أعظم مسرحية علي وجه الأرض(١)… مراجعة كتاب

أعظم مسرحية علي وجه الأرض\ إثباتات لعلم النشوء و الإرتقاء للكاتب ريتشارد داوكنز

كتاب في ٤٨٠ صفحه، نشر في عام ٢٠٠٩

The Greatest Show on Earth/ A book Review

إضغط هذا الرابط
و هذا الرابط

For English click Here

من يعتقد أن العلم بارد و جاف و غير رومانسي عليه قراءه آخر  كتاب – و الثاني بعد تقاعده-  لبروفسور الأحياء في  جامعة أكسفورد السيد ريتشارد داوكنز حتي يفهم كم هو بعيد عن الحقيقه. فريتشارد داوكنز بقدراته العلمية الواسعه بالإضافة إلي تحكمه البارع في اللغة العلمية و الشعرية، لم يجعل العلم سهلا علي الفهم و حسب، بل جعله أيضا مدهشا و ممتع. و علي الرغم أن ريتشارد داوكنز نشر عدة كتب في نظرية النشوء و الإرتقاء (نسميها هنا مجازا بالتطور) – حيث قرأت شخصيا أغلبيتها- و لكنها لم تكن بهذه القوة و بهذه القدرة علي تشغيل الدماغ و بهذه الصورة في الإيحاء كهذا الكتاب. فهو بصورة عملية برهن التطور بتطوير نفسه في كل كتاب كتبه؛ حيث كان التغير التدريجي في إسلوبه واضح مبين . و علي الرغم من أنه  لم يكن في نية الكاتب مناقشة ميكانيكية علم التطور في هذا الكتاب، كما ذكر هو شخصيا،  و ذلك لأن كتبه السابقه ‘الجين الأناني’  و ‘تسلق جبل اللا إحتمال’ و ‘ صانع الساعات الأعمي’ نشرت لهذا الغرض و لتبسيط علم التطور لمن هم من خارج الإختصاص العلمي، كما أن  أكبر كتبه حجما ‘ قصة الأجداد’- و الذي هو غني بالمعلومات- كتب ليضع  فيه جميع ما يخص تاريخ الحياة علي الأرض. و لذا، فبالنسبة له فهو قد أعطي موضوع التطور حقه العادل. و لكنه  مع ذلك كان يشعر أن هنالك فراغ كان لابد من ملئه، أو ‘ حلقة ناقصة’ عليه أن يعطيها إهتمامه – و هي أن يعطي إثباتات لعلم التطور. و هذا كان الغرض من كتابة هذا الكتاب. و لكن بغض النظر لنية الكاتب الأساسية، ففي وجهه نظري  الشخصية داوكنز ألقي عصفورين بحجر واحد و خلق تحفة فنية بمناسبة مرور مئتي عام علي ميلاد دارون و مائة و خمسين عام علي نشر كتابه ‘أصل الأنواع’٠

يؤكد لنا داوكنز أنه مع تطور الكثير من العلوم علي ضوء نظرية التطور ، فالموضوع لا يحتاج إلي كتاب أو حتي لعالم مثله لكي يدافع عنه؛ فالدلائل محسوسه في كل مكان. الطبيعة تعطينا هذه الدلائل كل يوم. فالتطور ليس مقصورا علي تلك  الكائنات التي تأخذ ملايين السنين لكي يتغير نوعها ، بل هي عملية حيويه تحدث في كل دقيقه لدرجة أننا من الممكن أن نكون شهودا عليها خلال مدة حياة الواحد فينا ، و لكن للأسف هنالك جهل متفشي بين الشعوب و لأسباب غير علميه . فقد ذكر أنه و منذ عام ١٩٨٢ بينت إحصائيات غالوب، و هي الإحصاءات الأمريكية الأكثر شهرة أنه  “أكثر من ٤٠ في المئة من الأمريكيين ينكرون أن الإنسان تطور من حيوانات أخري، و يعتقدون – أن الحياة – قد خلقها الله خلال   ١٠،٠٠٠عام” و أن “الإنسان الأول عاش جنبا إلي جنب مع الديناصورات” و هذا ما جعل نشر هذا الكتاب “ضروريا” في نظره. و للأسف، كما ذكر، هذه الموجة من الجهل ليست فقط منتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية، و لكنها أيضا وصلت إلي بريطانيا و أوربا مؤخرا،كما بينت إحصائيات اليوروباروميتر المقدمة في سنة ٢٠٠٥، و هذا ما يوعزه داوكنز  بالتأثير الأمريكي من ناحية، و من ناحية أخري بسبب ” التزايد الإسلامي في صفوف المدارس الأوربية – و بتحريض من الإلتزام الرسمي ل’ التعددية’ و الرهبة المصاحبة للعنصرية”. و هذا الواقع جعل الجهود المبذولة من قبل مدرسي العلوم الذين  يتداولون مباديء التطور في صميم عملهم جهودا ضائعة ” فهؤلاء يتم مهاجمتهم بأستمرار،  و يتم إحراجهم و محاربتهم و إساءة معاملتهم و حتي تهديدهم بفقد وظائفهم.” و هو سمي هؤلاء “ناكري التاريخ ” و ” ذوي الأربعين بالمئة” و لأجلهم كتب هذا الكتاب. و لكنه ذكر أيضا أن المعلومات التي وضعها في هذا الكتاب يمكن أن تكون في متناول من يعرفون أن التطور هو حقيقة الحياة، و لكن ينقصهم الخلفية العلمية لتساندهم في مناقشاتهم مع ناكري التاريخ أو الخلقيين أو – المحدثين – الذين يسمون أنفسهم ناصري التصميم الذكي. فكما ذكر داوكنز ” أحاول أن أصل إلي ناكري التاريخ في هذا الكتاب، و كذلك من هم ليسوا ناكري التاريخ و لكن ليس مهيئين لمناقشة الموضوع مع ناكري التاريخ.” و كذلك إتهم ناكري التاريخ بإنكار ” ليس فقط حقائق الأحياء، بل أيضا حقائق الفيزياء و الجيولوجيا، و الفلك، و الأحافير، و التاريخ و كذلك الكيمياء.”٠

و هذا الكتاب حتما ليس للقراء المسلمين لأنه و بصورة واضحة إذا تم عمل مثل هذه الإحصائيات  في البلاد الإسلامية، فالنتيجة ستكون ليست فقط مقلقة و لكن أيضا ستكون مخجلة. و لذا فداوكنز لامس الموضوع بحساسيه عندما تكلم عن المسلمين مع إحتفاظه بمسافة آمنه و لأسباب معروفه للجميع. و عدا عن عرض النسب العالية  في الإحصائيات لناكري التاريخ في تركيا – الدولة العلمانية المسلمة الوحيدة بين الدول الإسلامية –  فهو ذكر كيف أنه و عشرات المئات من العلماء حصلوا علي كتاب ضخم ملون – شيء شبيه بكتب  الزينة علي طاولات الإستقبال – ك ‘هدية’ من هارون يحيي. و شرح كيف أن المدعو هارون ليس له أدني فكرة عن التصنيف في علم التطور و الذي إرتجل فيه عندما قدم تبريرات لمواضيعه، دع عنك ‘ الحلقات الناقصة’  التي ذكرها في موضوع لم يقدمه بصورة مناسبة من البداية. فلقد كتب داوكنز عنه، ” و هنالك مثال مماثل بالسخرية (و الجهل) نجده بكتاب المدافع الإسلامي هارون يحيي  ‘ أطلس الخلق’ و الذي تم الصرف ببذخ علي إنتاج أوراقه اللامعة بمعلومات خاطئة تنم علي جهل صاحبه. هذا الكتاب لاشك أنه كلف الكثير لإنتاجه، و هذا ما يجعل كونه يوزع و بدون مقابل لعشرات الآلاف من مدرسي العلوم بما فيهم أنا، أكثر غرابة. و علي الرغم من الكلفة المدهشة لهذا الكتاب، فالأخطاء فيه أصبحت إسطورية. فحتي يبين هارون المعلومة الخاطئة  التي تقول أن الأحافير القديمة لا يمكن  فصلها عن الحيوانات الحديثة المرادفة لها، فهو يقدم ‘ثعبان البحر’ علي أنه ‘الإنقليس’ (حيوانان مختلفان لدرجة أنهما وضعا في رتب مختلفة من الفقاريات) و يقدم ‘سمكة النجمة’ علي آنها بريتل ستار’ ( و هي حيوانات مختلفة في رتب القناقذ) و دودة السابليد (أنيليد) ك ‘كرينويد’ أو ‘ زنبق البحر’ ( إكرونيد: و هذان الكائنان ليسا فقط مختلفان بالدرجة الرئيسة  لتصنيف كل منهما و لكنهما يختلفان بوضعهما تحت ما قبل المملكة التي يتبعها كل منهما -رتب رئيسيه.  و لذا فلا يمكن أن يكونا متقاربين لبعضهما حتي لو حاولا ذلك مع كونهما حيوانات) و كذلك – و هذه هي الأظرف – قدم ‘سنارة صيد السمك ‘ علي أنها ‘ حشرة الكادس’٠

و أكثر ما يدعو للسخرية في  ما جاء في تعليق داوكنز  عن المسلمين كانت هذه الجملة التي شدت إنتباهي و حرضتني علي كتابة هذه المراجعه، “و لا يسعني إلا أن أتوقع أنه (يحيي) يعرف جماهيره تمام المعرفة، و أنه و بقصد و سخرية يستغل جهلهم .” فشر البلية ما يضحك. و لذا فسأحاول بدوري أن أسلط الضوء علي بعض الأسئلة و أن ألخص أجابات داوكنز بالإضافة إلي تعليقاتي عليها في هذه المراجعة، ليس لتثقيف  السواد الأعظم الجاهل في المجتمعات الإسلامية، و لكن للأقلية اللامعة التي تريد و بحق الفهم و لكن تقف اللغة في سبيلها. و يجب علينا أن نضع بالإعتبار أن ما أكتبه هنا ليس كافيا لمعرفة نظرية التطور و حتما لا يغني عن قراءة الكتاب. أما من يستطيع قراءة اللغة الإنجليزية فأنا أقترح و بشدة قراءته. فالتطور ليس فقط فرع من فروع العلوم و لكنه معرفة للحياة. إنه الأساس لمعرفة طبيعتنا البشرية، و علاقاتنا كأفراد في جماعات، و كذلك لمعرفة مكاننا في هذا الكون٠

يتبع