أعظم مسرحية علي وجه الأرض (٢)…مراجعة كتاب

إثباتات لعلم النشوء و الإرتقاء للكاتب ريتشارد داوكنز

For English click here

Duke’s first grooming

في البوست الماضي ذكرت أني سأحاول أن أقدم بعض الأسئلة الأكثر شيوعا عن التطور و بالترتيب المدرج في الكتاب، و كذلك سأحاول تلخيص إجابات ريتشارد داوكنز عليها  بالإظافة إلي تعليقاتي، إن وجدت، لكل من لديه حب الإستطلاع لمعرفة علم التطور. و لكن قبل الدخول في ذلك، أعتقد أنه من الأهمية ذكر أنه لا يوجد عالم معتبر و لا رجل دين مثقف يرفض نظرية التطور، كما ذكر داوكنز – بالطبع هو يتكلم عن الغرب. فأسقف أكسفورد و رئيس أساقفة كانتيربري –  أتذكرون محاضرته الشهيرة و التي يطالب فيها بتطبيق الشريعة علي مسلمي بريطانيا؟- أو حتي البابا ليس لديهم مشكلة مع النظرية. ” رجال الدين المثقفين (في الدول الغربية) إستسلموا في محاولاتهم بدحضه بعد أن شهدوا الأدلة”، و لكنهم مستمرون بتظليل الشعوب، ” رجال الدين الذين يؤمنون بالتطور لا يبذلون الجهود لتثقيف الناس بأن آدم و حواء لم يكن لهما وجود أبدا، و إذا ضغطت عليهم يحتجون أن نيتهم (في تكرار القصة) ليس له إلا معني ‘رمزي’٠

١- هل التطور ‘مجرد نظريه’؟

من أجل الإجابة علي هذا السؤال، خصص داوكنز أول فصل في كتابه ليبين أن هنالك سوء فهم شائع بين الناس في تعريف كلمة ‘نظرية’  و ذلك عندما تستخدم بمعناها العام.  و حتي قاموس أكسفورد يحمل معنيين للنظرية. أما التعريف العلمي للنظرية فهي أقرب لتعريف الثيوريم .  و ” الثيوريم في العادة تبدأ  ‘كمجرد’ فرضيه” و الفرضية عبارة عن ” فكره تنتظر تأكيدها سواء بصحتها أو بخطئها”، و ” و قد تبدأ الفكره بمرحلة الغوص في وحل السخرية، قبل أن ترتقي بخطوات مؤلمه إلي أن تصل إلي مرحلة الثيورم أو الحقيقة التي لا جدال فيها.”  و  “كلما زادت محاولاتنا و تعمقت لدحض النظرية، و مع ذلك بقيت النظرية صامدة و كتب لها النجاة، كلما أصبحت أقرب إلي ما يسميه الإحساس البديهي لدينا بالحقيقه” و لا توجد نظرية تعرضت إلي هذا الكم الهائل من الهجوم في تاريخ البشر كمثل ما تعرضت له نظرية التطور من أول ما ظهرت مع دارون و إلي اليوم، مع أنها اليوم أصبحت واقع. فالنظرية تصبح واقع و حقيقة عندما يستخدم تطبيقاتها البشر. فالمضاد الحيوي علي سبيل المثال لا الحصر، و الذي يصفه الطبيب لمعالجة الإلتهابات و يفرض علينا أن نتبع إرشادات دقيقة في أخذه  ككورس لفترة معينه مع مراعاة الدقة  للفتره بين كل جرعة و أخري ليس إلا علم مبني علي أحد تطبيقات نظرية التطور. و في الواقع يقول داوكنز أن ” هذا الكتاب هو عبارة عن الدلائل الإيجابية بأن التطور ليست ‘ مجرد نظرية’  بل أنه حقيقه.”. و علي هذا الأساس فهو خصص كل الفصول الإثني عشر الباقية  من الكتاب في تقديم بعض هذه الأدلة، مؤكدا أننا ” نعرف أن  نظرية التطور حقيقة لأن هنالك سيل من الأدلة يرتفع  بإستمار ( مع الزمن) لكي يساندها.” و علي هذا الأساس بدأ مشواره  بتعريف لكلمة “الحقيقه” من قاموس أكسفورد ذاكرا أنها ‘الواقع المنظور أو الشهادة الثقه، في مقابل ما هو تخمين” و من ثم أكمل مشواره ببيان كيف أن هذا التعريف يطابق نظرية التطور تماما٠

كينيث ميللر بروفسور الأحياء المتخصص في علم الخلايا، و مؤلف الكثير من كتب الأحياء التي تدرس في الكثير من الثانويات في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلي  كونه كاتب الكثير من الكتب الأكثر مبيعا، ذكر  بينما كان يحاضر بموضوع  “تحطم نظرية التصميم الذكي” في جامعة كيس وستيرن أن نظرية التطور هي الحقيقة بقدر ما هي نظرية الجاذبية حقيقه، مع أننا نسمي الإثنان  ‘ نظرية’ و لا نسميهما حقيقة. و علي فكره ميلير كاثوليكي ملتزم، كما يصف هو نفسه

٢- إذا كان الإنسان تطور من الشمبانزي، فلماذا الشمبانزي مازال حيا يرزق في الأرض؟

هذا خطأ شائع، الحيوانات الحديثة لا تنحدر من بعضها البعض، و لكننا جميعا نتشارك في جد مشترك و كل منا أخذ خطا مغايرا للآخر في تطوره. ” الفكرة أن لكل حيوانين مختلفين لابد أن يكون هنالك دبوس شعر يجمع طرفيهما. و ذلك لسبب بسيط و هو أن كل كائن حي يشارك الآخر بجد واحد : و كل ما علينا فعله هو أن نأخذ طرف أحد الكائنين و نرجع به  للوراء حتي نصل إلي هذا الجد المشترك ، و من ثم نغير الإتجاه خلال دبوس الشعر لنتقدم بالطرف الآخر ونصل إلي الكائن الحديث الآخر.”٠

٣- لماذا أخذ دارون كل هذه المدة ليظهر علي الساحة؟

مع أن فكره التطور لها جذور في فلسفة الإغريق  ( ذكر كارل ساجان في كتابه النظام الكوني – كوسموس – أن إمبيدوكليس و أناكسيماندر و ديموقريطس “توقعوا بعض مظاهر فكرة دارون العظيمة عن التطور بالإنتقاء الطبيعي”)  ألا أن نظرية التطور لم تأخذ حقها من البحث العلمي الجاد إلا بعد نظرية الإختيار الطبيعي لدارون – و كذلك ألفرد رسل واليس، و هو العالم المعاصر لدارون و إكتشف التطور بمعزل عن دارون – فما هو السبب؟

يقول داوكنز أن الأسباب عديده، ” قد يكون السبب هو أن عقولنا مرعوبة بالوقت الطويل الذي يحتاجه أي تغيير جذري لكي يحدث – عدم التوافق بين ما نسميه الأن الوقت الجيولوجي العميق و بين مده حياة الشخص  و درجة  إستيعابه عندما يحاول فهم  (الفكره). و قد يكون التلقين الديني هو سبب عدم تقبلنا  لها. و قد يكون السبب هو  التعقيد المهول لعضو حيوي كالعين، و الذي تم شحن العقول بها مع تأكيد الإعتقاد الوهمي المرعب بأنها من إنتاج مهندس بارع.” و أنا أضيف أنه من الممكن أن يكون السبب سياسي نتيجة لمعاهدات السياسيين الأزلية مع رجال الدين و في إصرارهم بالحفاظ علي الشعوب في غياهب الجهل و ذلك ليسهل عليهم التحكم، و هو إحتمال وارد و خصوصا أننا اليوم لدينا مثال واضح في الدول الإسلامية و كيفية تعامل حكامها مع الشعوب٠

و أضاف داوكنز إحتمال آخر ورد علي لسان  إيرنست ماير و يتعلق بالنظرية الفلسفية ‘الماهيه’، حيث ربط فكرة عدم إكتشاف التطور من قبل بسبب ‘ إفلاطون’. فبالنسبة لإفلاطون و هو الرياضي الذي يري جميع ما في الكون كأشكال هندسية، فإنه يري أن لكل شيء تصميم أساسي، و ما التعددية في أشكال الحيوانات في الرتبة الواحدة إلا ظل أو خيال للتصميم الأساسي، و الخيال ممكن أن يتغير و لكن الأصل يظل هو النموذج. أي أن الأرنب قد يتغير بالشكل، و الكلاب قد تتغير بالنوع، و لكنها تضل صورة مموهة من التصميم الرئيسي. و هذه النظرة تعارض الفكرة الأساسية في التطور. فالتطور يعمل بصورة تراكم التغييرات الطفيفة من جيل إلي جيل و التي تكون في الأساس نبتت من نفس البذرة و من ثم تفرعت إلي الأنواع المتعدده، فلا يوجد تصميم أساسي لللأرنب، و لا يوجد تصميم أساسي للكلب. و التعددية هي في كون كل فرع يتطور بفردية عن غيره. فهي كالشجرة التي تتطور منها الأفرع بصورة مختلفة بسبب الظروف المختلفة لكل منها و التأثيرات ‘التي تسبب التغيار الأحيائي. “بالنسبة لماير” كما يذكر داوكنز “السبب الذي أخر بروز نظرية دارون علي الساحة (العلمية) هو أننا – سواء بتأثير من الفلسفة الإغريقية أو لأي سبب آخر – لدينا الماهية محترقة في جيناتنا الفكرية.”٠

فقبل دارون كان الإعتقاد الشائع أن الصفات الوراثية تنتقل بين الأجيال و تعمل كمزج الألوان ببعضها حيث تكون النتيجة لون جديد مغاير للألوان الأصلية؛ مثال علي ذلك هو اللون الرمادي الناتج عن خلط اللونين الأسود و الأبيض. و بعد إكتشاف الجينات و البحيرات الجينية التي يحملها كل كائن حي ، تغيرت الفكرة إلي ما يشبة خلط ورق اللعب (الجنجفه)، و هذا ما أرجع فكرة دارون الخاص بالإنتقاء الطبيعي إلي الساحة بصورة أقوي. دارون بنفسه لم يكن يعلم عن الجينات ( مع أن أول من ذكرها كان قس ألماني يدعي جورج مندل و كان معاصرا له)، و لكن ما كتبه عن توليد أو تهجين الحيوانات (شرح ذلك في كتابه و إستفاض في شرح توليد الكلاب و الطيور و خصوصا الحمام) في ضوء نظرية التطور طابق تماما مع ما تم إكتشافه و بحثه لاحقا. فالحيوانات تحمل الجينات و تخلطها  كما نخلط الورق و تورثها للأجيال اللاحقة لتحدث التعددية. و هكذا من جيل إلي جيل. و هذه الجينات قد تظهر أو لا تظهر في صفات الأجيال و لكنها تكون دائما موجودة بالخلية الحية كملف تاريخي لكل كائن حي (جينوم). مربي الكلاب و مولدوها يستخدمون الإنتقاء الصناعي كي ‘ يشكلوا’ الكلاب حسب مواصفات يرغبون بها؛ مثل ذيل أقصر، أو بوز أطول. و نفس الشيء يحصل بالطبيعة ألا أن الإختيار يكون طبيعيا. و هذه كانت نقطة القوي في فكرة دارون٠

٤- ماذا يعني الإنتقاء الطبيعي؟

هنالك خطآ شائع بنسب المصطلح ‘ البقاء للأصلح’ إلي دارون، فهذا المصطلح إخترعه سبنسر و الذي عاصر دارون و كتب عن التطور. و يبدو أن دارون لم يستخدم هذا المصطلح حتي يتجنب سوء الفهم الذي قد ينتج عنه. و عوضا عن ذلك إستخدم دارون مباديء الإنتقاء الصناعي، حتي يوضح و عن طريق التجربة و البرهان كيفية عمل الإنتقاء الطبيعي، بدون تدخل الإنسان. فتوليد و تهجين الكلاب هو إنتقاء صناعي، و تربية الماشية لتحسين الحليب هو إنتقاء صناعي. و تربية الخيل و تهجينها لسباقات القفز علي الحواجز هو إنتقاء صناعي. الطبيعة تعمل بنفس الطريقة تماما، ألا أن التدخل الطبيعي يكون مختلفا لكل كائن علي حده (يمكن أن يكون التطور في عضو معين فقط، أو في جزء معين بالجسم). و هنا يقدم داوكنز العيد من الأمثلة في ميكانيكية الإنتقاء الصناعي و الإنتقاء الطبيعي إبتداء من الفصل الثاني في كتابه. و يؤكد لنا أن ” الإنتقاء الصناعي ليس فقط أداة قياس للإنتقاء الطبيعي” فالإنتقاء الصناعي هو ” الإختبار العملي الحقيقي – بمقابل النظري – لفرضية أن الإختيار يسبب التغيير التطوري.” فالأزهار في الطبيعة، علي سبيل المثال، و التي لها روائح أفضل و ألوان أزهي يكون فرصتها بالبقاء أكبر لأن لها فرص أكبر لجذب الحشرات و الطيور و إغرائها، مما يكون نتيجته فرصة أكبر لنشر حبوب لقاحها و زيادة إنتاجها بالتكاثر. بينما الحشرات و الطيور التي تملك أعضاء تؤهلها بصورة أكبر لإستخلاص رحيق الأزهار و التغذية عليها، لها فرصة أكبر بالحياة و بالتالي نقل جيناتها للأجيال القادمة. و إذا تمت هذه العملية بصورة دائمة علي المدي الزمني الكافي، فذلك يعني أن كل كائن حي يصبح مصمم أو ناحت للآخر. و هذه هي ميكانيكية عمل الإنتقاء الطبيعي بصورة عامه.  و هي ليست مقتصرة علي الأزهار و الحشرات و لا علي الرائحة و النظر. و علي هذا المنوال فالجينات في بحيرة الجين قد تم إنتقاؤها علي مدي زمني هائل لكي تقوم بنحت ما نحن عليه اليوم. و في الفصل الثاني يبين داوكنز مثال رائع في الإنتقاء الصناعي ببيان دور ” عين الإنسان (النظر) الذي يعمل في إختيار التوليد علي مدي أجيال، و كيف قامت بعمل نحت و عجن النسيج اللحمي للكلاب لينتج التعددية المذهلة بالشكل و اللون و الحجم و كذلك التصرفات.” أما في الفصل الثالث فهو يباشر في “عملية الإغواء  الذهني ، خطوة بخطوه، ليمررنا من الأجواء المحلية المألوفة بالنسبة لنا في عالم تربية الكلاب و الإنتقاء الصناعي وصولا إلي فكرة دارون بالإنتقاء الطبيعي من خلال ألوان متعددة من المراحل الوسطيه” كما ذكر ذلك بنفسه٠

يتبع