أعظم مسرحية علي وجه الأرض (٣)… مراجعة كتاب

إثباتات لعلم النشوء و الإرتقاء للكاتب ريتشارد داوكنز

For English click here

٥- ما هو عمر الأحياء علي الأرض؟ أو ما هو الوقت  المحسوب منذ زحف السمك لأول مرة إلى الأرض ليقطنها؟

من الأهمية بمكان أن نعرف عمر الآرض لكي يسهل علينا تصور المدة الزمنية الهائلة التي أخذتها الأحياء للتطور علي وجهها. يقول ريتشارد داوكنز أن “العمر المقاس لكوكبنا هو ٤.٦ بليون (مليار) سنه.” و الوقت ” الذي قضي منذ أن مشي جد كل الثدييات علي الأرض هو تقريبا مليوني قرن (٢٠٠،٠٠٠،٠٠٠) ، و قد يبدو القرن وقتا طويلا بالنسبة لنا. (و لكن) هل تستطيع تخيل مليوني قرن ممتدين كل قرن خلف الآخر؟ (أما) الوقت الذي مر منذ أن حبي أو زحف جدنا السمك خارج الماء إلي اليابسة (فإنه) يقارب ثلاثة ونصف مليون قرن؛ و هذا يعني أنه أخذ فترة أطول بحوالي عشرون ألف مرة من المدة التي أخذها (الإنسان) ليشكل كل الأنواع المختلفة من الكلاب (أقل من ألف سنه)- و في الحقيقة هي مختلفة جدا – من الجد المشترك بينها.” و أربعة و سته أعشار من البليون عدد هائل نسبة إلي ثلاثة و نصف من ملايين القرون. و لكن إن وضعنا عمر الكون  في الإعتبار بداية من حصول الإنفجار الكبير ( أي قبل زمن لا يقل عن ١٣.٥ بليون (مليار) سنة)، فحسب الفلكي الراحل كارل سيجان، فكل أشكال الحياة لا تتعدي الدقائق الأخيرة علي الرزنامة الكونية علي مقياس معادلة ١٣.٥ بليون سنة لكل سنة كونية ( إنظر لهذا الرابط للتوضيح) أي أننا عندما نتحدث عن التطور فإننا نتحدث عن الأزمان الجيولوجية العميقة و ليس عملية تغييرية واضحه  و مباشرة من جيل إلي جيل٠

٦- كيف نعرف عمر الصخور؟ و كيف نعرف عمر الأرض؟

في الفصل الرابع يقدم ريتشارد داوكنز  تفصيل شامل لأنواع عديدة من الساعات الجيولوجية الطبيعية و يبين كيفية عملها. فيقدم ‘الساعات الإشعاعية’ لحساب تواريخ الصخور البركانية  (الإشعاعية) و ذلك لسهولة تقدير أعمارها، فهذه الصخور تتحول ذراتها و بصورة زمنية ثابتة لكل منها إلي ذرات تلك المواد القريبة منها في الجدول الذري . و عند أخذ عينة من هذه الصخور إلي المختبر يتم حساب نسبه المواد المتقاربة علي الجدول الذري لمعرفة عمرها الزمني منذ أن بدأت بالتصلب بعد خروجها بصورة ‘لافا’ من باطن البركان. و هكذا  يقدرون عمر الطبقات إلي واحد بالمئة من الخطأ.  و كذلك قدم الساعات الطبيعية الأخري مثل حساب حلقات السنين في جذع الشجرة، فالشجرة تكون معرضة لتغير الأحوال الجوية و بالتالي يحدث تغيير في قشرتها الخارجية في كل فصل، بل و من سنة إلي أخري حسب السنوات الممطره و سنوات الجفاف و يشبه ذلك أيضا الحلقات المرجانية التي تتكون سنويا و يستخدمونها في تقدير العمر الزمني للبراكين القديمة. و نفس العملية مع الترسبات في البحيرات الجيولوجية من سنة إلي أخري.  أما الساعات الكربونية فهي خاصة بتقدير عمر الأحافير في كل طبقة، فكل الأحياء بما فيها النبات و الحيوان يدخل الكربون في تركيبها و بنسب معينة بين نوعين منها هو كربون 12 و كربون 14، و عندما يموت الكائن الحي تختلف هذه النسب و من هذا الإختلاف ممكن تقدير ساعة موته و بالتالي تقدير الحقبة التي عاش بها الكائن الحي.  و ما ذكرته أنا في هذه العجالة إنما جزء قليل من ما هو متوفر في الطبيعة. و يقول داوكنز أن وجود هذا الكم من الساعات في الطبيعة في الواقع هو من حسن حضنا ” فلتبارك الطبيعة التي زودتنا بأصناف واسعة من الساعات التي نحتاجها، و  الأكثر من ذلك أن حساسية مدي كل منها متداخل مع الآخر و هذا يسمح لنا أن نستخدم الواحدة للتدقيق علي الأخري.” بمعني أن عملية تقدير عمر الأرض و الطبقات ليست عملية حدسية و حسب، بل عملية قياسية تعتمد علي الحساب و التدقيق الدائم٠

٧- هل يشترط المدة الزمنية الكبيرة لحصول عملية التطور بحيث لا يمكن أن نكون شهودا عليها؟

يقول داوكنز بأنه مع أن الأغلبية الغالبة لعمليات التطور كانت قد حدثت قبل أن يوجد الإنسان، ألا أنه ليس ذلك شرطا لحدوث العملية. فالطبيعة بها بعض الحالات التي تطورت فيها الكائنات بصورة سريعة لدرجة أنها ممكن أن تحدث خلال المده الزمنية لجيل واحد من عمر الإنسان. و ليؤكد هذا الكلام قام داوكنز بإستعراض بعض الأمثلة و منها علي سبيل المثال إنقراض الفيلة الأوغندية ذوات الأسنان العاجية الكبيرة و بقاء تلك ذات الأسنان العاجية الأقل وزنا خلال ثلاثة و ثلاثين سنه (1925-1958). و يرجع سبب ذلك إلي الإقبال علي صيد تلك الفيلة و ترك الأخري لتتكاثر مما كان نتيجته إنقراض الفيلة ذات السن العاجية الكبيره. و كذلك قدم داوكنز تجارب عملية  قام بها العلماء في الطبيعة و المختبرات ليشهدوا عملية التطور تحدث أمام أعينهم ، فقدم  التجربة التي تم عملها بالطبيعة علي سحليات من جزيرة بود كابستي علي الشاطيء الكرواتي عندما تم تغيير بيئتها و ذلك بنقلها إلي بود مروكارو و هي جزيرة  أخري بنفس الشاطيء  و لا يوجد فيها هذه النوعية من السحالي، مما كان له أثر علي طريقة تطورها بصورة مغايرة  تم قياسها بعد سبعة و ثلاثون سنة.  و من التجارب المختبرية قدم داوكنز التجارب التي قام بها لينسكي و تلاميذه علي البكتيريا حيث قاموا بفصلها في  إثني عشر مجاميع و غيروا طريقة تغذيتها و كذلك قاموا بتجميد بعضها و من ثم إرجاعها للحياة ليقارنوها بأخواتها التي تكاثرت  بخمسة و أربعين ألف جيل  خلال عشرين سنه (و التجربة لازالت قائمه). أما أكثر الأمثلة إثارة للدهشه فلقد كانت لتطور الجنين في الشهور الأولي في بطن أمه، حيث أسهب داوكنز في بيان ميكانيكية تطور و دور الجينات مبينا أن الجينوم  و الذي يحمل تاريخ الصفات الوراثية لا يعمل كرسمة البناء الجاهزة ‘بلو برنت’ لبعض الصفات الناقله  كما هو موصوف في كتب الأحياء المدرسية و لكن عملها يكون أقرب لوصفة الطعام حيث تكون المقادير معروفة  مسبقا و لكن الطبق في النهاية يكون خاضع للقوانين المحلية (مثل ذوق الشيف و غيره). فالخلية الأولي التي تتكون من الأب و الأم في الواقع تحمل جميع الصفات الوراثية و لكن ما يتحكم في عمل بعضها و عدم عمل البعض  الأخر (شبهها داوكنز بمفتاح الكهرباء حيث يتم إطفاء البعض و إشعال البعض الآخر) هي القوانين المحلية في كل خلية  أثناء تطور الجنين و منذ الخلية الأولي و الخلايا الأخري المنقسمة عنها لاحقا و هكذا لمدة تسعة أشهر. ” إن أحد الأمور المفاجأة التي تعلمناها من عملية التطور أنها ممكن أن تكون سريعة جدا” كما يقول داوكنز. و كذلك يؤكد أن هنالك حالات من التطور تتم ببطيء شديد لدرجة أن تلك الحيوانات بالكاد تختلف عن جدودها الموجوده في الطبقات القديمة من الأرض و لذلك تم تسميتها بإسم ‘ الأحافير الحية’. فالحيوانات ” غير مبالية  بزمن تطورها، و ممكن حتي تكون غير مبالية للتطور بالمره” كما يذكر داوكنز٠

٨- هل إنحدر الإنسان من القرد؟

كلا، الإنسان لم ينحدر من القرد، و لكننا نشاركهم بجد واحد. “الجد المشترك قد يكون أكثر تشابها بالقرد من الإنسان، و إحتمال أن نسميه بالقرد إذا كنا قابلناه قبل خمسة و عشرون مليون سنه. و لكن حتي لو كان الإنسان إنحدر من جد ممكن نسميه قردا، فلا يوجد حيوان يلد مباشرة حيوان من نوع آخر، أو علي الآقل ليس بإختلاف كبير كالإختلاف بين الإنسان و القرد أو حتي الشمبانزي. التطور لا يعمل بهذه الصورة. فالتطور ليس فقط عملية تدريجية في الواقع؛ و لكن عليها أن تكون تدريجية حتي يمكنها إعطاء التفسير المناسب لما يحدث (بالطبيعه). فالقفزة الكبيرة في الجيل الواحد -و الذي هو مثل ولادة الإنسان من قرد – هو غير وارد و يتساوي بذلك مع (القول) بالخلق المقدس، و يستبعد لنفس الأسباب؛ إحتمالات حدوث الأثنين إحصائيا غير ممكن.” كما ذكر داوكنز٠

٩- هل يوجد ‘ ثغرات’ من الأحافير في الطبقات الأرضية؟

يقول داوكنز أننا في الواقع “محظوظون لوجود الأحافير من الأساس، فدع عنك الكمية الكبيرة التي نملكها بين أيدينا و الكافية لتسجيل التاريخ التطوري  (للكائن الحي)- حيث يوجد بين هذه الأعداد الكبيرة، و بكل المقاييس حلقات وسطية جميلة. ” و في الفصل التاسع يبين داوكنز أن التوزيع الحيواني في الجزر و القارات هي بالضبط كما نتوقعه أن يكون “إذا كانت جميع (هذه الكائنات) أبناء عمومة  و تطورت من جد مشترك علي مدي زمني طويل”. و في الفصل العاشر يقارن داوكنز صفات الحيوانات حسب توزيعها الجغرافي و بالخصوص شفراتها الجينية ليبرهن أننا في الواقع لا نحتاج إلي الأحافير لإثبات أن التطور حقيقه . فكما ذكر فالإثباتات لعلم التطور في أمان حتي لو لم يكن لأي إحفورة وجود. أما وجود الأحافير فتعتبر إظافة أو “بونص أن يكون لدينا مخزون غني بالأحافير، و  هذا العدد الكبير الذي يتم إكتشافه كل يوم. فالأحفاير الخاصة للكثير من الحيوانات الرئيسية موجودة و (تدل علي نفسها) بقوه ،  و لكن مع ذلك يوجد ثغرات”. و هذه الثغرات هي بالذات في ندرة وجود الأحافير في الحقبة التي تسبق الحقبة الكمبرية؟

١٠- ما سبب قلة وجود الأحافير في الحقبة ما قبل الكمبرية، علي ضوء نظرية التطور؟

قبل التغلغل في تخمين التصورات لأسباب ندرة الأحافير بحقبة ما قبل الحقبة الكمبرية، يقدم لنا داوكنز الدودة الشريطية، بلاتيهيلمينثس. و يعرفها بقوله أنها “رتبة عظيمة من الديدان بما تشملها من الديدان الطفيلية و الديدان المفلطحة،  و التي تمثل أهمية عظيمة في المجالات الطبية.” و من  ثم يسهب بالخصوص في ” دودة التربيبليريوم الحره، و التي يوجد منها أكثر من أربعة آلاف نوع: و هذا يساوي عدد كل الثدييات مجتمعه. و هي شائعة في الماء و اليابسة، و علي أغلب الضن كانت شائعة لمدد زمنية طويله، و مع ذلك فليس لها أحافير.” و لذا ”  فالعوامل التي أثرت علي عدم تكوين الأحافير للدودة الشريطية خلال تاريخها الجيولوجي و حتي اليوم، ” كما إستنتج داوكنز فلابد أنها ” هي نفسها التي أثرت علي كل مملكة الحيوان في الحقبة التي سبقت حقبة الكمبري” موضحا أنه ” إحتمال أن يكون أغلب الحيوانات في تلك الحقبة من النوع الرخوي كما هي الدودة الشريطية، و إحتمال أيضا أن تكون صغيرة كما هي دودة التربيبليريوم – أي ليست جيدة لتكوين الإحفورة. و من ثم حدث حادث  ما من نصف بليون سنة سابقة فسمح للحيوانات أن تصبح مادة جيدة للأحافير – كظهور الهيكل العضوي الصلب (الأصداف) علي سبيل المثال”٠

يتبع