أعظم مسرحية علي وجه الأرض(٥)…مراجعة كتاب

إثباتات لعلم النشوء و الإرتقاء للكاتب ريتشارد داوكنز

For English click here

١٣- هل الطبيعة مصممة بذاك التصميم الدقيق الذي يبدو للناظرين؟

سنوات من التعليم و التكرار الخاطيء برمجت عقولنا علي أن ننظر إلي الأمور من خلال منظار يعطينا صورة مختزلة سطحية للأشياء حولنا، دون الدخول في التفاصيل الدقيقة و التفحص و التمحيص . فأصبحنا نري كل شيء في الوجود و كأنه مصمم بدقة المهندس البارع كمن ينظر إلي الألوان الباهرة للبيت التجاري  و لا يعرف عيوبه في طريقة توزيع الغرف أو الأدوات الصحية أو الكهربية.  فلو أننا تفحصنا و قربنا النظر من خلال التلسكوب لروية الأشياء بدقة أكثر، فسوف نري أن الكون ليس فقط بعيد عن الكمال و الدقة و لكنه أيضا بعيد عن أساسيات  ما يتطلبه التصميم الأساسي أو الأولي ، و في هذا الصدد يقول داوكنز واصفا الأعضاء الحيوية للإنسان،”العيون و الأعصاب التابعة لها، قنوات الحيوانات المنوية ، الفجوات و الجيوب الأنفية و الظهر كلها تصميمات ركيكة  إذا نظرنا لها بصورة شاخصه (قام بشرح كل منها بالتفصيل)، و لكن (كل ما سبق ذكره)  مع كونه بعيد (كل البعد) عن الكمال و (المثالية) ألا أنه يصبح مفهوما إذا نظرنا إليه من خلال النظرة التطورية (التدريجية لهذه الأعضاء). و نفس الشيء يطبق علي (نظام) الإقتصاد الكلي في الطبيعة. فالخالق الذكي من المفروض أن يصمم ليس فقط الأجسام الفردية للحيوانات و النباتات، بل كل الأنواع (المندرجة) في النظام البيئي بأكمله. و يفترض (أن يبني) نظام إقتصادي تم التخطيط له مسبقا و لكل ما في الطبيعة ، و  (أن يكون هذا النظام) مصمم بدقة بعيد عن الإسراف و التبذير، و لكن (الأمر)  ليس كذلك.” .  ثم يبدأ داوكنز في شرح مفصل إبتداء من الفصل الثاني عشر ليبين كيف أن المصمم الذكي في الواقع ليس ذكيا. و كيف تكون بالمقابل  فكرة التعقيد التراكمي إبتداء بالبساطة هي أقرب إلي الإستيعاب و الفهم عندما ننظر إلي الأشياء بمنظار الإنتقاء الطبيعي. و لماذا لا يوجد ‘عدل إلاهي’ في حرب التنافس في (إقتناء الحيوانات) للأسلحة الطبيعية  (و التي تساعدها علي البقاء) في الطبيعة٠

١٤- هل تتناقض نظرية التطور مع القانون الثاني للديناميكية الحرارية (ثيرموداينامكس)؟

القانون الثاني من الديناميكية الحرارية يقول أنه ” علي الرغم أن الطاقة لا تفني و لا تستحدث من العدم، و لكن بإمكانها- بل يفترض أن تكون كذلك في النظم المغلقة- أن تصبح أقل جدوي أو قيمة لتحدث أي شغل (يذكر). و ‘الشغل’ : هو ما نعنيه عندما نقول أن ‘ الأنتروبيا’ تزداد. ‘ الشغل’ يشمل أشياء مثل ضخ المياه إلي أعلي التلة أو – ما يعادله كيميائيا- إستخلاص الكربون من ثاني أكسيد الكربون في الجو لإستخدامة في نسيج النبات (عملية البناء الضوئي)…فالعملين ممكن أن يتما فقط إذا تواجدت قوة لتغذية النظام، كقوة كهربية لتشغيل مضخة مياة، أو طاقة شمسية لتشغيل عملية التركيب الكيميائي (التصنيع) للسكر و النشا في النبات الأخضر علي سبيل المثال. فعندما تضخ المياه إلي أعلي التلة، فإنها ستنحدر بنفسها (بسبب قوة الجاذبية) إلي أسفل التله، و بذلك يمكن إستخدام بعض طاقتها (المتجهة إلي الأسفل) في تشغيل العجلة المائية (الدينامو) لخلق الكهرباء، و (من ثم إستخدام الكهرباء) في تشغيل ماكينة ضخ المياه  لضخ الماء إلي أعلي التلة مرة أخري : و  لكن (هذه الطاقة الكهربية المستخدمه) هي جزء من الطاقة الأصلية (للماء المنحدر و ليس كلها) لأن بعض  من الطاقة يضيع في العملية – و لكنها (مع ذلك) لا تفني أبدا.” كما يشرح داوكنز بما يعنيه القانون الثاني من الديناميكية الحراريه.  و الخلقيون عادة يزعمون أنه إعتمادا علي هذا القانون ” فتقريبا كل الطاقة في الكون هي طاقة متقهقرة أو تقل مع  مرور الوقت من الصورة القادرة علي عمل شغل إلي صور غير قادرة علي عمل أي شغل.  و بالتالي يحصل توازن و خلط للقوي (تدريجيا) حتي يصل الكون إلي حاله معادلة (القوي) ، (أو بالمعني الحرفي) ‘ موت الطاقة الحرارية’.” مما يعني  أن التعقيد لا يمكن أن يكون قد بدأ بالتراكم  التدريجي من أصل البساطة، بل العكس هو الصحيح. و لكن داوكنز يؤكد أن الواضح بأن من يقول هذا الكلام من الخلقيون أنهم لا يفهمون القانون الثاني للثرموديناميكا، كما لم يفهموا نظرية التطور من قبل. فهو يقول ” لا يوجد تناقض و ذلك بسبب (وجود) الشمس!” فالشمس مصدر متجدد للطاقة. و أن النظام (التراكمي) “بينما لا يخالف قوانين الفيزياء و الكيمياء- و بالتأكيد لا يخالف القانون الثاني- فالطاقة الشمسية تعطي قوة (مستمرة) للحياة، فتلين و تمطط قوانين الفيزياء و الكيمياء لتتطور الأعمال الإستثنائية التي تؤدي إلي التعقيد، و التعدد، و الجمال، و (كذلك) التوهم الشاذ بإحصائيات اللاإحتمال و التصميم المزعوم…فتطور الحياة إلي تعقيد أكبر (ممكن) فقط لأن الإنتقاء الطبيعي يسوقها محليا بعيدا عن المحتمل إحصائيا إلي اللاإحتمال. و هذا بسبب  المصدر المتواصل للطاقة الشمسية.”٠

١٥- كيف بدأت الحياة؟

قبل الدخول في كيفية بدء الحياة علينا أن نعرف ما هو الفرق بين الحياة، و اللاحياة، و علي هذا يجيب داوكنز أن “الفرق بين الحياة و اللاحياة ليست مسألة جوهر (منفصل عن الجسد) و لكنها مسألة معلومات؛ فالخلايا (الفيزيائية) الحية تحوي كميات هائلة من المعلومات. و أغلب هذه المعلومات  تكون مشفرة رقميا في جينات (جزيئات) الدي إن إيه، كما أن هنالك عدد كبير من المعلومات المشفرة بطرق أخري.” و من ثم يسترسل داوكنز بشرح هذه الطرق بالتفصيل واصفا إياها بالذاكرات الأربع. أما بالنسبة لكيف بدأت الحياة يقول داوكنز بأنه علي الرغم من كثرة معلوماتنا عن ميكانيكية التطور ألا أننا نعرف القليل عن بداية (الحياة) فيقول ” قد تكون البداية حاله نادرة جدا و حدثت مرة واحده، و علي قدر (المعلومات المتوفرة لدينا) فهي بالفعل بدأت مرة واحده…و لكننا نستطيع أن نقول، و علي أساس المنطق الصرف و ليس لجوءا للأدلة، أن دارون كان دقيقا  (جدا) عندما ذكر أن الحياة بدأت ” من بداية بسيطة جدا’. فعكس البسيط هو إحصائيات اللا إحتمال. و الأشياء التي تكون إحصائيا في اللا إحتمال هي (الأشياء التي) لا تتواجد تلقائيا: و هذا ما يعنيه (أن يكون الأمر) إحصائيا في اللا إحتمال. فالبداية لابد أن تكون بسيطة، و نظرية التطور بالإنتقاء الطبيعي لازالت هي العملية الوحيدة التي نعرف أنها تستطيع أن تعطي البداية البسيطة قوه دفع لتحدث نتائج معقدة ” و في الفصل الثالث عشر يقدم داوكنز عدة نظريات مطروحة بين الساحات العلمية علي كيفية بداية الحياة مؤكدا علي عدم وجود إجماع عليها من قبل العلماء، أما بالنسبة له شخصيا فهو يرجح  (ما يسمي) بالنظرية العالمية للآر إن إيه فيقول أن ” هنالك عقدة (في البدايات) مفادها أن الدي إن إيه بإستطاعته أن يتضاعف، و لكنه (لكي يقوم بذلك) يحتاج (بداية) إلي الإنزيمات ليحفز العملية كيميائيا. و البروتين يستطيع أن يعمل كمحفز  و لكنه يحتاج إلي الدي إن إيه  (بالأساس) ليحدد تكوين التدرج الصحيح في الأحماض الأمينية فيه. فكيف إستطاعت الجزيئات البدائية من الأرض أن  تتحرر من هذا التشابك و تسمح للإنتقاء الطبيعي بأخذ دوره (بعد ذلك)؟ هنا يدخل دور الآر إن إيه.” و من ثم أسهب داوكنز بالتوضيح أن، ” الآر إن إيه يتبع نفس عائلة سلسلة الجزيئات التي يتبعها الدي إن إيه، و هي تسمي البولينيوكليوتايدز. و هو قادر علي حمل (المعلومات) علي نفس الأحرف الأربعة الموجودة علي شفرة الدي إن إيه، و (في الواقع) هذا هو عملها الفعلي في الخلايا الحية حيث تحمل المعلومات الجينية من الدي إن إيه إلي حيث يمكن إستخدامها. و الدي إن إيه يعمل كلوحة (يستخدمها) الآر إن إيه للبناء التدرجي . و عندما يتم بناء البروتين يتم إستخدام الآر إن إيه و ليس الدي إن إيه كلوحته (مصدر معلوماته الأساسية). فبعض الفيروسات ليس لها دي إن إيه بالمره. بل الآر إن إيه فيها هو (ما يشكل) جزيئاتها  الجينية، و هو الذي يتحمل مسئولية نقل معلوماتها الجينية من جيل إلي جيل.” و من ثم أضاف موضحا الفكره الرئيسية  الخاصة بالنظرية العالمية للآر إن إيه و الخاصة بأصل الحياة بقوله أنه “بالإضافة إلي مقدره هذه الشفرات بتمديد الهيئة أو الشكل المناسب لتمرير المعلومات الجينية، فالآر إن إيه أيضا بإمكانها أن تصنع نفسها… (و) بأشكال (متعددة) في الأبعاد الثلاثية، و (هذه العملية تشمل) نشاطات إنزيمية. فإنزيمات الآر إن إيه موجودة بالواقع مع أنها ليست عملية مقارنة بإنزيمات البروتين، و لكنها تعمل. و نظرية الآر إن إية العالمية تقول أن الآر إن إيه كانت جيدة لدرجة كافية للإحتفاظ بالقلعة (العصارة الأولية) لحين تطور البروتين ليأخذ دور الإنزيم، و أن الآر إن إيه كان جيدا و بصورة كافية للتكاثر و ( تحمل مسئولية) الدور (البدائي) لحين تطور الدي إن إيه” و بالتالي تطور الخلية الحية الأولي٠

و الآن و بعد أن إنتهينا من الأسئلة الأكثر شيوعا، أود أن أتطرق قليلا لبعض ما ذكره  بالفصل الأخير (١٣) من الكتاب حيث قدم داوكنز تحليلا فلسفيا (لكل سطر) في الفقرة الأخيرة من كتاب دارون ‘أصل الأنواع’ :٠

و هكذا،  فمن (خلال) حرب الطبيعة،و من (خلال) القحط و الموت، (برز)  الشيء الأكثر رقيا و بإستطاعتنا أن نستسيغه ، و (هذا الشيء) متمثل حرفيا بإنتاج الحيوانات الراقية التي تبعت (هذه الحروب). فهنالك عظمة (تتجلي) بهذه  النظرة إلي الحياة، مع قواها المتعددة، و التي بدأت بالنفخ في أشكال قليلة أو شكل واحد؛  فمن دوران هذا الكوكب حسب القوانين الثابتة للجاذبية، و من هكذا  بساطة في الأشكال (البدائية) تطورت أجمل و أبهي الصور و لازال تتطور٠

و بهذا أثبت داوكنز، كما فعل دارون قبله، أن العلم ليس جافا و باردا،  و أن السر العظيم إنما هو بالتفاصيل . فروعة و عظمة الحياة إنما تتجلي بمعرفة هذه التفاصيل و التصرف من خلالها بالتفكير المنطقي و النظرة الدقيقة الثاقبة و الفاحصة لميكانيكية الحياة و الأحياء . و قبل أن أترك الموضوع أود أن أضيف مسألة واحدة لاحظتها شخصيا كلما دار النقاش عن الموضوع، و ذكرها داوكنز في كتابه،  ألا و هي القول بأن دارون كان يؤمن بالخلق و الخالق. و عادة ما تكون حجة من يناقش ذلك هو الجملة التي يقول فيها دارون” و التي بدأت بالنفخ بواسطة الخالق في أشكال قليلة أو شكل واحد” . كما هو واضح من الكلمتان اللتان قمت بتضليلهما  بالأحمر (بواسطة الخالق) فهما لم يكونا مدرجان في كتاب داوكنز، و لكنما موجودان بالنسخة التي بحوزتي. و السبب في ذلك حسب داوكنز أنه قد تم إصدار عدد ستة طبعات لكتاب دارون، و الطبعة الأولي و التي يفتخر أنها بحوزته (١،٢٥٠ نسخة) لم يدرج بها هاتين الكلمتين، فيقول “علي أغلب الضن أن دارون إنحني لضعط اللوبي الديني، و لهذا أضاف ‘ بواسطة الخالق’ في الطبعة الثانية و كل طبعة تلتها.” و أرفق داوكنز في كتابه رسالة كان قد بعثها دارون إلي صديقه عالم النبات جوزيف هوكر يذكر فيها ندمه علي ‘ رضوخه للآراء الدينية’ و التي لازالت تلاحق نظريته. أما بالنسبة لجزئية ‘نفخ في’  و التي تبدو كأنها روح تنفخ في جسد، فعلينا أن نتفهم أن دارون كان يعرف القليل (في زمنه) عن كيفية بداية الحياة،  و حتما أقل بكثير مما نعرفه اليوم، و قد يكون قالها جوازا، فدارون ” لم يناقش كيف بدأ التطور في ‘أصل الأنواع’. فلقد كان يضن أن المسألة أكبر من (مقدرة) العلم (بفك رموزه) في زمنه. ففي رسالة إلي هوكر…ذهب دارون إلي القول ‘ إن التفكير في أصل الحياة مجرد هراء (ضائع) في وقتنا الحالي؛ فلعلنا أيضا نفكر في أصل الماده’ و لكنه  (مع ذلك) لم يستبعد إحتمال حل اللغز مع الوقت (و بالتأكيد، فأصل المادة مسألة تم حلها و بصورة كبيرة في زمننا) و لكنه تصورها أن تكون في المستقبل البعيد (عندما قال): ‘ سيمضي بعض الوقت لكي نري ‘ المواد اللزجة و البروتوبلازم، إلخ’ تنتج حيوانا جديدا.”٠

و بالنهاية أود أن أؤكد أن هذا الكتاب ضرورة، و بالأخص للقراء المسلمين الذين لم يتم تضليلهم بالتعليم فقط، بل ساهم الإعلام في ذلك أيضا. أتذكر عندما تم إكتشاف أردي في ٢٠٠٩ قامت كل وسائل الإعلام في العالم بنشر الخبر علي أنه ‘إكتشاف عظيم لأحد الحلقات الوسطية’ بينما عرضت قناة الجزيرة الخبر و كأنه إثبات علي دحض النظرية، و تلاعبوا بالترجمة لهذا الغرض. و لم تهتم أية قناة أخري أو جريدة أو مجلة عربية بنشر الخبر. و للأسف فداوكنز محق؛ فهذه النوعية من المشاهدين يريدون مشاهدة مثل هذا الهراء٠

النهاية

إضافة

[youtube=