مسلسل الرعب : الجماعة

أجمل ما في رمضان عندما تكون بعيدا عن الدول العربوإسلامية هو عدم الإحساس بمساوئه و جني ثمار محاسنه .  أذكر أني في سنة الغزو ١٩٩٠و عندما حل رمضان كنت أحيا في أحد ضواحي لندن، و كنت وقتها مسلمة، أحرص علي أداء العبادات بحذافيرها، و منها عبادة الصيام. كان الوقت صيفا و الشمس اللندنية لا تغيب قبل التاسعة. كانوا أطفالي الأربعة صغار، منهم آخر العنقود التوأم بعمر ثلاثة سنوات تقريبا. و لم يكن لدي شغالة و لا حتي صديقة تساعدني عليهم و زوج كحال أي زوج الستيريوتايب الشرقي، يذهب إلي لندن للعمل التطوعي مع السفارة و يرجع البيت مع الإفطار أو بعده. أي كنت لوحدي معظم الوقت أعني بشئون البيت و الأطفال، أسمع صوت الأذان و الذي كان محببا إلي قلبي من خلال راديو الموجات القصيرة و أصوم و أفطر في الغالب لوحدي. و لكن مع ذلك لم أشعر بحلاوة رمضان كما شعرت تلك السنة، و لم يهمني كون أوقات الصوم أطول، بل أني حتي لم أكن أحيانا أشعر بالليل يداهمني. أما سبب حبي لفيليه السمك من مكدونالدز مع أني لا أحب الأغذية  السريعة فهو بسبب أنه كان وجبة إفطاري في أغلب ذاك الشهر. و مع قلة الإمكانيات و قلة المادة، و كثرة الهموم علي الوطن و الأهل و هم محبوسون داخله و أخبارهم مقطوعة. و لكن رمضان تلك السنة، كان سهلا يسيرا خيرا علي ، أو هذا ما شعرته رغم كل أحزاني وقتها، و الأهم من كل ذلك أنه كان روحانيا. الروحانيات فيه تجلت بصفة إنفرادية في علاقة شخصية بين الإنسان و ربه

و رمضان هذه السنة هو الرابع  لي في أمريكا . و مع أني فقدت فيه إيماني القديم و معه إعتقاداتي ، و ديني الإسلامي و معه عباداتي ، و ربي الله و معه تهيوءاتي ، ألا أني لم أفقد فيه روحانياتي ، فرمضان يحمل معه الروحانيات لأنه أصبح يمثل بالنسبة لي تراث و عادات جميله. فمع كل مساوئه و التي لا أطيقها و أنا في الكويت لدرجة كره الشهر، ألا أني أجد راحة نفسية فيه و أنا في الخارج، لأن مساوؤه لا تصيبني و في نفس الوقت أجني ثمار محاسنه كما ذكرت سابقا

فأنا لست مضطرة أن أخفي إفطاري بالنهار خوفا من الشرطة و عساكرها الدينية الشعبوية ، أو مجاملة للأحباب و إحتراما للأهل  و العائلة و كبار السن فيها. و لست مضطرة أن أشارك في حرب شوارعها قبل الإفطار و الشلل في زحمتها بعده. و لست مضطرة أن أغير برنامحي الغذائي و أن  أرهق جهازي الهظمي بالحرمان من الغذاء قبل الإفطار و التخمة بعده. و لست مضطرة أن أجامل الناس في زيارات شكلية لمن لا أستسيغهم و لا يستسيغوني لكسب ثواب الشهر ، فأكون مادة جيدة لإشاعاتهم حتي إشعار أو رمضان آخر. و لست مضطرة لإرهاق ميزانيتي في الغبقات و العيادي  و غيرها، و خصوصا أن العيال كبرت اليوم و لم يعد يكفيها دينار  أو حتي خمسة كما كان الحال معنا أيام العز ، و خصوصا أننا نواجه مشاكل إقتصادية علي المستوي العالمي ،  و المادة أصبحت غير مضمونه و مع شح المادة قل الأمان الإقتصادي علي المستوي النفسي الفردي.

و عليه فكل ما سردت هي أمور لست مضطرة أن أتحملها علي مضض، و في نفس الوقت تهفني أحاسيس بالإشتياق للمة الأهل ، فأدخل المطبخ و أعمل المهلبية باللوز، بنفس طريقة جدتي في الرمضانيات المخزونة في الذاكرة ، فأتسلي بأكلها و أنا أشاهد المسلسلات التاريخية و  التي أستمتع بأدمانها في رمضان من خلال الفضائيات  ، بعد أن أصبح علي الوالده أو أختي أو إبنتي و أدردش معهم علي السكايب. و في العادة أبدأ الشهر بمشاهدة مسلسلات كثيره  و أنتهي بمتابعة واحد أو إثنان بالكثير مما يكون  خلاصه الكريمه أو

Crème de la Crème

و حصاد هذه السنة، بالنسبة لي ، هو مسلسل “الجماعة” فهذا المسلسل بالفعل عمل فني تاريخي جبار ،  فوحيد حامد ، مؤلف هذه الدراما النادرة النوعية في محيطنا العربوإسلامي جمع بين الأداء الفني المترابط المحكم الراقي بدون الكليشيهات ، و الصراحة التاريخية ، فهو عمل إعتمد كما ذكر محمد الباز في  هذا الرابط ” بشكل أساسي علي كتبهم هم، علي مذكرات حسن البنا “مذكرات الدعوة والداعية” ومذكرات عدد كبير من رجاله وأصدقائه، ولا توجد مراجع من خارج الإخوان إلا كتابين فقط أحدهما للدكتور عبد العظيم رمضان، وهو مؤرخ محايد، وكتاب للدكتور رفعت السعيد المفكر اليساري ورئيس حزب التجمع، وهو “الإرهاب المتأسلم”، وأغلب الظن أن كتب رمضان والسعيد لم تكن لمعرفة الوقائع، بل لتفسيرها فقط.”٠ و كل هذه المراجع  أو بعضها مذكورة من خلال سياق العمل الدرامي، و بالتالي يستطيع المشاهد المتشكك الرجوع لهذه المراجع للتأكد بنفسه.

و مع أن المؤلف المبدع لم يتطرق إلي الحياة الشخصية لمرشد الجماعة – لدرجة أنه لم يذكر حتي أنه تزوج أو خلف أولاد ، و شخصيا لم أكن أعلم أن له إبن إلا بعد  سماعي عن قيام إبنه برفع دعوة قضائية علي المؤلف – و ذلك ، أغلب الضن، لما فيه من حساسية ، ليس فقط لجماعة الإخوان و لكن أيضا لذوق المشاهد المسلم العادي و الذي لا يحب التدخل في خصوصياته ، بغض النظر عن  حبه للأقاويل و الإشاعات بصورة عامة ، فهذه الخصوصيات  تعتبر بالنسبة للمشاهد ككشف العورة ،  و بذلك يفقد المؤلف حماس المشاهد الفطن لرؤية الإخوان كما يصوره هو مستندا علي ما لديه من معلومات تاريخية . أقول مع أن وحيد لم يتطرق إلي الحياة الشخصية  ألا أنه لم يسلم من تتبعاتها من قبل جماعة الإخوان ، و الإعتراض لم يكن علي مسار أو توجه الجماعة  و أثرهم علي العالم اليوم ، و لكن علي تشويه شخصية حسن البنا بتصويره غير ما كان عليه في الواقع كثغرة إستندوا عليها و ذلك لأن الصورة مبنية علي آراء من عاصروه و ليست حقائق. و إذا كانت الأمور تقاس بهذه الطريقة فهذا يعني أن كل الشخصيات التاريخية و التي تم تسليط الضوء عليها و في أفضل الأعمال الدرامية لا تبرز حقيقة الشخصيه و واقعها . و هذا كان  متوقعا من الإخوان حيث لم يجدوا أي حجة أخري و لم يعودوا تلك الخلايا السرية  بعد أن كشفت كل أوراقهم . فوحيد حامد لم يكن فقط يعمل حساب لردة الفعل الإخواني علي مسلسله مع أهمية ذلك و كذلك تكهني بإستعدادة المسبق لذلك، و لكن هو تجنب الدخول في الحياة الشخصية  أيضا حتي لا يشتت إنتباه و تركيز جمهوره عن ما يهمهم هم و يهم العامة، ألا و هي حياته السياسية و دوره في خلق أكبر حركة سياسية بلطجية  دينية  مافيوية قائمة في العصر الحالي كما يراه بالمنظار الذي  يسقطه علي واقعنا اليوم، إنظر هذا الفيدو لتري حصاد الجماعة علي أرض الواقع و في الكويت كنموذج لما يحصل في كل الدول الإسلامية

فوحيد حامد لم يعرض هذا المسلسل لأغراض سياسية حزبية  إنتخابيه تخص مصر وحدها مع تقديري بإحتمال ذلك ،  و لكن  أيضا ليبين لنا حقيقة الجماعة بكشف الغطاء عن الخلية  الأم ، التي ولدت خلايا الإرهاب و صدرته إلي العالم أجمع . بما في ذلك سعودية الملك عبدالعزيز بن سعود التي بدأت بذرة الإخوان منها ، حيث أخذ البنا فكر الشجرة الوهابية التي كادت أن تموت بفعل سياسات زمنها و عدم تشبع الأجيال بأساسياتها و مبادئها كالتربة السبخة التي تعيق نموها ،  و غير تدريجيا تربتها بتربية الأجيال بصورة لا تختلف كثيرا عن تربية المماليك التجنيدية مع إختلاف الوسيلة بحكم ضروف الحقبة الزمنية. و شذب مبادئها ، ظاهرا ما يريد في العلن و خافيا لما لا يريد في خلايا سرية . و سقاها من أموال الصدقات و بالأخص البترودولارية القادمة من السعودية و تابعاتها. و أثمرها بذكاؤه و حنكته السياسية و بحنكة و دهاء عبدالعزيز بن سعود و الذي كان بدوره يريد أن يعيد للخلافة  الإسلامية عهدها البائد  و يتوقع بأن تكون حليفته ، و رأي في مصربصورة عامة البذرة الواعدة. و في طموح البنا نقطة قوتة ، فجني الثمار و نشر البذور في جميع أنحاء العالم ببناء المساجد و المدارس الإسلامية الآحادية المنهج ، حتي أنهم اليوم أصبحوا يهددون أحفاده  حتي لو لم يكن ذلك بالظاهر

أما علي المستوي الشخصي فالمسلسل يقدم نموذج لما ممكن أن يحدث عندما  يكون الطموح مدمرا حتي للشخص نفسه . فوحيد حامد قدم حسن البنا  كرجل ذكي ، متدين ورع لدرجة القداسه ، كما يتصوره البعض ممن حسبه أميرا لا يقل عن مرتبة أمير المؤمنين ، و سياسي إستغلالي أصولي  كما يتصوره البعض الآخر و منهم بالطبع خصومه السياسيين ،  و يترك مجال إختيار تشكيل الصورة للمشاهد، و بالنهاية فكل مشاهد و حسب “مرجعه الثقافي ” و الإنتمائي لن يغير فكرته الأصلية عن الشخص ، فمحبيه و جماعته سيتكاتفون و سيستميتون لإرجاع القداسة ، ليس له فحسب، و لكن أيضا للجماعة ، فالجماعة هي حزب الله الفالحون الذين ذكروا في القرآن ، كما هم يريدون أن يصوروا أنفسهم . و أعدائة السياسيين بالطبع سيدافعون عن المسلسل لأن في ذلك مكسب سياسي ممكن أن يستغلونه ، و لكن الشيء المتوقع أن يعمل المشاهد العادي علي  إعادة النظر في حساباته ليعطي حسن البنا حجمه الأصلي و تزداد بالتالي مداركه  الشخصية ، و الزمن هو الشاهد علي أن طموحات حسن البنا كانت أكبر من قدراته، فجهوده الجبارة في سبيل تحقيق الخلافة الإسلامية خلقت التنين الذي لسع بلهبه الأخظر و اليابس و لم يستثنيه شخصيا ، فإنقلب السحر علي الساحر . و هذا ما يفصل بنظري العمل الجيد من العمل الرديء. فالعمل الأدبي الجيد لا يفرض رأيا أحاديا علي المشاهد كما تفعل علي الأقل ثمانين بالمئة من أعمالنا الدرامية و البرامج التلفزيونية العربوإسلامية اليوم ، بل يترك لكل منا مساحة  للإختيار

إذا كنت لم تشاهد المسلسل فأنا أنصح به  لأهميته ذلك في توسعة مدارك  المشاهد ، فهو كما ذكر عمرو أديب في برنامجه القاهرة اليوم يلخص عدة كتب في عمل درامي واحد ، و هذا مهم جدا بالنسبة لشعوبنا التي لا تقرأ ، و هو معروض علي اليوتوب و هذه هي  الحلقة الأولي

أرجو أن تستمتعوا به كما فعلت أنا

أما رمضان ٢٠١١ فأنا من الآن بإنتظار مسلسل محمد علي ، تمثيل الممثل الكبير يحيى الفخراني و أتمني أن يكون بنفس مستوي مسلسل الجماعة

كل عام و أنتم بخير