيد بقليل
      تحياتي
      و كل عام و إنت بخير

      Reply

  3. Abdulrhman Al-Ali
    Nov 22, 2010 @ 00:28:05

    كلما اكتشفت ما بالطبيعة أكثر .. قلت سبحان الله أكثر

    Reply

    • AyyA
      Nov 25, 2010 @ 08:43:11

      و أنا يا عبدالرحمن كلما أشوف تعليقك ، كلما إنبهر أكثر من دارون و ذكائه عندما قال بما معناه أنه ليس فقط كل كائن يتطور بصورة مغايرة عن الكائن الآخر، بل حتي كل فرد منا يتطور بصورة مغايرة لغيره
      و هذه مني إليك، عسى أن تعجبك

      تحياتي

      Reply

  4. Abdulrhman Al-Ali
    Nov 25, 2010 @ 15:14:56

    آيا روحي اكتبي موضوع عن ////الهارب لإيران سباحه!! و اتركي الغل هذا قليلا

    Reply

    • AyyA
      Nov 25, 2010 @ 20:38:58

      عبدالرحمن
      تقدر تسوي مثله و تنحاش علي بعير للسعودية أو عبريه للعراق
      أنا شكو فيك و فيه؟
      و بعدين هذا ما يسمونه غل، هذا يسمونه علم
      تحياتي

      Reply

  5. AA
    Nov 25, 2010 @ 20:29:07

    Great post 😀 I’ve found the book online.I’ll read it and read you review again 😉

    Reply

  6. Abdulrhman Al-Ali
    Nov 26, 2010 @ 04:12:45

    آيا اللي يكره الإسلام دايما أدعي الله يا رب قللهم في عيني و و صغر شأنهم في قلبي وأدل لهم مني ولا تدلهم مني .. فإن ختمت لي بالسعادة و قضيت لي بالشهادة فبعد أن أجتاح عدو ربي بالقتل و بعد أن يجهد بهم الأسر و بعد أن تأمن أطراف المسلمين و بعد أن يولي أعدائي مدبرين .. اللهم أشغل الملحدين بالملحدين عن تناول أطراف المسلمين

    Reply

    • AyyA
      Nov 26, 2010 @ 08:10:19

      ما ألومك يا عبدالرحمن علي قلبك الأسود، هذا من صناعة دينك و مجتمعك اللي سواك مسخه، تكره كل من هو مختلف عنك

      Reply

  7. Abdulrhman Al-Ali
    Nov 26, 2010 @ 08:16:56

    حتى المسلمين مختلفين عنج و انتي تكرهينهم .. الفرق عنج آيا انهم مو مرضى

    و لقد نزل عليكم في الكتاب ان اذا سمعتم آيات الله يسخر بها و يستهزء بها فلا تقعدوا معهم انكم اذا مثلهم ان الله جامع المنافقين و الكافرين في جهنم أجمعين

    Reply

  8. Abdulrhman Al-Ali
    Nov 26, 2010 @ 08:21:24

    @ يسخر بها و يستهزأ بها
    @ في جهنم جميعا

    استغفر الله .. يومين مو نايم والله
    ؛(

    Reply

    • AyyA
      Nov 26, 2010 @ 09:18:48

      عبدالرحمن
      و إذا خاطبكم الجاهلون قولوا “سلم لي علي البدنجان”٠
      🙂

      Reply

      • Abdulrhman Al-Ali
        Nov 27, 2010 @ 10:21:08

        إنسانه مريضه نفسيا مركوله من الخلف إلى خارج بلادها مطلقه ليس بيدها منفعه و لا مضره لن تؤثر بشئ لو حرفت كلام الله .. أتخيل منظر جهنم و هي تناديكي من بعيد .. عائلتكم طلعت لها باع طويل بسواد الويه و انتي نموذج يا آيا

        و اذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم

        الاسلام يشرف أمثالج اللي ينشرون و ينباعون بسوق الليبراليه المعفن .. تكفين تذكري متى آخر مره ضحكتي من قلب و حسيتي براحة بال .. أتحدى من قريب .. والله يا آيا مو كلامي بس من صاحبي و هو شيعي بعد يقول \\\ أزبل عايله شيعية قلت له ليش عاد قال لي كلام ما ينقال و بالأخير يقول لي كلكم حراميه و بنات عائلتكم اما دينيين او بنات ليل ماكو وسطية

        يا حظ شيطانج

        Reply

  9. AyyA
    Nov 27, 2010 @ 19:42:45

    يا عبدالرحمن
    إسمح لي أسألك سؤال
    هل الحديث من وراء ظهور الناس و خلق الإشاعات عنهم و التكلم في أعراضهم من الشيم الإسلامية؟
    إذا ما كانت من الشيم الإسلامية، إذا لماذا دائما هم المسلمون الذين يتسمون بها؟ أقصد من خلال التعليقات في بلوغي و التي تتسم بالشخصانية ، سواء منك أو من أشكالك و أمثال صاحبك “الشيعي”؟
    أنا حذرتك كذا مره ، أنا عندي صبر عليك، لكن لا تستغل صبري لأنه يقل مع الزمن و عندما يحصل ذلك سأحولك للسبام و لن أردك هذه المره. و أنا عندما أقول شيء أفعله يا عبدالرحمن، و عليه فتأدب أحسن لك
    و علي العموم: إذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
    تحياتي

    Reply

  10. Arabs in Space
    Nov 28, 2010 @ 09:57:21

    Dear Ayya,

    I hope you are doing well..

    Tell me , do you have any idea what’s wrong with Ben’s blog?
    I have totally no access since few days , do you have access?

    I tried some proxies also , but no success.

    p.s. I ordered the Great Design book, and looking forward to read it.

    take care my dear.

    regards,

    MHJ

    Reply

  11. AyyA
    Nov 28, 2010 @ 10:57:55

    Arabs dearest
    My situation is exactly like yours, as you mentioned about Ben. I have no idea what is going on, I wrote a comment inquiring in Ben Short, I even sent him two e-mails and no reply. To be honest with you, I am starting to worry about him. So if by any chance you get a word, please let me know
    Regards

    Reply

  12. Arabs in Space
    Nov 28, 2010 @ 11:06:11

    This is not good…. I also did send him an email … no reply yet… it is unusual from him to disappear that long.

    any way I will try to check with other channels , and I will keep you updated the moment I get something.

    thanks a lot Ayya… Take care.

    MHJ

    Reply

  13. الغراب الحكيم
    Nov 30, 2010 @ 01:36:20

    dear Ayya and arabs ..
    I’m here as well .. and I’m really freaked out
    I fear the worst .. ben has a website under the name of aathiest.com
    and recently (just yesterday ) it turns into a forum which I think Its fishy with ben disappearance
    I think that whoever controlled ben’s blog constructed the forum to steal the emails and passwords and probably the IP’s as well
    It happened before

    If you have a look @ the website you’ll understand

    I hope hes well And safe

    Peace

    Reply

    • AyyA
      Nov 30, 2010 @ 04:58:01

      عزيزي الغراب
      أنا أعتقد أنه من الأفضل لنا الصبر حتى يتبين الوضع
      من الواضح أن بن يواجه مشكلة، و شخصيا لا أريد أن أكون سببا في زيادة مشكلته
      و كما أني متأكدة أنه سوف يقوم بمراسلتنا للإطمئنان عليه لو كان بإستطاعته ذلك
      تحياتي

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: