كذب المنجمون و لم و لن يصدقوا

قبل أن تخرج المال من محفظتك لتدفع  ثمن كتاب الأبراج لسنة ٢٠١١ إقرأ هذا المقال و الذي كتب قبل أكثر من عقدين و لايزال محتواه ساري المفعول حتي يومنا هذا:٠

لماذا وجب علي الذين يؤمنون بالأبراج أن يشعروا بالخجل

أحدثت الأنباء الآخيرة  و الخاصة بإستعانة السيدة الآولي نانسي ريغان بالمنجمين في تحضير الجدول الرئاسي للرئيس الضحك و السخرية في بعض الأوساط. فللأسف الإعتقاد بقوة الآبراج منتشر بين الناس أكثر مما نعتقد. {حيث تذكر} إحصائية غالوب لسنة ١٩٨٤ أن ٥٥ في المئة من مراهقي أمريكا يعتقدون {بصحة تنبؤات} النجوم.   فعواميد الأبراج تظهر في أكثر من ١٢٠٠ جريدة في الولايات المتحدة؛ وبالمقابل، هنالك أقل من ١٠ جرائد من التي لها عواميد في الفلك، و الذي هو العلم {الحقيقي} لدراسة النجوم. {و هذا لآمر ليس مقتصرا علي الولايات المتحدة وحدها}  ففي كل أنحاء العالم يتخذ الناس قراراتهم الشخصية و المالية و حتي الصحية بناء علي نصائح المنجمين . هذا مع العلم  بأن التنجيم هو واحد فقط من الكثير  من العلوم المزيفة و التي ساهم تقبلها و بدون نقد من قبل  وسائل الإعلام {المختلفة } و بين العامة  {في المجتمع} إلي عدم خلق  وسيلة شك صحية {تعين } الناشئة ( و كذلك الرؤساء كما يبدو)  {حتي وصل الأمر إلي } صورته المقلقة في الولايات المتحدة الأمريكية. فالحياة معقدة هذه الأيام ، و اللجوء إلي الحلول البسيطة لمواجهة التحديات شيء (بالتأكيد) مغر. و لكن بدلا من أن {نشجع }  أبنائنا بأن يواجهوا {مشاكلهم } بالشك الصحي و التفكير النقدي، نحن نربي جيل قابل للإيمان بأي إدعاء متكلف في الجرائد أو  في تقرير تلفزيوني٠

الناشئة ، (و حتي الكبار) الذين يريدون إستخدام (ملكة) الشك لديهم  {أو الذين يشكون في صحة الأبراج }، قد يجدون اللذة في طرح بعض الآسئلة المخجلة عن التنجيم من مثل المجموعة التالية  :٠

السؤال موجه للذين يتابعون عواميد الحظ في الجرائد و المجلات {بجدية} هو : ما هو إحتمال أن يكون ١\١٢ شخصا في العالم تحدث له نفس الآحداث اليومية؟

هذا السؤال يسلط الضوء علي (السبب الحقيقي) في كون {طبيعة الأحداث } في عواميد (أو صفحات) الحظ غير واضحة { أو تذكر بصورة عامة} لدرجة أنها ممكن أن تكون قابلة للتطبيق في حياة أي شخص٠

و السؤال الثاني هو : لماذا يصر المنجمون علي {التركيز علي } يوم الولادة {بالذات}، بدلا من اليوم الذي يتكون فيه الجنين، عند عمل الحسابات “الفلكية” الحرجة؟

وحتي نعرف الجواب علي هذا السؤال، قد يعيننا معرفة  {معلومة بسيطة و هي } أنه عندما بدأ التنجيم منذ آلاف السنين الماضية، كان وقت الولادة يعتبر وقتا سحريا {ليس له صلة بالأحداث التي تحصل قبله}. و لكن اليوم، نحن نعرف أن الولادة هي (نتاج) تراكمي لمدة تسعة أشهر تقريبا من عمليات تطورية معقدة التكوين داخل الرحم { من تكوين الجنين و الحمل و غيره }. و {نعلم كذلك } أن الكثير من السمات (الآساسية) لشخصية الطفل تكون قد تكونت قبل يوم ولادته بكثير٠

و لذا فعلينا أن نسأل كيف بإستطاعة الطبقة الرقيقة من جلد و لحم بطن الحامل”أن تقوم بحماية” وليدها قبل ولادته من تأثيرات النجوم و الكواكب؟ ( و هل بالإمكان  تأخير التأثير الفلكي السيء { إذا صادف أن كان كذلك}  بتغطية المولود الجديد بقطعة من لحم الستيك لعدة أيام بعد الولادة مثلا؟)٠

شخصيا أتوقع أن السبب في لجوء المنجمين لتاريخ الولادة (في حساباتهم الفلكهة) ليس له أساس “بنظرية” التنجيم. {بل السبب الحقيقي يعود إلي } الحقيقة البسيطة في كون الجميع تقريبا يعلمون ساعة ولادتهم {أي في الغالب هي معلومة معروفة}، و لكنه من الصعوبة بمكان ( و ربما من المخجل) إكتشاف الساعة { و اليوم} الذي تكون فيه الجنين (في الرحم) .  فالإدعاءات “الجادة” بتأثير الأجسام الرئيسية في المجموعة الشمسية {علي شخصيات البشر  تصر بأنهم لابد } أن يأخذوا {عامل الدقة } بعين الإعتبار للوصول إلي القراءات الصحيحة (و التنبؤات) للأبراج . بل إنهم حتي يصرون علي أن السبب الذي {يفرض علينا } الإيمان بالتنجيم هو أن {جميعها } كانت ، و لقرون عديدة ،  صحيحة في قراءاتها التنبؤية {سواء في معرفة أحداث }  المستقبل أو في (تحليل) الشخصيات {حسب كل برج}٠

و لكن مهلا؛ إذا كان أبعد الكواكب عنا و المعروفة (اليوم) هو نبتون و بلوتو {هذا قبل أن يطرد بلوتو من خانة الكواكب} لم يكن قد تم إكتشافهما قبل سنة ١٨٣٠ بالتوالي. فلماذا إذا لم تكن “التنبؤات” التنجيمية التي تمت قبل هذا التاريخ، جميعها خاطئة و خصوصا أن المنجمين لم يدخلوا (الحسابات الخاصة بتأثيرات) هذين الكوكبين المهمين في الإعتبار؟ بل، لماذا لم تقود المشاكل أو الأخطاء في حسابات النجوم إلي “الإحساس” بوجود هذين الكوكبين قبل أن يكتشفهما علماء الفلك؟

فحتي بعد آلاف السنين و الدراسات {العديدة }  لتجويد هذا الفن، {لا توجد مدرسة واحدة للتنجيم، بل } هنالك العديد من المدارس المختلفة جذريا فيما بينها في كيفية {أو في “مباديء علم” }  قراءة الطالع، و {بالذات } في كيفة التفسير (ألا يذكركم ذلك بالتفاسير المختلفة للكتب المقدسة؟). فأنت ممكن أن تقرأ طالعك المكتوب بواسطة إثنين من المفسرين  في نفس اليوم لتحصل علي تنبؤات، و تفسيرات، و إقتراحات مختلفة تماما فيما بينها، {و أحيانا متناقضة لبعضها }. فلو كان التنجيم علما- كما يدعي المنجمون {أو من يسمون أنفسهم فلكيون }-لكانت نفس التجارب أو الحسابات ستؤدي إلي نفس النتائج٠

و لكن حتي لو وضعنا كل هذه الآفكار المضنية جانبا لبرهه، فهنالك سؤال ملح لازال ينتظر الإجابة عليه ؛  لماذا يكون لمواضع الأجرام السماوية في السماء تأثير علي شخصياتنا، و حياتنا و أقدارنا؟

أي قوة، و أي تأثير، و أي نوع من الطاقة ممكن أن ترحل من النجوم و الكواكب لتصل إلي كل البشر و تؤثر في تطورهم و أقدارهم {و كل ما يرتبط بأعمالهم اليومية}؟

فنحن من الممكن أن نفهم كيف كانت هذه النظرة للتنجيم مغرية قبل آلاف من السنين عند بداياته. ففي تلك الآيام كان الناس يعيشون في رعب من الآحداث الغير متوقعة لقوي الطبيعة  {من برق و رعد و قحط و أعاصير } و بحثوا بيأس عن ” القوانين” المنظمة لها {كي يفهموها و يتجنبوا آثارها السيئة } ، و بحثوا عن الإشارات التي تنذر “بحدوث الشيء” في السماء لتساعدهم بالإستدلال ( علي كيفية التصرف في أمورهم ) الحياتية٠ {و في أحيان كثيرة لم يصلوا إلي إجابات بديهية جاهزة فعبدوها و تقربوا منها بالقرابين ، طمعا في خيرها و درءا لشرها}٠ و لكن  اليوم، و بعد أن إنطلقت صواريخنا { شاقة عباب الفضاء } لتصل إلي الكواكب و تعطينا تفاصيلها {الدقيقة} ، فنظرتنا للكون أصبحت نظرة مختلفة تماما {عن نظرة الإنسان البدائي} . فنحن نعرف أن الكواكب هي عوالم أخري و النجوم شموس أخري- و أنها كلها أجسام فيزيائية بعيدة جدا عنا ، و رحمة بنا فهي غير معنية بالأمور اليومية لحياة المخلوقات علي كوكبنا الصغير. فلا يوجد قاعدة  و لا أساس للخزعبلات التي يدعي البعض أساسا علميا لها ، و لاتوجد أية حسابات آلية { رغم تطورنا التكنولوجي } من قبل المنجمين و التي من شأنها أن تخفي هذه المشكلة الآساسة { و التي هي عدم وجود رابط بين الأجرام السماوية و الكائنات الأرضية } -أي لا يوجد أي دليل علي ميكانيكية عمل هذه الآجرام السماوية من حيث تأثيرها علينا بطريقة معينة٠ {كما يدعي المنجمون}٠

و {حتي نقرب الصورة إلي الأذهان } فلنأخد (علي سبيل المثال) هذا التشبية: تصور أن أحدهم إقترح أن موضع كل طائرات الجمبوجت في العالم في لحظة ولادة طفل ما سيكون له تأثير شديد علي شخصيته أو مستقبله. و كذلك (تصور) أنك بثمن معين ( تستطيع شراء) خريطة آلية تحدد مواضع هذه الطائرات المعقدة في كل وقت ،  و تفسر الخرائط المعقدة {بناءا علي هذه المواقع و تأثير كل منها علي } حياتك. فمهما كانت هذه الخرائط معقدة في بيانها مواضع الطائرات و (مهما كان أساسها)  علمي، فأي شخص متشكك غالبا سيسأل بعض الأسئلة الموجهه و الخاصة بعلاقة موضع هذه الطائرات بشخصية الشخص أو بالآحداث التي تشكل حياة الآفراد٠

الشد الأعظم

بالتأكيد، في العالم الواقعي، من السهولة بمكان أن نحسب تأثير النجوم علي المولود الجديد. فالقوى الفعالة الوحيدة المعروف تأثيرها علينا { كوحدة واحدة مع كوكبنا و المحسوبة بالأبعاد النجمية } هي قوة الجاذبية .  و لذا فمن المكن أن نقارن بين قوة شد كوكب في الجوار .مثل المريخ مثلا،  علي الطفل { المولود حديئا} ، مقارنة بالمؤثرات الأخري عليه. و تبين {المقارنة }  لنا أن الشد الذي يقوم به الطبيب المولد أقوي بكثير من (شد) كوكب المريخ …٠

بعض المنجمين يجادلون بأنه لابد أن هنالك قوة غير معروفة {أي لم يكتشفها العلماء بعد} تسبب التأثير الفلكي { علي شخصيات الأفراد}. و لنفرض أننا سايرناهم و فرضنا أنه هنالك بالفعل شيء ما له القدرة أن يصلنا للسماء حتي لو لم نكن نعرف ما هو. و إذا كان الآمر كذلك، فالتنبؤات الفلكية { أو توقعات النتائج }-كما هو الأمر لأي مجال علمي- يجب أن يكون من السهولة إختبارها. فإذا ذكر الفلكيون أن مواليد برج العذراء غير متوافقين مع مواليد برج الحمل- علي سبيل المثال – فمن المفروض إذا أنه  و بالنظر إلي الالاف من  حالات الزواج و الطلاق أن نري حالات طلاق أكثر بين هذين البرجين و حالات زواج أقل مما نتوقعه أن يحدث بالصدفه٠ {و لكن ذلك لا يحصل بالواقع}٠

يدعي المنجمون دائما أنهم كثيروا الإنشغال  { و لا يملكون الوقت } لإختبار فعالية (تنبؤاتهم)، و لذا ففي العقدين الآخيرين قام العلماء و الإحصائيين بعمل إختبارات كثيرة لهذه التنبؤات عنهم. فهنالك دزينات من الإختبارات المصممة بدقة في كل أنحاء العالم  {لإثبات صحة أو خطأ إدعاءاتهم } ، و المنجمون سقطوا في كل واحدة من هذه الإختبارات٠

دقة تساوي ١٠ في المئه

أحد {هذه الإختبارات } كان ما قام به الفلكيان روجر كلفر و فيليب إيانا من تتبع نتائج التنبؤات الخاصة بمنجمين معروفين و مؤسسات فلكية كبيرة معروفة و لمدة خمسة سنين . فكانت النتيجة  أنه من بين أكثر من ٣،٠٠٠ تنبؤ (متضمنا الكثير من الآمور السياسية، و الآفلام و نجوم السينما و المشاهير) في عينة الإختبار، نجحت نسبة عشرة بالمئة فقط منها…٠

فإذا كانت القراءات قد قادت المنجمين إلي الخطأ تسعة مرات من عشرة محاولات، فذلك من الصعوبة بمكان أن يكون صالحا لمعرفة الأوضاع { المجهولة }  في حياتنا أو الآمور الخاصة بدولتنا. و أنا أتصور أنه علينا أن نجعل تلك الآضواء المؤشرة  { التي تعطينا الإشارات} في السماء توقض إهتمامنا إلي { معرفة } الكون الواقعي ( و المدهش)  و الممتد فيما بعد كوكبنا، و أن لا تجعلنا مقيدين بفنتازيا عتيقة تركت لنا من زمن كنا نحتشد فيه حول النار، خائفين من (ظلمة) الليل٠

إنتهت الترجمة

ملاحظة : الترجمة حرفية قدر الإمكان، و تم حذف بعض الجمل البسيطة التي من شأنها أن تعمل ربكه للنص الأصلي، و ما بين {} هو تعليقي الخاص. أما النص بالإنجليزي فتجدونه هنا

هذا الموضوع كتبه آستاذ إبني لعلم الفلك الدكتور أندرو فراكنوي سنة ١٩٨٨ و نشر في جريدة سان هوزيه ميركري. لاحظ كيف أن الكثير قد تغير حولنا في خلال هذه السنوات و لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو إعتقاد الأغلبية بالأبراج و الحظ. و كتب الأبراج تعتبر من أكثر الكتب المباعة، ليس فقط في معرض الكويت الدولي السنوي التعيس، و لكن في كل أنحاء العالم. فهل فكر أحدنا لو أن المبالغ التي تصرف لشراء هذه الكتب  ( و الآخري التي هي علي نفس الشاكلة) المضيعة للوقت و الجهد و المال و الناشرة للجهل و التي تبلغ الملايين من الدولارات سنويا ، أقول هل فكر أحدنا كم سنكون أدوات بناء للمجتمعات الإنسانية لو أن هذه الآموال تستثمر في أبحاث تفيد البشرية مثل الصرف علي البحوث العلمية للسرطان و السكر و غيرها من أمراض العصر ؟

السنة الجديدة علي الأبواب، و الكثيرون منا لا يستخسرون بضعة دولارات أو دنانير لشراء كتاب التنبؤات للسنة الجديدة و لا يرون فيه ضرر، إلي هؤلاء أقول أن الدينار علي الدينار يصنع المليون دينار و يشجع الجهل و الجهلة علي الإستمرار في خديعتنا و سلب أموالنا،  فإجتنبوه٠

تحياتي و عيد خرفان سعيد