إسمعوا للعم نيوتن، يرحمكم من في السماء

لكل فعل رد فعل مساو له بالمقدار و معاكس بالإتجاه. و هذا لا ينطبق فقط علي القوانين الفيزيائية و لكن أيضا علي العلاقات الإنسانيه كما يقول الدالي لاما. فإن أردنا أن نحسن العلاقات بين أقراننا، ليس فقط من أجل الحفاظ علي  ” الوحدة الوطنية”، و لكن أيضا لنبقي و نعيش بسلام و إحترام متبادل مع كل إختلافاتنا، فلابد من تقبل الآخر كما هو و ليس كما نريده أن يكون. فالكويت تذكرني كثيرا بكاليفورنيا من حيث تعدد أصول أهلها، ليس بنفس التوسع و لا بنفس الدرجات بالطبع، و لكن مع ذلك تتمع بجمال التعددية و إحترام الإختلاف بين شعبها، فالعيون المشخوطة الصينية و البنية الشرقية و الزرقاء الأوربية كلها عيون أمريكية ، لا فرق بينها . و أهم شيء يميزهم هو تحمل بعضهم البعض . فالتحمل لا يعني أبدا محبة الآخر ، فلا أتصور أن من أصوله فيتنامية مثلا سيساعد زميله من الأصول الهندية و يترك الفيتنامي ذو الحاجة (و لكن ذلك لا يعني أنه يتفق مع ساسة فيتنام و يحرض الفيتناميين علي أمريكا) ، فلكل شخص ميول أو تعصب طبيعي لأهله و دينه و طائفته ، و هذا في الواقع لا يشينه إن لم يكن متطرفا ، و لكن معني كلمة التعددية أستطيع أن ألخصه في جملة واحدة – مع التمني بألا يكون ذلك إختزالا له – فهو يظهر من خلال تطبيق القانون الذهبي الذي لا نعرفه نحن الشرقيين للأسف و الذي ينص علي

Do unto others as you would have others do unto you.

بمعني عامل الآخرين بما تريدهم أن يعاملوك

فما يحصل اليوم من الصراع بين السنة و الشيعة في الكويت ممثلة بشيوخ دين متطرفين من كل مجموعة ما هو إلا صراع سياسي علي السلطة و الحكم الشعبوي متلبسا اللباس القدسي لكي تضمن كل مجموعة كسب التعاطف و الولاء لها ، و الولاء هنا لا يقصد به الولاء الوطني ، و لكنه الولاء الطائفي و الديني المذهبي ، و الذي هو أشد ضراوة و بأسا من الولاء الوطني لأصحابه. فلقد بدأ هذا الخلاف علي الموالاة من  قبل ١٤٠٠ سنة و لم ينتهي اليوم  و لن ينتهي غدا ما لم نضع نحن كشعوب له حدا. و الحد لا يكون بإقصاء أو فناء الآخر بفرض منهج الأغلبية كمقرر إجباري عليه ، و لا بإنكار وجود الآخر و غض النظر عن المسائل الخلافية و كأنها غير موجوده. وضع الحد بتصوري يكون بالسماح للجهتين بقول ما يشاؤن دون التدخل الرسمي ، فالمسألة بالأساس شعبية دينية و حلها لا يكون إلا شعبي ديني و من خلال الإصلاح الديني لكل طائفة . و ما علي الدولة الرسمية إلا أنها تسمح للجهتين بقول ما يريدون ، تسمح لهم بالمجادلة و الإختلاف تحت سقفها و حمايتها ، لا أن تأخذ بصف أحدهم ضد الآخر ، و ذلك لأن التدخل الرسمي للدولة سيكبر المشكلة و يخلق منها فوضي ، و يزيد من أنصار كل مجموعة بالتعاطف مع مجموعته و من هم علي مذهبه لقيام الظلم عليه ،  و ليس لأنه نصرة للحق . و هذا ما  يصنع من السفيه بطلا . و هذه ليست نبوة بالغيب و لكنه درس يجب أن نتعلمه من التاريخ و نمضي إلي الآمام بدون مزايدات رخيصة ناتجة عن التفكير العاطفي و الذي بدوره يسجننا في قلب التاريخ فنظل نعيش بنفس الظروف القديمة و نعيد نفس الأخطاء و كأننا مومياءات رجعت لها الحياة بقوة فعل تعصبنا .  فيظهر بيننا السفية الذي يشكك في عرض إنسانة  تعتبر أم المؤمنين للأغلبية السنية الذين أخذوا منها علي الآقل ٨٠ في المئة من أحاديث نبيهم ، و عمرها أكثر من ١٤٠٠ سنه ، و يأتي في المقابل من يستل سيفه للدفاع عن حرمه و شرفه و كأنه يدافع عن أمه أو أخته  التي تعيش معه . يعني اليوم و بعد مرور كل هذه السنوات لا زالت  حادثة الإفك و التي هي مذكورة بالتاريخ – كل حسب الروايات التي يستند إليها- هي  سبب جرائم ممكن أن تحدث بسبب الشرف!٠

هذه قد تكون نكتة نضحك عليها إذا كنا جميعا من خارج هذين المذهبين ، و لكنه في الداخل ، حيث الغليان فالمسألة أكبر من ذلك بكثير. و في هذه أنا أتفق مع ياسر بأن التاريخ و الرويات يجب أن يعاد طرحها و مناقشتها ، ليس لبيان الحق كما يزعم هو ، و لكن لتنقيح التاريخ من شوائبه ، فليست كل الروايات التي وصلتنا صحيحة ، بل هي في أغلبيتها مدلسه بسبب السياسة و التغير في الحكم من قبل دويلات متناحرة بالأصل علي الحكم السياسي و ليس علي الدين، فالدين أو المذهب إستخدم في الماضي كما هو يستخدم اليوم ، و لذلك ففي الآزمنة القديمة إجتهد علماء الدين ليعملوا هذا التنقيح و كان دافع البعض منهم وقتها هو أيضا ما يحصل في المجتمعات من خلافات و غيره . و اليوم هو يوم الفضائيات أي يوم الإتصالات التي أرجعت الأمور الخلافية للسطح مرة أخري ، و لا يوجد أي حل لها إلا بإعادة النظر فيها و من الداخل، من شيوخ الدين للطرفين بالمناقشة و المراجعة و التنقيح و التحديث ،  دون تدخل الدولة. فالدولة بدورها هي أحد المتهمين بما يحدث و ذلك لسوء إدارتها بصورة عامة ، فمن ناحية هي فرضت منهج السلفية في المدارس الحكومية ، و لم يكن بيدها أن تمنع الحسينيات ، فعمل كل جهه بالإتجاة المعاكس. و لو كان المواطن الشيعي لا يشعر بالظلم و محاباة النظام للسني لما سمع لمتطرف مثل ياسر الحبيب. و أنا لا أقول أن الشيعة لا يختلفون مع ياسر، فالشيعة مثل السنة ملل و نحل و أفكار كثيرة، و لكن خلافهم معه ليس بالمبدأ و لكن بالوسيلة ، و السبب هو أنه يتحدث باللغة التي تعودوا سماعها و التي تعكس واقعهم “المظلومية” ، فهل من المعقول مثلا أن تري شخص يسمع قصة الحسين و للمرة المئة لدرجة الحفظ و يبكي عليها و كأنها حدثت البارحة؟ طبعا هذا غير معقول، و أنا مستعدة أن أبصم بالعشرة أن الأغلبية إنما تبكي علي أحوالها اليومية، أو حتي تتظاهر بالبكاء .  فهل وجدت دراسات لبيان تأثير إحياء التاريخ و إسقاطه علي الواقع المعاش علي نفسية الفرد؟ و هل أضمن أن إبن أخي لن يتربي إرهابيا و هو الذي لم يتعدي سنين المراهقة ، و مع ذلك أرسل لإبني ما يقرب الخمسين فيديوكليب كلها تمثيليات لقصص الشيعة الدموية في الحسينيات؟ بالطبع لا، لأن هذه الأمور أخذناها بالوراثة علي أنها مسلمات مقدسات لا يجب أن تناقش، و هذا هو الخطأ، كما أراه أنا

ياسر الحبيب، الرجل الذي أثار في المجتمع الكويتي و نوعا ما في المجتمع الخليجي زوبعة من الغبار الطائفي من أثر التراكمات ا؛تاريخية  و التي تشبه تلك الموجودة في قعر فنجان القهوة التركية الثقيلة، في الواقع  شخصية تستحق أن نقف أمامها و ندرسها ، ليس إيمانا لما يدعو له أو إعجابا به ، و لا حتي تعاطفا معه، و لكن حتي ندرس أحوال الشيعة الإجتماعية و السياسية كأقليات تحت حكم الدولة السنية ، فالشيعة يمثلون أكبر أقلية في الخليج ، و من الخطأ أن يكونوا مهمشين في دراساتنا و بحوثنا. فمن حيث المبدأ قد يختلف الكثيرون حول ما يقوله ياسر و بعضهم حتي تبرأ منه، فالشيعة لا يجمعهم فكر واحد حتي بين الطائفة الإثنى عشرية ، حالهم في ذلك حال السنة ، و لكن ما لا يختلف عليه كل شيعي يحيى في الخليج أنه لا يعامل معاملة السني كمواطن ،  فالمدارس التي يرسل إليها أطفاله تدرسه مناهج دينية أهله لا يتقبلونها و هو يختلف مع توجهها – ليس جميعها بالطبع و لكن في المسائل العالقة بين الطرفين مثل زيارة المقابر مثلا – فيضطر الوالد أن يأخذ أبنائه إلي الحسينيات حتي لا يفقد نهجه الشيعي. و بذلك تزدهر الحسينيات و يكبر سوقها و مستغليها . بل و في كثير من الآحيان يضطر الوالد أو الوالدة أن يحظر بنفسه مجالس الشيعة حتي يعلم إبنه نهجه ، كما فعلت أنا لأني بالأساس تعلمت في مدارس سنية و لم أعرف ما هو الفرق عندما كنت صغيره . و هذا من حقه ، فكل والد يريد أن يربي إبنه علي نهجه. و شخصيا عانيت من هذه المشكلة ، فلقد كنت أقول لإبني عندما لا يتفق ما كان يدرسه في المدرسة الحكومية مع نهجي الشيعي – سابقا- “إحفظ الدرس حتي تنجح، و لكن لا تعتقد به ، بل الصحيح هو كذا و كذا.” و أنا علي فكرة، لم أكن متطرفة أنذاك. و لكن لاحظوا ما لهذه الإزدواجية من تأثير علي العقول الصغيرة الطرية، و ما قد يكون عليه من أثر نفسي تدميري علي شخصة الطفل مستقبلا .  و كذلك الحال بالنسبة للبرامج الدينية في الإعلام  النابع من القنوات الرسمية ، و التي تكون دائما مصبغة بصبغة الآكثرية السنية. و لكن ما يقابل ذلك هو الفضائيات و التي تسمح للطرف الآخر بأن يعمل كمسند يعادل الطرف الآخر حتي لو كان متطرفا، أو حتي لو كان موقع ياسر الحبيب

فياسر بإعتقادي هو بالأساس يعيش ظلم الواقع ، فعشرين سنة حكم بالسجن في قضية رأي لا يكون حكما عادلا، أما إذا كانت القضية قضية إخلال بالآمن العام ، فجريمة بهذه النوعية تحتاج إلي جرم موجود في الواقع ، أي أدوات الجريمة ، فأين هي و علي أي أساس تم الحكم عليه؟ أما هو شخصيا  فيستمد شرعيته من التاريخ  لكي يثآر لأنه بإعتقاده  الشخصي ، و قد يكون محقا ، ظلم من المجتمع الكويتي . فالمجتمع و الذي يغلب عليه التشدد الديني السلفي ، و خصوصا في السنوات الآخيرة ، حكم عليه بالنفي الإجباري من بلده ، و فوق ذلك يطالب قضاة التفتيش المتأسلمون اليوم بسحب الجنسية منه ، مع أني لا أعرف ما دخل هذه بتلك!

و لو كان تم التعامل معه و مع قضيته كقضية رأي و إختلاف طرفين لما كان قد تطور الموضوع بهذه الصورة، و التي بالنهاية رجعت علي الدولة و الحكومة بسوء الإدارة في التعامل معها . فهنالك من يقول أنه أفرج عنه ، و هنالك من يقول أنه تم تهريبه و ضاعت القضية الرئيسية لتظهر مكانها  نزاعات جانبية

فهل هكذا نحل مشاكلنا؟

و أفضل ما أختتم به هو قول للدالي لاما بأن آفضل الديانات هو الدين الذي يجعل منك إنسانا